جوزيه ساراماجو، ومراجعة لرواية “المنور”.

-بطاقة فنية عن الكتاب:

اسم الكتاب: المنوَر
اسم الكاتب: جوزيه دي سوزا ساراماغو (بالبرتغالية: José de Sousa Saramago)
اسم المترجم للعربية: هيثم لمع.
دار النشر: شركة المطبوعات للتوزيع و النشر.
سنة النشر: الطبعة الأولى بالعربية 2014، الطبعة الأولى في البرتغال 2011.

2-عن الكاتب:
روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب، وكاتب أدبي ومسرحي وصحفي. عاش ساراماغو في لشبونة، مدافعا عن الحب كوسيلة لتحسين الوضع الانساني، و كان من مؤيدي الشيوعية اللاسلطوية ( الشيوعية الأناركية – Anarcho-communism)، الأمر الذي عرضه للنقد من جهات كثيرات كالكنيسة الكاثوليكية و الاتحاد الأوروبي،إذ عارضهما في كثير من القضايا. و بعد أن تمت إزالة روايته الشهيرة ”الانجيل يرويه المسيح” من القائمة القصيرة لجائزة Aristeion Prize بأمر من الحكومة البرتغالية،و سخطا على الرقابة السياسية على أعماله، ذهب ساراماغو إلى المنفى في جزيرة لانزاروت الإسبانية، التي أقام فيها حتى وفاته في عام 2010.
كان ساراماغو أحد الأعضاء المؤسسين للجبهة الوطنية للدفاع عن الثقافة في لشبونة عام 1992، و مؤسس مشارك مع الروائي الكبير أورهان باموق، لبرلمان الكتاب الأوروبيين (EWP).

3-عن أعمال ساراماغو،  يمكن تقسيمها إلى:

١- حقيقيَّة (أي تتناول مواضيع تاريخية) مثل: قصة حصار لشبونة. يعيد فيها ساراماجو صياغة التاريخ البرتغالي مع السخرية من بعض الخرافات،مركزا على العنصر الانساني فيها.
٢- متخيَّلة (التي تقوم على قصة خيالية من وحي الكاتب) مثل رواية العمى و كل الأسماء. رواية العمى التي فاز على إثرها بجائزة نوبل للأدب عام 1998، و هي رواية دسمة لأنها تتضمن معاني وجودية، كفعل الخير وتبعاته، وتحليل النفس البشرية عندما تتعرض لأزمات مفاجأة.

دخول عالم ساراماجو الأدبي قد يكون صعبا في البداية، لكنه في نفس الوقت مثير جدا، لأنه أولاً لا يستخدم علامات التنقيط العادية، بل يستخدم الفواصل والنقط فقط، مما يجعل النص يبدو جملا و فقرات طويلة متراصَّة قد تتجاوز الصفحة الكاملة أحيانا، تجبرك على القراءة الحذقة، و هذا يعني معرفة الدلالات الخاصة التي ابتكرها الكاتب و إلا فلن تفهمه، إضافة إلى معرفة وتمييز التهكم من السخرية،والإلمام بالمسائل الوجودية و الأسئلة الفلسفية العميقة.

4- عن رواية المنور:

” الكتاب الذي فُقِد في زمن وعُثِر عليه مع الزمن”

رواية المنور (Claraboia بالبرتغالية- Skylight بالإنجليزية)، هي أولى الروايات التي كتبها ساراماغو، في خمسينيات القرن الماضي، و لكنها لم تنشر إلا بعد وفاته، ووراء عدم نشرها قصة ملخصها أن ساراماغو بعد الانتهاء من كتابتها قام بإرسال مخطوطتها إلى إحدى دور النشر التي لم ترد عليه، ذلك الصمت الطويل الذي دام لعقود من الزمن آلمه كثيرا، و استعصى عليه نسيانه، لدرجة أنه لما اتصل به القائمو على دار النشر بعد سنوات طويلات حاملين خبر العثور على روايته تلك و أنهم يريدون نشرها،أجابهم بالنفي، و عاد بها إلى المنزل و أهملها،لغاية في نفسه، حتى نشرتها مؤسسة ”جوزيه ساراماغو” بقيادة زوجته و حبيبته بيلار بعد وفاته، و تفاصيل القصة و النشر ترويها لنا بيلار نفسها كتقديم للرواية.

تدور أحداث الرواية في إحدى مباني لشبونة التي يقطنها سكان من الطبقة الوسطى، حيث يقدمهم لنا الكاتب بشكل تسلسلي داخلا منزلا، خارجا إلى آخر، في سرد سينيمائي سلس ووصف جميل يدخلك البناية. يواصل بعدها القفز في الفصول بين شقق البناية، مسلطا الضوء على القاطنين،المختلفة حياتهم الشخصية، مشاكلهم، أهدافهم، أحلامهم.. من العمال و الموظفين إلى ربات المنزل و النساء الكادحات و الرحالة..الخ،في وسط هذا يتحفنا الكاتب بفقرات انشائية بديعة للغاية تجعلك تقف عندها متأملا.
فهي إذا كما تم وصفها ” رواية شخصيات بالدرجة الأولى”،تفنن ساراماغو في تصويرها لنا، حتى بدت كأننا نعرفها في من حولنا، شخصيات تجلى فيها التنوع الانساني بأشكال عديدة. و الاقتباس في بداية الرواية لـراوول برانداو يعبر عنها جيدا: في كل نفس، كما في كل بيت، توجد، غير الواجهة، زوايا مخبأة.
إن حاولنا تصنيفها اذا أقول:رواية اجتماعية، تعالج مشاكل الطبقة الوسطى في ظل خلفية اقتصادية متأزمة، و مجتمع مقيّد بالكثير من التقاليد الإجتماعية والدينية الحازمة والديكتاتورية. رواية أتت قبل أوانها، بأفكار لم تكن متقبلة حينها،قد يجعلنا نَحزِر لما لم تُنشر و تم نسيانها لأكثر من ثلاثين سنة!

إذا كنت قد قرأت لساراماغو من قبل، فإنك سترى ساراماغو آخر تماما في هذه الرواية،بأسلوب بسيط وبارع، وصف جميل وممتع، في رأيي هي من أفضل الأعمال التي قرأتها له و أنصح بها كل شخص يريد دخول عالم ساراماغو خاصة و الأدب اللاتيني عامة.

تدقيق لغوي: بشرى بوخالفي

Facebook Comments