مراجعة رواية “قدّس الله سري” ومقابلة مع المؤلف.

بطاقة فنيَّة عن الكتاب

 

اسم الكتاب: قدَّس الله سرِّي

اسم الكاتب: محمد الأمين بن ربيع

النَّاشر: منشورات الوطن اليوم

سنة النَّشر: الطَّبعة الأولى 2016

عدد الصَّفحات: 196

النوع الأدبي: رواية

 

عن الكاتب:

كاتب روائي جزائري وباحث أكاديمي، متحصِّل على جائزة رئيس الجمهورية “علي معاشي” وجوائز وطنيَّة أخرى في السَّرد، يحضِّر رسالة دكتوراه حول السينما الرِّوائيَّة الجزائريَّة. وصدر له أيضًا: رواية “عطر الدَّهشة” ورواية “بوح الوجع”.

 

عن الكتاب:

“كلُّ بقاءٍ يكون بعدهُ فناءٌ لا يُعوَّلُ عليه.

كلُّ فناءٍ لا يعطي بقاءً لا يُعوَّلُ عليهِ”

ابن عربي

عبارة الشيخ الأكبر هذه وبالإضافة للعبارةِ التي اختارها الكاتب عنوانًا لعمله “قدَّسَ الله سرِّي” توحيانِ بانطباعٍ أوليَّ لتصنيف الرِّوايةِ، فتصنِّفانها مع الأدب الصُّوفيِّ، تفاصيلُ العملِ فيما بعد تضيفُ للتصنيف الأوَّليِّ تصنيفاتٍ ثانويَّةٍ، فتاريخيٌّ وشعبيٌّ.

تمتَّعت الروايةُ بمقوِّماتِ الأدبِ الرَّفيعِ من حسنِ الأسلوب وسلامتهِ أوَّلاً، إحكام الحبكة، دقَّة وصحَّةِ الأخبارِ الواردةِ إلى مدى عمقِ الأفكارِ التي طرحها الكاتب في عمله ونُضجها. ويغلب على العمل لغةٌ منسابةٌ سلسةٌ، أسلوبٌ سرديٌّ ووصفيٌّ، يصوِّرُ جمال المنطقةِ، مركِّزًا على تفاصيل حياةٍ جزائريَّةٍ، بعاداتها وبقصصها الشَّعبيِّ، وتاريخها، مقدِّمًا بذلك صورةً للأدب الجزائريِّ بفرشاةٍ شابَّة.

وعلى ذكرِ الأسلوبِ، فقد أظهرَ الكاتبُ براعةً تحسبُ له، تمثّلت في التنقُّل بين دورينِ، فتحدَّث تارةً على لسانِ الشَّابِ وتارةً على لسانِ الفتاةِ، مع الاختلافِ الحضاريِّ لكلٍّ منهما فضلا عن طبيعتهما، وفرق التَّنشئةِ والأفكار أو المفاهيمِ بينهما، وراح بذلك يصف حال نفسي كلٍّ منهما!

العمل دارت أحداثهُ قبل أزيدَ من قرنٍ من وقتنا الحالي، في فترةٍ الاستعمارِ الفرنسيٍّ للجزائر، فبدا كعمل دفاعيٍّ مصوِّرٍ لنفسيَّةِ الفرنسيِّ الذي عرفته الجزائرُ وإن كان ذلك قد جاء في هذا العمل في صورةٍ رمزيَّةٍ، بعيدًا عن صورتهِ الاستعمارية بما حملته من مظاهر. هو كذلك جاء منصفًا لصورةِ الفرنسيِّ الإنسانيَّ.

وبالحديثِ عن الرِّوايةِ، وجبت الإشارةُ إلى التراثِ الشَّعبيِّ الطَّافحِ بين صفحاتها، بكلِّ قصصه العجيبةِ وبكل خرافاته، تلك التي تعكسُ جزءًا من هويَّة وخلفيَّةِ الجزائريِّ الذي تربَّى وقد غذِّي ذهنه بطريقةٍ ما بالكثيرِ من هذه الحكايا التي حوت تراثا صوفيًّا روحانيًّا ظاهرًا.

هذه الروحانيَّة، وهذه الخلفيَّةُ التي انطلق منها البطلُ، في مغامرة قصَّةِ حبٍّ مع الفتاةِ الفرنسيَّةِ التي جاءت من خلفيَّة مختلفةٍ تمامًا، وانفكَّت عن قيودها باحثةً عن حريَّتها وعن ذاتها، لتخوض هي الأخرى هذه المغامرةَ، والتي أراد الكاتب أن يرسل من خلالها مفهومه وتصوُّره عن التأثير المتبادلِ بين مشاعرَ وصفها بالسِّحرِ وبين الجذورِ والأصولِ التي تحدد إلى حدٍّ مَا، الطريقة التي نعيش بها. فهل يغلبُ في نظره السِّحر المفاجئُ الأصولَ الضَّاربة في القِدم؟ وأيُّ سرٍّ ذاكَ الذي يُقدَّس؟

 

مقابلتنا مع الضيف:

كيف تحب أن تعرف نفسك؟

– حين يتعلق الأمر بتعريفٍ لي أجدني تائها بين الإنسان والكاتب وإن كان الإنسان أكثر حضورا في كينونتي فإن الكاتب له نصيب وافر أيضا.. سأُجمِل القول محمد الأمين بن ربيع من مواليد بوسعادة 1987 أستاذ في التعليم الثانوي وكاتب روائي ومسرحي وأحضر رسالة دكتوراه حول السينما الروائية

فُزت مؤخرا بجائزة “الطاهر وطار” عن روايتك ” قدس الله سري”، الرواية حاولت عكس تجلٍّ من تجليات الواقع الجزائري إبَّان الفترة الاستعمارية، ممتزجا ببعض الخيال، من أين أتت فكرة العمل؟

– الفكرة الأولى جاءت من مشاهدة الجبال المحيطة بمدينتي التي تكتسي ألوانا متعددة حسب فترات اليوم ما بين بني وأصفر فاقع ثم أمغر، ربما تستغربون كيف لشيء مماثل أن يوحي لي بكتابة رواية والأمر هو أنني كنت أُسائِل تلك الجبال عما شهدته في هذه المدينة قبلا.. فأجابتني عن حياة نائل بن سالم بطل الرواية الذي كان يعيش في سفح جبل كردادة الشامخ.

تدور أحداث الرواية في فترة زمنية محددة، لم يعشها الكاتب، ما يتطلب تدقيقا تاريخيا واطلاعا أكبر عند الكتابة عنها. هلا حدثتنا عن تدقيقك التاريخي لزمان و مكان الرواية؟

– استغرقت فترة كتابتي للرواية أربع سنوات وهي فترة أمضيتها في البحث التاريخي وحتى مساءلة الأماكن فالخوض في المسائل التاريخية محفوف بالأسئلة والشكوك لذا كنت أتوخى الدقة خاصة ما تعلق بالأسماء الحقيقية والأماكن لأن العمل بعد قراءته سيتعرض للنقد والأجدى ألا يكون النقد حول مصداقيته.

يُخيل للقارئ أن أحداث القصة، مقتبسة من واقعٍ حيٍّ، فهل هي كذلك ، اقتبِست و استنَدت الى أحداث وشخصيات ملهمة، أم أن الكاتب قد نجح بإقناعنا بذلك؟

– مزجت بين الخيال والواقع في الرواية.. فالحدث الرئيس كان متخيلا رغم أنه يلامس الواقع في حين أن بعض الأحداث الجزئية فيها ما هو واقعي كإقامة الأمير الهاشمي في بوسعادة أو تعرف إيتيان دينيه على سليمان بن ابراهيم.

وبالحديث عن الشخصيات، من أين أتت تسمية البطل ”نائل”؟

– من منطلقين أسميت البطل باسم نائل المنطلق الأول يتعلق بالمنطقة التي تعرف انتشارا واسعا لفروع قبيلة اولاد نائل والمنطلق الثاني هو ما تعلق بثيمة الرواية حين يطمح البطل إلى نيل مراده ويناله فأسميته نائل.

لاشك أن للعمل رسالة سعى الكاتب لبثها بطريقته، في تفاصيل عِدَّة، فما الرسالة التي أراد إيصالها من خلال نموذج الزواج الجزائري- فرنسي في الرواية؟

– حتى لا أدعي الكمال ولا المثالية فأنا في البداية أردت الرواية عملا عاديا حول علاقة حب بين البطل والبطلة لكن مع الوقت بدأت ترتسم معالم أخرى في العمل إذ انبثقت فكرة علاقة الشرق بالغرب والجزائري بالفرنسي والمسلم باليهودي فجعلت أشتغل على كل ذلك محاولا الانتصار للأنا الجزائري الذي ظُلم كثيرا في تاريخه.

هل يحدثنا الكاتب عن الكتاب الذين تأثر بهم ؟ و كيف كان تأثيرهم عليه تحديدا؟

– تأثرت بغابرييل غارسيا ماركيز كثيرا.. كنت أستغرب مما يكتبه وذات مرة قرأت له حوارا قال فيه أن ما يكتبه ويبدو عجيبا للقراء هو في الحقيقة أشياء عادية تحدث يوميا.. فتذكرت بدوري أشياء غريبة تحدث معنا لكننا نراها عادية.. ربما تأثرت برشيد بوجدرة كذلك كوني أشتغل عليه في دراستي الأكاديمية.. وهنالك كتاب آخرون تأثرت بهم بدرجات متفاوتة وفي مراحل عمرية مختلفة.. كالطاهر بن جلون وخالد خليفة ياسمينة خضرا ويمينة مشاكرة وجيمس جويس وأناتول فرانس …

تغذّت الرواية بمجموعة من القصص الشعبية، لا شك أن تجميعها كان صعبا، ماهي المصادر التي اعتمدها الكاتب لجمعها؟

– منذ صغري كانت والدتي تقص علينا حكايات وخرافات حَفظتها عن نساء العائلة.. تلك الحكايات ظلَّت راسخة في ذهني وأهمها وقائع “نانَّة الضاوية” هذه المراة التي كانت تحكي لي أمي كراماتها كما لو أنها تحكي شيئا عاديا في حين كان يجف حلقي دهشة ورُعبا من تلك الحكايات.. هذه العجوز ظلت ملازمة لخيالي وتواجت في كل عمل كنت أكتبه ولكن الحضور كان متفاوتا لكن في قدس الله سري تجلت بشكل أوضح.

بالحديث عن الكرامات، قارئ الرواية الملم بالصوفية والتصوف، يلحظ وجود الأثر الكبير للتراث الصوفي على الكاتب، بداية من أول اقتباس لابن عربي من رسالة ”ما لا يعول عليه” إلى تمكنه من مفردات الصوفية الطرقية، إلى أي مدى أثر الفكر الصوفي في الكاتب عموما وخلال كتابته لروايته خصوصا؟

– أحب جلال الدين الرومي وابن عربي والحلاج ولدي ميل نحو الصوفية المنتشرة في منطقتنا وهو ميل غير الاعتقاد.. فأنا أجد في أفكارهم وكراماتهم ورياضاتهم اهتماما راقيا بالذات الإنسانية.. فهذا ما جعلني أعمد إلى توظيف الصوفية في روايتي.

في القصة ذكر لشخصية حقيقية “اتيان/ناصر الدين ديني” وقد رُبطت بشخصية سي سليمان، التي قد تكون من نسج خيال الكاتب( واتضح الآن أنها حقيقية )، فما سرُّ ذكرك لشخصية ”رمزية ” كتلك؟

– شكرا على السؤال الذي كنت أنتظره، إيتيان ديني يمثل الفرنسي المعتدل المنتصر لقضايا الحق والإنسانية.. استحضرته في الرواية تكريما له أولا ولأن الرواية تزامن حقبة كان هو حيا خلالها والأهم من ذلك لإيجاد التوازن داخل الرواية مع التطرف الذي كانت أدريان تمثله والذي هو في الحقيقة تطرف فرنسا الاستعمارية.

قلت أن عملية التحضير للرواية دامت أربع سنوات! طبيعتها التاريخية العرفانية تتطلب جهدا ووقتا، و قد أكدت لنا ذلك الآن، لكننا نتساءل إن كان هذا هو السبب الوحيد وراء استغراقك لهذه الفترة كلها؟ وهل كنت منشغلا بالتحضير لروايات أخرى في الوقت ذاته؟ وماذا يمكن للكاتب أن يخبرنا عن أفكاره المستقبلية؟

– النص يلد النص والفكرة تستحضر الفكرة… حين شرعت في كتابة قدَّس الله سرِّي حاولت التفرغ لها تفرغا تاما وكل فكرة كانت تخالجني كنت أصبها في متن الرواية.. ولكن مع ذلك كتبت نصا قصصيا أثناء ذلك ولكن حين أنهيته وجت فيه روح الرواية فتأكدت أنَّ الرواية قد تلبستني ولا يمكنني التنصُّل منها حتى أفرغ من كتابتها.. حاليا أجد نفسي ميالا للكتابة المسرحية لما أجده في ذلك من حركية وتفاعل جميلين.

يُحضِّر الكاتب رسالة الدكتوراه عن ” الصورة من النص الروائي إلى الفيلم السنمائي” دراسة مقارنة في الواقع الجزائري. هل يحدثنا الكاتب قليلا عن فكرته، ورؤيته للموضوع؟

– السينما في الجزائر عريقة جدا ولها تاريخ مشرِّف.. جعلني أتوقف بالبحث عند جانب منها وهو السينما المقتبسة عن الروايات التي كتبها كتاب جزائريون ولعلي أذكر روايات ياسمينة خضرا حاليا ومحمد ديب سابقا.. بعض هذه الأعمال بلغ من الجمال والإتقان حدا يجعل المُشاهد شغوفا به وبمعرفة العمل الذي اقتُبس عنه وهذا ما سأفعله هو المقارنة بين رؤية الروائي ورؤية المخرج.

يذكر أنه بعد هذا الحوار، خاض أعضاء النادي نقاشا مع الكاتب عن الرواية، لمدة تجاوزت الساعة وعشرين دقيقة، كان نصفها الثاني عبر مكالمة فيديو.

 

إعداد: منال بوخزنة

إعداد: عمر دريوش

تدقيق لغوي: بشرى بوخالفي

Facebook Comments