مراجعة رواية “النبطي” للروائي المصري يوسف زيدان

1-بطاقة فنية عن الكتاب.

اسم الكتاب: النبطي
اسم الكاتب: يوسف زيدان
الناشر: دار الشروق
سنة النشر: الطبعة الأولى 2010 (تم إصدار 13 طبعة رسمية حتى الآن)
عدد الصفحات: 394
تصنيف: رواية تاريخيّة

2-عن الكاتب.

يوسف زيدان، روائي أديب وفيلسوف مصري، كاتب رواية “عزازيل” الفائزة بالبوكر، يمكنك قراءة مراجعتنا ومناقشتنا معه عن كتابه شجون عربية هنا.

3-عن النَّبَطِيّ.

“هذه البلاد ليست بلادي. ولا الذي أراه منذ فجر اليوم، بلادي. ولا الأرض التي تصفر تحت خطانا، بلادي.. كان لي بلد وحيد، أخضر، هو حضن أمي. وقد تركته خلفي ومضيت مع رجال لا أعرفهم، إلى حيث لا أعرف، ولا أعرف طريق الرجوع.” هكذا تحسرت مارية (ماوية)، فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، من مجتمعٍ مصريَّ قبيل الغزو الإسلامي لمصر، تجدُ نفسها وقد تأخَّر زواجها -بحكم عادات عصرها- تحزمُ متاعها لتهمَّ بالرَّحيل مع قومٍ لا تعرفهم، مغادرة نحو شبه الجزيرة العربيَّةِ، فاقدةً لكلِّ خيارٍ غيرِ مطروحٍ، “وهل جاءهم -خطّاب- غيرُ رجلٍ عربيٍّ من قبائلِ الأنباطِ؟” كذلك بدأت حياتها وكذلك استمرَّت.

“ألا تملُّ الشمس ذلك الطلوع اليومي المبكر؟”، وهكذا تساءل يوسف زيدان حاكيا القصة على لسان مارية، بأسلوب سلس، إذ يتجلَّى في الرواية كسردٍ وصفيٌّ، يصف الأحداث و(يسرد) الأماكن بدقَّةٍ وبلغةٍ شعريَّةٍ راقيةٍ. تغيب الحبكةُ في العملِ، لكن ينوب عنها تجميعٌ لأحداث وشَّخصيَّاتِ تاريخية، حقيقيّة وأخرى خياليّة، منسوجة جميعها بخيال روائي واسع، يخترق حواجز النفس، ليكشف صراعاتها الخفية.

تعتبر رواية النبطي قطعة فنيَّة، من الأدب الروائيِّ التاريخيِّ، انعكس من خلالها وعي الكاتب بالإطار الزمكاني للأحداث، من خلال عدَّةٍ أفكارٍ طرحها، أولاها كان إعادة بناء تصور القارئ عن الثقافة العربيّة المطمورة التي وصلت إلينا مختزلة في لفظة واحدة ووحيدة “الجاهلية”، إذ حاول رد بعض الاعتبار لحضارة “الجاهليين”، عاداتهم، دينهم..الخ، في محاولةِ “استكشافٍ ومسايرةٍ لنص عربي جُهل”، بإدراج ايقاعات لغوية شعرية تميزت بها تلك الفترة.

كما حاول الكاتب إزالة بعض الأوهام من خلال دحضه لخرافة فتح مصر بأربعة آلاف جندي فقط، فقدم رأيه التاريخيّ العلميّ مغلفاََ داخل أحداث الرواية، ومن هذا اشارته لقصَّة مارية القبطية وصياغته المغايرة لصورة (الصحابي) حاطب بن أبي بلتعة، بتقديمه بوجه أكثر واقعية من روايات الوعاظ، أي أنَّه قدَّم نقدًا شكليَّا لمفهوم الصحابي. وهنا يجدر بنا الإشارةُ إلى أنَّ الرواية بذلك قد قدَّمت نقدًا ضمنيًّا محتشماََ للإسلامِ، في مقابلِ “عزازيل” التي قدَّمت نقدًا مباشرًا للمسيحيَّة. إذ عرض الكاتب صورة مغايرة لما ألفناه عن انتشار الإسلام، وهي صورة مبنية على وجهة نظر قبائل وعرب شبه الجزيرة الوثنية، وذلك بأن صوَّرَ أن إسلام أغلبهم كان سطحيًّا مصلحيًّا لا غير، فلا يكادون يسمعون عن تعاليم الدين الجديد إلا كما يسمعون من قوافل التجارة عن الأخبار الأخرى من حرب وسلم. خلاف ما قد نتوهمه من وضوح الأمور كما هي لنا اليوم. وقد صوَّر تأذِّي بعضِ هذه القبائلِ بتوسع المسلمين وهدمهم لمركزهم الروحي وكعبته في الطائف. كما أنَّ هذه الصورةَ المغايرةَ، في جزءٍ منها، مبنيَّةٌ كذلك على وجهة نظر يهودية تألمت لمذابح اليهود في يثرب ثم لطردهم من شبه الجزيرة كلية.

يوسف زيدان بتقديمهِ هذه المقاربةَ كان قد خصَّ العمل بميزةٍ لم نعتدها من قبل في أدبنا العربي-الاسلامي-، تمثلت في تقمُّص الكاتب وجهة النظرٍ الأخرى،الوثنيَّةٍ، حين جعل النبطي بطلاً للرواية،هذا الذي كان يتمثَّلُ النبوة في نفسهِ وجاء بتعاليم خاصَّة اختلف فيها مع ما وصلهُ من أخبارِ الدِّين الجديد. و هو بتقديمها كان قد سلَّط الضوء على التفاصيل الصغرى التي بنت الأحداث الكبرى المتزامنةِ مع زمن الرِّوايةِ،وبيّن كيف لتلك الأحداث الصغرى أن تفسر فتح مصر السهل،مثلا، وتوسع المسلمين الكاسح على حساب تراجع حضارتي الروم والفرس.

أبقى الكاتبُ النهاية مفتوحة، مفسحًا الطَّريق للاحتمالاتِ التي قد يحتملها القارئ لينهي بها قصَّة ماريَّة. النهايات المفتوحات، مستفزّاَت! ويحرِّضن الخيال ليرسمَ صورًا، والعقل ليمنطق منطقًا، يرضاه.

غيرَ أن الكاتبَ أثار فينا فضولاً حولِ شخصيَّة النبطي المحوريَّة، وحول وحيهِ الذي زعمه وتعاليمه التي جاء بها. يوسف زيدان الذي يصف حديث النَّفسِ بفيضٍ وإسهابٍ، أمسك عند النِّبطي وانكمش، كأنَّ وجهة النَّظر الوثنيَّة تلك، ظلَّت مجهولةَ المعالمِ مختفيةً بين إيقاعِ ما تمَّ روايتهُ مشافهةً وحُرمت الكتابة حقَّهُ، كأنما هو بذلك يمنح سند الروايةِ الذي بدأ بهِ مصداقًا حيًّا. النِّبطيُّ صمت كثيرًا، وطويلًا.

وكما أثارَ فينا فضولاً، أثار فينا انبهارًا اصطدمنا به بين صفحاتِ الروايةِ، أحدثته  قدرة فريدة للكاتبِ الخمسينيِّ على تقمُّصِ دورِ شابَّةٍ تراهقُ سنَّ العشرين، قليلة المعرفة، بسيطة التفكيرِ،بساطة تبلغ حد السذاجة أحيانا، مع تساؤلها الكثيرِ، الطفوليِّ، قدرة الكاتب الفريدةِ هذه، تجعلُ من الصعب جدا اقناع القارئ أن الكاتب رجل ان لم يكن على دراية مسبقة بذلك. حتَّى الكاتب اعترف أنها أتعبتهُ. له مهارةٌ عجيبة، التحدُّثُ على لسان الأنثى! و لعلَّ مرَّدها يكون إلى فلسفته التي نراها في بعضِ ما قاله على لسان إحدى الشخصيات: ” هذا الكلام العجيب: معلومٌ للجميعِ أنَّ الأجساد فانية، وأنَّ كُلَّ حي ميتٌ لا محالة بعد حين. لكن النَّفْس تبقى، والروح لا تموت. فالأرواح تعود بعد الوفاة، لتكون نفوسًا لأشخاصٍ آخرين. فتعيش الروح مرةً حياةَ رجلٍ، وتكون في المرة التالية امرأةً. فيكتملُ بدورانها الدائم معنى الإنسان، ويتحقَّق سرُّ الوجود.”

فلسفة دورة الحياة، الإنسان حسبها مزيج ذكورة وأنوثة، ولن يكون إنسانا إلا بإدراك المعنيين داخله، هذه الفلسفة التي قد تكون فلسفة شخصية للكاتب، كيف لا وقد تجلت في أعماله: هيبا في عزازيل، مارية في النبطي، محمد في جوانتانمو، ونورا في نور ! وجها الإنسانية!  الذكر والأنثى، اللات وإيل، وجها الإله الواحد، فلسفة “النبطي“.


إعداد: منال بوخزنة وعمر دريوش.

Facebook Comments