”جدل العقلانية في النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت“ كمال بومنير

بطاقة فنيِّة عن الكتاب:

اسم الكتاب: جدل العقلانية في النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت.
اسم الكاتب: كمال بومنير.
الصنف: فلسفة غربية معاصرة.
الطابع: أبحاث ودراسات أكاديمية.
عدد الصفحات: 256 صفحة.
الناشر: منشورات الاختلاف – الجزائر -/ الدار العربية للعلوم ناشرون – لبنان -.
سنة النشر: 2010.
الطبعة: الأولى.

حول الكاتب

كمال بومنير“ أستاذ وباحث جامعي جزائري، متخصص في الفلسفة النقدية لمدرسة فرانكفورت، يُدّرِس بقسم الفلسفة في جامعة الجزائر، وهو أحد الأقلام الفلسفية الجادة في العالم العربي، حيث يُثري ويغني بشكل متواصل الدرس الفلسفي من خلال التأليف والترجمة، وقد نُشر له إلى غاية اليوم 13 عملاً ما بين التأليف والترجمة إضافة إلى أعمال أخرى جماعية، وهو يتقن اللغات: الألمانية، الإنجليزية والفرنسية إضافة إلى العربية.
بومنير من مواليد حي القصبة بالجزائر العاصمة، بتاريخ 27 فيفري 1962، تحصل على بكالوريا آداب سنة 1982، وليسانس في الفلسفة سنة 1985، وماجستير سنة 2001 بعنوان: “النظرية الجمالية عند هربرت ماركوز”، ونال بعدها شهادة دكتوراه علوم في الفلسفة سنة 2007 ببحث عنوانه: ”مسألة العقلانية التكنولوجية في فلسفة هربرت ماركوز“، والكتاب الذي بين أيدينا اليوم لا يخرج عن مجال تخصصه الأكاديمي وهو المتعلق بفلسفة هربرت ماركوز والنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت عموماً.
من بين أعماله:
– ”النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، من ماكس هوركهايمر إلى أكسيل هونيث“ (2010).
– ”الجمالية المعاصرة الاتجاهات والرهانات” لمارك جمينيز (ترجمة وتقديم) (2011).
– ”التشيؤ: دراسة في نظرية الاعتراف” لأكسل هونيث (ترجمة وتقديم) (2012).
– ”مدخل إلى قراءة فلسفة فلتر بنيامين” (2013).
– ”قضايا الجماليـة من أصولها القديمة إلى دلالاتها المعاصرة” (2013).
– ”مقاربات في الخطاب النقدي لمدرسة فرانكفورت: من ماكس هوركهايمر إلى هارتموت روزا“ (2015).
– ”الألوان والجمال: كتابات الفنانين التشكيليين من ليوناردو دي فنسي إلى سلفادور دالي“ 2015،
– ”الفلاسفة والألوان: مقاربات فلسفية في فن الرسم“ (2016).
– ”أكسل هونيث فيلسوف الاعتراف“ (2016).
– ”دراسات في الفكر النقدي المعاصر: من فلتر بنيامين إلى نانسي فرازر“ (2017).
– ”مقاربات في الجماليات المعاصرة“ (2017).
– ”الفلاسفة والأنغام: مقاربات في فن الموسيقى“ (2018).

حسابه على الجودريدز.

حول مدرسة فرانكفورت:

مدرسة فرانكفورت اسم يُطلق على معهد العلوم الاجتماعية الذي تم تأسيسه سنة 1923 من طرف مجموعة من النشطاء الماركسيين الذين تجمعهم اهتمامات مشتركة تتراوح بين الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والنقد الثقافي، وتتوزع كتاباتهم حول العقلانية والحداثة، والفرد والسيطرة، والتكنولوجيا والتواصل والاعتراف، والفن والموسيقى… ويقسم الباحثين مسار هذه المدرسة الى ثلاثة حقب، لكل واحدة روادها واشكالياتها الخاصة، فـالمرحلة الأولى التي ابتدأت من سنة تأسيس المدرسة انصبت اهتماماتها على ضرورة احياء البعد النقدي للنظرية الماركسية التي تحولت في نظرهم الى أورثوذكسية جامدة وكان من روادها: “ماكس هوركهايمر”، و”ثيودور أدورنو” و”هربرت ماركوز” و”ايريك فروم” و”ولتر بنيامين”، وأما المرحلة الثانية فكان أبرز شخصية فيها هو “يورغن هاربرماس” الذي اشتغل على نظرية الفعل التواصلي، أو “العقلانية التواصلية” في مقابل “العقلانية التكنولوجية”، وبالنسبة للمرحلة الثالثة فهي تستمر الى اليوم (على الرغم من أن بعض الباحثين يؤكدون على أننا دخلنا الى المرحلة الرابعة من تاريخ هذه المدرسة) ولعل أبرز ممثليها هو “أكسيل هونيث” الذي يشتغل على نظرية الاعتراف، اضافة الى اسماء أخرى مثل: “نانسي فريزر” و”حبيب بن سيلا” وغيرهما.
للتعرف أكثر على هذه المدرسة يمكنك مطالعة كتب وأبحاث: حسن مصدّق، نور الدين أفاية، رشيد بوطيب، محمد الأشهب، عبد العالي معزوز، محسن الخوري، الزواوي بغورة… اضافة الى كمال بومنير.

حول مضمون الكتاب:

“جدل العقلانية في النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت” ليس موضوعاً فلسفياً جافاً كما قد يتبادر إلى الأذهان من أول وهلة، لكنه في حقيقته موضوعٌ يلامس اهتمامات الناس وانشغالاتهم خاصة تلك المتعلقة بمدى تأثير التكنولوجيا الحديثة على وعي الناس وطبيعة وجودهم، وكيف تساهم التكنولوجيا في إضفاء مزيد من السيطرة والتحكم في حرياتهم واراداتهم وسبُل عيشهم.
الكتاب يتناول “هربرت ماركوز” نموذجاً، وهو أحد الرواد الأوائل المؤسسين لمدرسة فرانكفورت، وصاحب كتاب “الإنسان ذو البعد الواحد”، عُرف بعدائه الشديد للهيمنة التكنولوجية وللمجتمعات الصناعية المعاصرة، ورغم فلسفته التشاؤمية فقد آمن بإمكانية ظهور قوى ثورية جديدة ستظهر في المستقبل داخل المجتمع الحديث يقودها المهمشين والمنبوذين والطلبة، وسيتم التحرر الاجتماعي عن طريق الإشباع الجنسي كما يبين ذلك في كتابه “الحب والحضارة”.
الكتاب مشوق بحق، ويحمل الكثير من الثقل المعرفي، فإذا كنت غير مطلعٍ من قبل على العقلانية التكنولوجية في فلسفة “هربرت ماركوز” خصوصاً، ومدرسة فرنكفورت عموماً، فإن هذا الكتاب سيساعدك على الخروج بالكثير من الأفكار الهامة والجديدة، خاصة وأن الكاتب يعتمد أسلوبا مباشرا وكلمات واضحة، مما يجعل من استيعاب مضمون الكتاب أمراً ميسوراً.

يتألف الكتاب من مقدمة وخمسة فصول:
في مقدمة الكتاب يؤكد بومنير على أن موضوع العقلانية التكنولوجية قد أخذ مكانة أساسية في فلسفة هربرت ماركوز (أنظر: ص9)، فعندما نتحدث عن هذا الفيلسوف نستحضر آلياً موضوع العقلانية التكنولوجية التي تمخضت عن عقلانية “فلسفة الأنوار”، والتي حادت عن غاياتها الانسانية لتأخذ طابعاً مزدوجاً للسيطرة، فمن السيطرة على الطبيعة تحولت فلسفة الانوار ــ اضافة الى ذلك ــ الى السيطرة على الانسان نفسه.
وعلى الرغم من ذلك نجد أن ماركوز يعتبر العقلانية التكنولوجية ـــ فضلا عن كونها أداة للسيطرة ــ وسيلة لتحرر الانسان وانعتاقه من السيطرة والمراقبة، وفي هذا السياق يحاول الكاتب أن يكشف إن كان ثمة تناقض في هذا الطرح الذي يقدمه هربرت ماركوز، فكيف يمكن للعقلانية التكنولوجية أن تكون وسيلة تحرر في حين أنها أداة للسيطرة والقمع ضد الانسان وضد حرياته؟

الفصل الأول: مسألة العقلانية وأشكالها لدى مدرسة فرانكفورت:
العقلانية هي احدى القيم الكبرى التي قامت عليها فلسفة الانوار خلال القرن الثامن عشر في اروبا، اضافة الى مفاهيم الحرية، والفردانية، والعلم، وقد بشرت هذه الفلسفة بتحرير الانسان من مختلف اشكال السيطرة الكلاسيكية التي كانت بيد الدين والسياسة، وهدفت الى نزع الطابع السحري عن العالم وتحطيم كل الأساطير، واعتماد المعرفة بديلا لها (أنظر: ص19)، كما بشرت بتحقيق السعادة والرفاهية للإنسان، لكن كل هذه الآمال تعرضت للخيبة والارتكاس بعد أن شهد العالم مع مطلع القرن العشرين حربين عالميتين وحركة استعمارية واسعة لآسيا وإفريقيا، وكثيرا من الأزمات السياسية والاقتصادية، وهذا ما دعا بمفكري وفلاسفة أروبا الى طرح اسئلة جديدة تتعلق بالأسس التي قامت عليها الحداثة الغربية بدءاً من عصر النهضة وصولا الى أيامنا هذه، وكانت مدرسة فرانكفورت النقدية من أبرز التيارات الفكرية المعاصرة التي اشتغلت على هذه المهمة.
ففي كتابهما المشترك “جدل التنوير” قام كل من “ماكس هوركهايمر” و”ثيودرو أدورنو” بفحص جذري ونقدي لمسار فلسفة الأنوار بحثا عن الأسباب التي أدت الى ارتكاس العقل الحديث نحو غايات لا انسانية تمثلت في السيطرة على الانسان وقمع حرياته واضافته الى قائمة الأشياء، (يمثل مصطلح التشيؤ الذي نحته “جورج لوكاش” أحد أهم المفاهيم في مدرسة فرانكفورت)، ليخرجا بتقرير شامل حول مسار العقل الغربي الحديث الذي تحول الى عقل أداتي بفعل تطور التكنولوجيا وهو ما جعل الحياة المعاصرة تُفرغ من محتواها الانساني بفعل اخضاع الانسان الى المؤسسات القمعية في ظل المجتمع الصناعي المتقدم.
وفي مقابل العقلانية التكنولوجية تركز مدرسة فرانكفورت على شكل جديد من العقلانية يتمثل في “العقلانية النقدية” التي تبلورت مع الجيل الأول من المدرسة وعملت على توجيه النقد للأفكار والأفعال والنظريات والمؤسسات، ورفضت الانصياع لما هو سائد وجاهز (أنظر: ص48)، ثم تطورت أشكال جديدة من العقلانية النقدية بظهور “العقلانية التواصلية” مع يورغن هابرماس زعيم الجيل الثاني.

الفصل الثاني: العقلانية التكنولوجية ومنطق السيطرة:
1/ مفهوم العقلانية التكنولوجية وجذورها:
العقلانية التكنولوجية تبلورت بشكل جلي منذ عصر الأنوار في أروبا خلال القرن الثامن عشر وتعزز حضورها تباعا بفضل تطور العلوم، لتتحول هذه العقلانية إلى عقلانية أداتية في ظل المجتمعات الصناعية وتعمل على إخضاع الانسان لسيطرتها من خلال مختلف المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وأما فيما يتعلق بجذور هذه العقلانية فإن هربرت ماركوز يرجعها الى الفكر الفلسفي اليوناني القديم وخاصة الى أرسطو الذي برزت في منطقه الصوري فكرة السيطرة (أنظر: ص51)، على اعتبار أن المنطق الأرسطي صوري وهو لا يقيم اعتبارا للمحتويات والمضامين التي تنطوي عليها العمليات المنطقيّة، إنما فقط يشترط أن تراعي هذه العمليات القواعد والأطر المنطقية التي وضعها أرسطو، بمعنى أنّ المنطق الذي أرسى قواعده أرسطو كان أكبر عيوبه هو عدم اهتمامه بمحتوى الفكر ومضمونه على مستوى الواقع، واكتفاءه في مقابل ذلك بضرورة التماسك المنطقي والوحدة الصورية للعمليات الفكرية.
ولم تقف جذور العقلانية الأداتيّة عند منطق أرسطو وحده ليشهد العلم الحديث مزيدا من المعاني التي تكرس مفهوم السيطرة (على الطبيعة) خاصة مع “ديكارت” و”فرانسيس بيكون” “وغاليلي غاليلو” عندما أصبحت الرياضيات والصيغ الرياضية من قبيل التكميم والترميز الرياضي هي اللغة التي نفسر بها الطبيعة ونكشف عن قوانينها، وتعزز ذلك أكثر وأكثر مع “اسحاق نيوتن” الذي اعتبر الطبيعة مجرد آلة دائمة الحركة ونظام متسق ومنسجم (أنظر: ص54) ويمكن السيطرة عليها كلما تمكنا من معرفة القوانين التي تتحكم في سير هذه الآلة الكبيرة.
وبناء على هذا فإن ماركوز يعتبر أن ثمة ارتباطا وثيقا بين المعرفة العلمية والتقنية، على اعتبار ان كلاهما يسعى الى تحقيق نفس الاهداف المتمثلة في السيطرة، ففي النهاية التقنية ليست سوى مظهرا من مظاهر المعرفة العلمية، وهي أكثر من ذلك “رؤية للعالم” و”موقف من الطبيعة” يقوم على التحكم والسيطرة والتوجيه والهيمنة على الأشياء.
2/ هيدغر ومسألة التقنية:
“مارتن هيدغر” هو أستاذ ماركوز وأحد أبرز الوجوه الفلسفية في القرن العشرين، وأكثر المشتغلين بمسألة التقنية الذي لم يكتف بالبحث فيها كظاهرة ولكنه تجاوز ذلك إلى البحث في ماهية التقنية اعتمادا على المنهج الفينومينولوجي (الظاهراتي) الذي يقوم على الذهاب من الظاهرة إلى الماهية (أنظر: ص57).
التقنية حسب هيدغر لم تعد مجرد عملية تطبيقية للمعرفة العلمية كما كانت في السابق، ولكنها اليوم تطورت لتصبح المعرفة العلمية في جوهرها معرفة تقنية، لذلك نجد عالما فيزيائيا مثل “فيرنر هايزنبرغ” يتكلم عن “التشابك المزدوج” بين المعرفة العلمية والتقنية، بمعنى أن ما تمنحه لنا التكنولوجيا من أدوات ووسائل وأجهزة ليست سوى مظاهر للتقنية، واما ماهية التقنية الحقة فهي نمط من العلاقة بين الانسان والوجود، ولذلك يرى هيدغر ان الانسان المعاصر لم يعد بإمكانه التحكم في هذا التدفق الهائل لمظاهر التقنية بحيث اصبح الانسان نفسه خاضعاً لقوانينها وغير قادر على الانفلات من حتمياتها وضروراتها، بل اكثر من ذلك سببت له التيه وعدم الاستقرار (أنظر: ص60).
وإذا كان ماركوز يتفق مع أستاذه في بعض هذه الحقائق فإنه ينتقده في كونه اكتفى بتحليل ونقد التقنية في صورتها الفلسفية الميتافيزيقية (في صورتها الوجودية)، وكان ــ حسب ماركوز ــ غارقا في التجريد، ولذلك يقترح ماركوز في معالجته لموضوع التقنية ضرورة الانتقال من المستوى الأنطولوجي (الوجودي) كما عبر عنه هيدغر إلى مستوى التحليل الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي المتعلق بالموجود الانسان مستثمرا في ذلك النظرية الماركسية.
3/ ماركس ومسألة التقنية:
سبق وأشرنا إلى أن مدرسة فرانكفورت تأسست من خلال جهود جماعة من الماركسيين، ولذلك فإن حضور “كارل ماركس” لدى هذه الجماعة كبير جداً على اعتبار أن الهدف الأول لهذه المدرسة كان اعادة الاعتبار للماركسية بعد أن حادت عن غاياتها الرئيسية كما أسس لها ماركس.
التقنية حسب ماركس وسيلة فعالة في الانتاج المادي، وبإمكانها التقليل من الشقاء والكدح الذي يتعرض له العمال، ولذلك فهو ينظر اليها نظرة ايجابية على اعتبار أنه كلما تقدمت وتطورت وسائل الانتاج بواسطة التقنية واستخدمت عقلانيا في استغلال خيرات الطبيعة والانتفاع بها، كلما أمكن تحقيق تقدم المجتمع ورخائه المادي (أنظر: ص65) لكن الأمر السلبي في كل هذا أن التقنية بيد الطبقة البرجوازية الرأسمالية ولذلك يدعو ماركس الى ضرورة تحرير التقنية من السيطرة التي تمارسها هذه الطبقة عن طريق الثورة التي يجب أن تقودها الطبقة العمالية لتحرر نفسها من استغلال الطبقة البرجوازية اولا اضافة الى سعيها للتخلص من سيطرة الآلة ثانيا.
وبالنسبة لماركوز فهو يعتقد أن تطور وسائل الانتاج وتطور التقنية بشكل عام جعل الانسان العامل اكثر خضوعا واندماجا وتكيفا مع الآلة، بحيث بات يقلد الآلة ويحاكي (تصرفاتها) وكأنها تمارس عليه نوعا من التنويم المغناطيسي إن صح التعبير، اضافة الى هذا التطور الهائل في انتاج البضائع والسلع جعل الانسان كائنا استهلاكيا بطريقة غير مسبوقة، حتى أن هذه الانتاجية أفقدت الانسان وعيه بالحاجات الضرورية، وقدمت اليه (عن طريق الدعاية الاعلامية) حاجات جديدة اسماها ماركوز “الحاجات المزيفة”، بمعنى أن الانسان المعاصر اصبح يستهلك أشياء لا تستحق الاستهلاك.
وبهذا المعنى يرى ماركوز أن الانسان المعاصر والطبقة العمالية على وجه التحديد قد اصبحت متكيفة ومندمجة بشكل رهيب ما جعلها تفقد دورها التاريخي كما حدده ماركس.
4/ ماكس فيبر ومفهوم العقلنة:
يشكل “ماكس فيبر” أحد أهم الأصول الفكرية التي تستند عليها مدرسة فرانكفورت اضافة الى هيغل وماركس وهيدغر، والعقلنة عند فيبر هي وصف أطلقه على الطابع المميز للمجتمعات الصناعية الحديثة في العالم الغربي والتي تعني عنده تنظيم الحياة الانسانية بالاعتماد على المعرفة العلمية والتقنية (أنظر: ص76)، بمعنى ان العقلنة كما يتصورها فيبر هي التي تشكل جوهر التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عرفتها سيرورة التحديث بعد نزع الطابع السحري والأسطوري عن العالم.
واذا كانت هذه العقلنة قد أخذت في البداية ابعادا متعددة من سياسية واقتصادية واجتماعية ومعرفية وفنية وجمالية فإنها حسب فيبر قد تحولت في النهاية الى طغيان الجانب الاقتصادي والسياسي البيروقراطي الذي عمل على الهيمنة والسيطرة على باقي مناحي الحياة الاجتماعية، واذا كانت المجتمعات القديمة والبدائية قائمة على تقديس سلطة التقاليد والعادات أو قائمة على السيطرة الروحية لقائد أو زعيم، فإن السيطرة في المجتمعات الحديثة تبدو أكثر احكاما وأكثر قمعا للحريات على اعتبار أنها سيطرة “قانونية” تتجلى من خلال مؤسسات الدولة.
في هذا الاطار يلتقي ماركوز مع العديد من الاحكام التي قدمها فيبر عن العقلنة والسيطرة في المجتمعات الحديثة، لكن ما يعيبه ماركوز على فيبر هو أن العقلنة التي يطرحها ذات طابع صوري، ففيبر اكتفى بتصور هذه العقلنة ضمن حدود النشاط العلمي والتقني وكان عليه ـــ حسب ماركوز ــ ربط عملية العقلنة بالأغراض السياسية المرتبطة بها على اعتبار ان ثمة ارادة سياسية لا تعلن عن نفسها تسعى باستمرار الى تحقيق السيطرة على الانسان (انظر: ص81)، وإلا كيف نفسر تعامل مؤسسات واجهزة الدولة مع الانسان كرقم أو شيء وهو ما يؤكد أنه كلما كان هنالك تطور للتقنية في المجتمعات الغربية الحديثة، كلما كان هنالك تراجع في قيمة الحرية التي ميزت هذه المجتمعات ايضا.
5/ نقد الاتجاه الوضعي:
الفلسفة الوضعية ظهرت خلال القرن التاسع عشر على يد “أوغيست كونت” وقد أخذت موقفا نقديا من الفلسفات المثالية، وكانت غايتها أن تجعل من الفلسفة علما يحذو حذو العلم، وليس مجرد تأملات ميتافيزيقية، وبالنسبة لماركوز فقد انتقد الاتجاه الوضعي بشدة لأنه يكسر مفهوم السيطرة، فالوضعية حسب ماركوز (سواء وضعية القرن التساع عشر مع “كونت” و”دوركايم، أو وضعية القرن العشرين مع “لودفيغ فيجتينشتين”) كانت وراء تبرير عملية العقلانية التكنولوجية، وبالتالي قامت بتبرير السيطرة التي أصبحت تمارس على الانسان، ولعل أهم ما يُعاب على الفلسفة الوضعية هي أنها حاولت اخضاع العلوم الاجتماعية الى نفس المناهج التي تطبق في العلوم الطبيعية والفيزيائية وهي بذلك تكرس الواقع القائم على العقلانية التكنولوجية خلال القرن التاسع عشر (أنظر: ص90).

الفصل الثالث: آليات السيطرة في ظل العقلانية التكنولوجية:
عمل ماركوز على البحث عن الآليات التي تعتمدها المجتمعات المعاصرة للسيطرة على الانسان وقمعه، وفي الحقيقة فهو لا يفرق بين المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية، فكلاهما يمارس السيطرة والقمع وإن اختلفت الوسائل في ذلك، ويبدو لماركوز أن السيطرة في المجتمعات الصناعية المتقدمة قد اتخذت أشكالا مغايرة عن معاني السيطرة القديمة، فإذا كانت تلك المجتمعات تسيطر على الانسان في أبعاده الخارجية (الجسد)، فإن السيطرة في المجتمعات الصناعية الحديثة إضافة الى أنها تسيطر على جسد الانسان الخارجي فهي أيضا تسيطر على أبعاده الداخلية النفسية والروحية (أنظر: ص100) ولعل هذا أشد أنواع السيطرة بلا شك.
وعلى الرغم من تأثر ماركوز بالتحليل الماركسي في نقد بنية المجتمع الرأسمالي، فإنه يرى أن هذا التحليل لم يعد كافيا لأنه تحليل تجاهل أو أغفل الجانب النفسي الذي تحدثه هذه السيطرة، ولذلك يشدد ماركوز على ضرورة العودة الى “سيغموند فرويد” والاستفادة من تحليلاته النفسية.
1/ التحليل الفرويدي للقمع:
يرى فرويد أن القمع مفهوم مرتبط بالصراع من أجل الوجود أو بما يسميه بظاهرة الندرة ذلك أنه لما كان المجتمع لا يملك ما يكفي من وسائل وشروط المعاش لتمكين أفراده من العيش وهذا نظرا للظروف الصعبة والقاسية، فإنه من الضروري أن يجبر المجتمع أفراده على تحويل مجرى طاقاتهم من النشاط الجنسي نحو العمل والانتاج، بمعنى ان جدل اللذة ومبدأ الواقع الاقتصادي عند فرويد يتمثل في تصريف اللذة الجنسية نحو العمل والانتاج لمواجهة ظروف الحياة القاسية.
ويعتقد فرويد أن قمع الدوافع الجنسية وتصريفها نحو العمل أمر ضروري وهو يؤدي وظيفة اجتماعية حتى يتمكن البشر من التكيف مع مقتضيات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والحضارية، وبذلك يصبح الكبت ضروريا في حياة الانسان، لكن فرويد يدعو الى امكانية التخفيف من هذا الكبت بواسطة ما يسميه “التصعيد” أي تحويل الرغبات الجنسية والدوافع الغريزية الى بدائل او نزعات اسمى منها تعبر عن نفسها في مجالات وميادين الفن والادب والموسيقى.
بالنسبة لماركوز فقد وجد في تحليلات فرويد فيما يتعلق بمسألة القمع وعلاقتها بالحضارة ضالته المنشودة لفضح آليات السيطرة في المجتمعات الصناعية الحديثة، خاصة فكرته القائلة: إن تاريخ الانسان في ظل هذه الحضارة هو تاريخ لقمعه، لكن الذي يشدد عليه ماركوز هو ضرورة التمييز بين القمع ــ كما طرحه فرويد ــ والقمع الزائد كما هو حاصل في المجتمعات الصناعية الحديثة.
2/ القمع الزائد للجنسانية:
ناقش ماركوز مسألة الجنسانية في ضوء التأثيرات المختلفة للعقلانية التكنولوجية، ومن هذا المنطلق فإنه يرى بأن الجنس في ظل المجتمع الصناعي المتقدم قد تحول بدوره الى مجرد سلعة قابلة للاستعمال من حيث انه أصبح يباع ويشترى مثل السلع والبضائع الاخرى الموجهة للاستهلاك (أنظر: ص110)، رغم أن المجتمع الصناعي المتقدم يزعم أنه قد حقق أكبر قدر من التحرر الجنسي للإنسان المعاصر، ولكن هذه الحرية حسب ماركوز مزيفة على اعتبار انها ترتبط في حقيقة الامر بالقمع الزائد سواء على نحو مباشر او غير مباشر.
لقد تحول الجنس حسب ماركوز الى قيمة تجارية وأفرغ بذلك من محتواه الحقيقي باعتباره غريزة انسانية هامة يمثل بعدا انسانيا جوهريا، واذا كان المجتمع الصناعي المتقدم يسمح بتلبية الحاجات والغرائز الجنسية فإن عملية التلبية هذه قد ترتب عنها الخضوع والامتثال للواقع القائم، حيث اضاعت في الانسان القدرة على النقد والاحتجاج والرفض، أي رفض السيطرة التي حولت الانسان الى أداة واختزلته في البعد الاستهلاكي، اذ يعبر التحرر الجنسي من الناحية العملية عم تحويل العلاقات ذات الطابع الاجتماعي الى علاقات سلعية، وهذا التحرر في الاخير لا ينتج عنه الا مزيد من الخضوع للمجتمع القائم.
3/ توجيه الثقافة والفن:
يعتبر ماركوز ان السيطرة على الانسان في المجتمع المعاصر اخذت ابعادا مختلفة، حتى أنها اصبحت تشمل المستوى الثقافي والفني وفي ذلك يقول: “احدى الآليات السياسية السائدة في المجتمعات المتقدمة صناعيا هي نشر الفن والأدب والموسيقى على أوسع نطاق، فتحولت الى مجرد عناصر من العتاد التقني لحياتنا اليومية، في المنزل والعمل، وهذا ما يجعلها مندمجة في النظام القائم فتفقد وظيفتها التحررية” (أنظر: ص118)، بمعنى أن الفن والثقافة أصبحا مدفوعين ايديولوجيا وموجهين لخدمة أغراض المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في حين كان ينبغي أن يكون للفن والثقافة هامشاً أوسع من الحرية، على اعتبار أن الفن الأصيل يمثل وسيلة فعالة للاحتجاج والرفض ضد الواقع القائم على السيطرة والقمع وكبت الحريات والتحكم فيها.
ولذلك نجد ماركوز ينتقد بشدة ما يسميه: “الصناعة الثقافية” التي يعني بها اعادة انتاج العمل الفني ونسخه بكميات كبيرة عبر الاساليب التقنية الجديدة قصد توجيهه نحو الاستهلاك الجماهيري وهذا ما من شأنه أن يُفقد العمل الفني تفرده وأصالته.
4/ تشيؤ اللغة:
يرى ماركوز أن اللغة أضحت بدورها أحادية البعد وتشيأت، ولهذا وصف المجتمع الصناعي المتقدم بــ “عالم الخطاب المغلق”، وهو عالم تحولت فيه اللغة الى أداة واختزلت في طابع وظيفي، يستبعد من مفرداتها وتراكيبها كل الأفكار النقدية التي يمكن أن تتجاوز ما هو قائم (أنظر: ص133)، وذلك من خلال تمييع المعاني والدلالات الحقيقية للأشياء.
ويمكن ان نلمح ذلك من خلال اختزال واختصار الجمل اللغوية، لتصبح في شكل كليشيهات وفي ذلك يقول ماركوز: “وهكذا تصبح الكلمة كليشيه، وتسيطر ككليشيه على اللغة المنطوقة أو المكتوبة، ويحول الاتصال آنذاك دون تطور أصيل للمعنى”.
5/ الاحتواء السياسي:
ويقصد به ماركوز أن ثمة في المجتمعات الصناعية المعاصرة آلية سياسية تقوم على الاحتواء السياسي بواسطة دمج كل القوى الرافضة للوضع القائم (أنظر: ص138)، والتي يمكن أن تشكل تهديدا للمجتمع، بل إن المجتمع الصناعي المتقدم ــ حسب ماركوز ــ هو عالم سياسي أيضا، وعن طريق التكنولوجيا يعمل على ادماج الثقافة والسياسة والاقتصاد في نظام كلي شمولي، يقف في وجه كل الاختيارات والحلول البديلة التي تطرح من قبل القوى المعارضة.
وعلى هذا الاساس يعتبر ماركوز ان الديمقراطية السائدة في المجتمعات المتقدمة صناعيا ما هي الا واجهة تحكم من ورائها تلك القوى والمؤسسات السياسية والاقتصادية، وأما الحريات السياسية كما هي قائمة ومسموح بها والتي تدعيها الليبرالية وخاصة في أمريكا وأوروبا الغربية فما هي إلا خداع وتضليل للناس وايهامهم وصرف أنظارهم عن حقيقة ما يجري في واقعهم.

الفصل الرابع: العقلانية التكنولوجية والتحرر:
1/ التقدم التكنولوجي والتحرر الانساني:
بالرغم من أن العقلانية التكنولوجية قد ارتبطت بالسيطرة والقمع في المجتمعات الصناعية المتقدمة، فإن هذه العقلانية ــ من منظور ماركوز ــ هي نفسها أداة للتحرر من السيطرة، ولكن كيف يتم ذلك؟
في الحقيقة فإن ماركوز لا يدعو الى التنازل عن المكتسبات التي حققتها هذه المجتمعات بفضل التكنولوجيا ولا عن التقدم الذي وصلت اليه في المجالات الاجتماعية التي عرفتها المجتمعات المتقدمة (أنظر: ص152)، ولا يدعو الى العودة الى وضعية ما قبل التكنولوجيا والارتباط بالطبيعة، لأن ذلك أمر غير معقول.
ما يدعو إليه ماركوز لأجل التحرر من سيطرة العقلانية التكنولوجية هو الاستخدام المتزايد على الدوام لنجاحات الحضارة التكنولوجية، بمعنى أن ماركوز يعتبر التحرر مشروطا بوجود مستوى عالٍ الى أبعد الحدود من التقدم العلمي والتكنولوجي، الذي بإمكانه تحرير الانسان على الرغم من أن التكنولوجيا نفسها تعد وسيلة لبسط السيطرة، وهنا نلاحظ تأثر ماركوز بماركس الذي ذهب الى أن التحرر والانعتاق من الأوضاع اللاانسانية التي يعيشها الانسان يفترض تحقيق مستوى عالٍ من التطور في قوى الانتاج، هذا الاستغلال المتزايد للتكنولوجيا الذي يعنيه ماركوز يجب أن يكون مؤطرا بشيء واحد وهو اعادة الاعتبار للغايات الانسانية النبيلة التي تغافلت عنها العقلانية التكنولوجية عندما ركزت على الانتاج السلعي المتزايد دون غيره.
2/ تغيير الانسان (إعادة تنظيم البنيّة الغريزية):
ماركوز لا يعتبر أن التقدم التكنولوجي وحده كافٍ لتحرر الانسان من السيطرة، وما يسمى بالتغيير السياسي والاقتصادي لم يعد كافيا اليوم، لذلك يضيف ماركوز على ذلك أموراً أخرى، من قبيل اعادة تنظيم البنية الغريزية للإنسان والتي يقصد بها ضرورة ايجاد تغيير جذري في دوافع وحاجات وغرائز الانسان، لأن التحول الذي يتم على هذا المستوى يعتبر عاملا ومؤشرا على تغيير وضع الانسان المعاصر وتحريره من السيطرة (أنظر: ص164).
وإذا كان فرويد في تحليلاته قد اعتبر قمع الغريزة الجنسية عاملا ضروريا لقيام الحضارة، وأنها يمكن أن تستقل عن الشروط الاقتصادية والاجتماعية، فإن ماركوز على يوافق على هذا الطرح، إذ يعتبر أنه يمكن للإنسان أن يُطلق الحرية لغرائزه دون أن يعني ذلك توقف مسار الحضارة، وعلى هذا الأساس فإن الحرية الجنسية التي يعنيها ماركوز هي تلك الحرية التي تكون غير خاضعة للمؤسسات الاقتصادية، بمعنى أنها الحرية التي لا ترتبط بالعمل والسوق والانتاج والاستهلاك.
إن ماركوز يدعو الى إحداث ما يسميه “الحساسية الجديدة” وهو ضرورة أن يكون هنالك توازن بين “اللوغوس” و”الايروس”، أو بين “العقل” و”الغريزة”، ففي الوقت الذي ركزت فيه المجتمعات الأوروبية الحديثة على إعطاء قيمة أكبر للعقل على حساب الجسد، عمل على طمس جانب هام من حياة الانسان وهو المتعلق بالجسد وغرائز الحياة، ولذلك يدعو ماركوز وكثير من الفلاسفة الغربيين المعاصرين الى ضرورة اعادة الاعتبار للجسد وغرائز الحياة في مقابل غرائز البربرية والتوحش.
3/ الوظيفة النقدية للخيال:
يعتبر ماركوز أن ملكة الخيال لدى الانسان هي القدرة الذهنية الوحيدة التي بقيت حرة تجاه مبدأ الواقع، ففي الوقت الذي عملت المجتمعات الغربية الحديثة على اعطاء العقل أهمية قصوى واعتباره القوة الذهنية الوحيدة القادرة على تنظيم حياة الانسان، كانت في مقابل ذلك تتجاهل الخيال، بل تنظر اليه بحذر شديد (أنظر: ص181).
واذا كان المجتمع الصناعي المتقدم يسمح بنشاط الخيال داخل المجال العلمي والتقني إذ من المعلوم أن العلماء والمخترعين قد يوظفون الخيال في أبحاثهم العلمية والتقنية وفي التوصل لإكتشافات جدية، فإن ماركوز يفرق بين الخيال العلمي والخيال الفني، فإذا كان الأول لا يخرج عن نطاق الواقع فإن الخيال الفني لا يتقيد بالقوانين العقلية والمنطقية ولا يلتزم بالواقع بل قد يتمرد عليه وعلى نظمه القائمة.
4/ البعد الفني والتحرر:
اذا كان الخيال هو القوة الذهنية الوحيدة التي ما تزال تحتفظ بصور وتطلعات الانسان نحو واقع مغاير للواقع القائم يكون فيه حرا، فإن هذه الصور والتطلعات لا يمكن أن تتحقق ــ حسب ماركوز ــ إلا بتوظيف العمل الفني والجمالي الذي يعتبر البديل الخيالي للواقع القائم، وانطلاقا من هذا يرتبط التحرر الانساني عند ماركوز بالبعد الجمالي، وهو يمثل لدى الانسان المعاصر ملاذا يمكن أن يسعفه للتحرر من سيطرة العقلانية.
لذلك يؤكد ماركوز في كتاباته على الدور النقدي الذي يمكن أن يلعبه العمل الفني في مواجهة الواقع، وهو ما يسميه “الرفض الكبير” ويضرب مثالا عن ذلك بالفن الاجتماعي الرافض لما هو قائم، كالموسيقى عن السود في أمريكا، وهي موسيقى نشأت في ظل ظروف كانت تتميز بالاستعباد والقهر والقمع، حيث شكل “الجاز” عند هؤلاء السود تمردا فنيا ولغويا منظما.
5/ قوى التحرر:
يعتبر ماركوز أن الطبقة العمالية (البروليتاريا) التي عول عليها ماركس في احداث التغيير والانعتاق من البرجوازية والرأسمالية، لم تعد قادرة على ذلك اليوم في ظل اندماجها كليا في المجتمع الصناعي المتقدم (أنظر: ص295)، فقد فقدت هذه القوى دورها التاريخي واصبحت عاجزة عن القيام بالثورة، وفي هذا السياق يرى ماركوز أن ثمة قوى جديدة للتحرر يمكن أن تبرز الى الوجود وتعمل على تحرير الانسان من قيود السيطرة.
هذه القوى التحررية الجدية التي يعنيها ماركوز هي القوى التي لم تندمج ولم تستوعب في المؤسسات القائمة في المجتمعات الصناعية، وهي قوى بقيت على هامش المجتمع، بل بقيت ترفض دوما عملية الاندماج وتعارضه لأنها ترفض السيطرة، وتتجلى هذه القوى حسب ماركوز في فئتين اجتماعيتين وهما: فئة المهمشين والمنبوذين والعاطلين عن العمل في المجتمع، وفئة الطلاب والشباب المتمرد على مجتمع الوفرة الرافض للروح الاستهلاكية السائدة فيه.

الفصل الخامس: رؤية نقدية لمسألة العقلانية التكنولوجية عند هربرت ماركوز:
بعد استعراض أبرز معالم فلسفة ماركوز المتعلقة بالعقلانية التكنولوجية، يتطرق كمال بومنير الى عرض رؤية نقدية لمسألة العقلانية التكنولوجية، وهو يستند في ذلك على “يورغن هابرماس” الذي عرض نقدا للنظرية الماركوزية اضافة الى آخرين، ولعل أبرز النقاط التي يمكن أن نسجلها في هذا الخصوص هي:
أولا: هنالك غموض بشأن العقلانية الجديدة التي يدعو الى قيامها ماركوز، فهو يعتبر ان الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا يمكن أن يكون أداة تحرر للإنسان، ولكن هابرماس يرفض هذا الطرح ويعتبر أنه لا يمكن أن تكون هنالك عقلانية تكنولوجية خالية من مفهوم السيطرة على الطبيعة وعلى الانسان.
ثانياً: ما يقترحه هابرماس في مقابل العقلانية الجديدة لماركوز هو “العقلانية التواصلية”، فهابرماس يميز بين مفهومين: بين العمل والتفاعل، فأما العمل فهو الذي يحدد علاقة الانسان بالطبيعة التي تكون موضوعا للسيطرة، لكن هذا النشاط الذي يتم بالطابع الأداتي يحتاج الى ما يسميه: بالنشاط التفاعلي أو التواصلي القائم على اللغة.
ثالثا: التحرر بواسطة الفن كما يقترحه ماركوز نزعة مبالغ فيها حسب فؤاد زكريا، اذ ان ماركوز ركز كثيرا على القيم الجمالية متناسيا دور القيم الأخلاقية.
رابعا: ركز الجيل الثاني من فلاسفة ومفكري مدرسة فرانكفورت على أهمية القيم الأخلاقية في مواجهة التطور التكنولوجي الهائل الذي يُنتج في جزء منه مشكلات جديدة مثل البيئة والأسلحة وغيرها.
ملاحظة: الشيء السلبي الوحيد الذي وجدته في هذا الكتاب هو أن كاتبه يعتمد تكرار الأفكار واعادة البناء، مما يجعل القارئ يشعر بالملل في بعض الصفحات كونه لا يجد شيئا جديدا غير كلام مكرر، وغير هذا فالكتاب ماتع بحق خاصة وأن الكاتب يعتمد أسلوبا مباشراً في الطرح.

 


تدقيق وتنسيق: عمر دريوش

Facebook Comments