مراجعة مسرحية: ”الهارب“ للأديب الجزائري الطاهر وطار.

بطاقة فنيِّة عن الكتاب:

اسم الكتاب: الهارب.

اسم الكاتب: الطاهر وطار.

الصنف: مسرح، أدب جزائري.

عدد الفصول: أربعة.

عدد الصفحات: 136 صفحة.

الناشر: المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية – الجزائر-

سنة النشر: 2013

حول الكاتب:

الطاهر وطار أديب وروائي وصحفي جزائري من مواليد 15 أوت 1936 بسوق أهراس (شرق الجزائر)، ولد لعائلة ريفية وكانت حياته بسيطة، تعلم القرآن والتحق بجمعية العلماء المسلمين عام 1950، ثم غادر سوق أهراس إلى مدينة قسنطينة عام 1952، وهناك فتح عينيه على عالم جديد وثقافة جديدة حيث وقع على عديد الكتب الأدبية والروائية العربية والعالمية، فقرأ لجبران خليل جبران، ومخائيل نعيمة وطه حسين وزكي مبارك والرافعي وغيرهم، وتعرّف على كتاب ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وغيرهما من صنوف الآداب العالمية.
استهواه الفكر الماركسي فاعتنقه، وظل يخفيه عن جبهة التحرير الوطني، والتحق بتونس في سنة 1954 حيث درس قليلا في جامع الزيتونة، وانضم بعدها إلى جبهة التحرير، كما عمل في بعض الجرائد التونسية مثل: لواء البرلمان التونسي والنداء، وأسس في مدينة قسنطينة جريدة الأحرار وكانت أول أسبوعية في الجزائر المستقلة، واستمر في الكتابة والعمل الصحفي إلى أن توفي يوم 12 أوت 2010.

من أهم أعماله:
اللاز 1974 (رواية)، الزلزال 1975 (رواية)، دخان من قلبي 1961 (مجموعة قصصية)، الشهداء يعودون هذا الأسبوع 1974 (مجموعة قصصية)، الهارب 1961 (مسرحية)، عرس بغل 1983 (رواية)، رمانة 1971 (رواية)، الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي 1999 (رواية)، الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء 2005 (رواية).

ملخص المسرحية:

تبدأ أحداث المسرحية من داخل زنزانة، حيث يجلس السجينان “اسماعيل” و”الصادق” المحكوم عليهما بسنوات طويلة في السجن، وهناك يدور حديث بينهما، وفيما يبدو على اسماعيل التوتر الذي يشي بحدوث مكروه ما، تغلب على الصادق ملامح اللامبالاة أو بالأحرى التفاؤل بحدوث انقلاب يزعزع أركان حياته نحو الانعتاق والتحرر!
الصادق انسان معدوم، دخل الى السجن بسبب قتلٍ خطأ، فهو لم يستطع مقاومة تلك الحاجة الماسة الى المال ليخفف عن نفسه وطأة الحياة القاسية، ولذلك عمد الى السرقة لسد هذه الحاجة، بينما شخصية اسماعيل تظل غامضة، تتحدث الى نفسها باستمرار وتتلفظ بكلمات غير مفهومة.
يفكر اسماعيل بشكل جدي في الاقدام على الانتحار والتخلص من الحياة دفعة واحدة بدل أن يواجه الحياة مرة أخرى، وقبل أن يقدم على ذلك يكتشف أمره أحد السجانين الذي يُحضره الى مدير السجن ليكتشف قصة هذا الرجل الذي يقرر الانتحار في اليوم الذي سيحصل فيه على حريته بعد أن قضى عشرين سنة في السجن، وفي مكتب المدير يستمع كل من السجّان والمدير وابنته راضية وزوجها الى قصة اسماعيل:
في الفصل الثاني تبرز ملامح شخصية اسماعيل من خلال سرد قصته التي تبدأ من الحوار الذي كان يجري بينه وبين “الأنا”، ذلك الشبح الذي يظهر لإسماعيل في كل مرة يريد أن يثنيه على ما هو مقدم عليه، وبعد أن يبدو على اسماعيل التردد بشأن الاقدام على الانتحار يتدخل الشبح مرة أخرى ليتهمه بالجبن والمرض!
لقد اكتشف اسماعيل (وهو مثال الانسان البرجوازي الذي ينفق ثروة والده بسخاء) خيانة صديقته “صفية” (نموذج الانسانة المثقفة) التي كان ينوي الزواج منها، لقد شاهدها بنفسه مع “توفيق” في المقبرة وهما يتعانقان، (وتوفيق مناضل شيوعي تفرغ للعمل السري في صفوف الشيوعيين)، ومن هنا ينجح “الأنا” في تأخير انتحار اسماعيل بعد أن يقرر الانتقام من توفيق وصفية، وقبل ذلك يعهد الى الخادمة العجوز بأن تبحث له عن فتاة (مؤقتة) تنسيه خيانة صفية.
في الفصل الثالث تزداد الأحداث توترا ويتفاجأ القارئ أن الفتاة الجديدة التي تأتيه بها الخادمة العجوز هي نفسها صفية (الخائنة)، وهنا يتحول المشهد الى عناق وعتاب واعتراف حيث تخبره صفية بأنها حامل منه، لكن اسماعيل لا يصدق ذلك.
وتدور أحداث الفصل الرابع والأخير من المسرحية حول الشكوى التي قدمها والد صفية ضد اسماعيل الذي تحكم عليه المحكمة بالزواج من صفية لكن محاميه ينصحه بالاستئناف ورفض الزواج، وبعد أن تفرغ المحاكمة تُقبل عليه صفية فيأخُذها الى مسكنه وشبح الانتحار يراوده، وهناك يقنع صفية بالانتحار معا والتخلص من عبء الحياة، بعد أن يستمع اليها وهي تقول: لم يبق للحياة طعم… اتمنى لو انني غير موجودة” (ص112)، وبعد أن يتفقا على الانتحار يتعانقان وحين يشعر اسماعيل بتردد صفيه في اطلاق النار على نفسها يتناول المسدس بنفسه ويقتلها، ولكنه يعجز عن اطلاق النار على نفسه بعد ذلك وهنا تنتابه نوبة جنونية ويصيح: يجب أن أموت!! يجب أن أموت.. لا أطيق الحياة.. أبداً لن أعود إليها!!! (ص117)، وبعدها يقضي اسماعيل عشرين سنة في السجن بسبب ارتكابه جريمة قتل، ويظل يعيش صراعا نفسياً مريرا.
وبينما هو يقص هذه الأحداث في مكتب مدير السجن يُغمى عليه ليفيق بعدها على اطلاق رصاص وأصوات تهتف في الخارج: “تحيا الاشتراكية.. تحيا الثورة”، ويدخل الغرفة أربعة ثوار على رأسهم توفيق الذي يأمر الجميع برفع يديه، ويخاطب راضية ابنة المدير قائلا: الدكتورة المحترمة.. رئيسة مصلحة المخابرات الأمريكية! ويلتفت الى المدير: أبوها مدير السجن المحترم، يزودها بالعملاء، ثم يلتفت الى صديق راضية: زوجها الكريم، وساعدها الأيمن.. لقد سبقناكم أيها الخونة.
في هذه اللحظة ينطق اسماعيل: ماذا أرى؟.. ماذا اسمع؟ ..توفيق.. آه يا توفيق، أنا اسماعيل، زوج صفية ألم تعرفني؟ ماذا تقول؟ ..هؤلاء خونة، عملاء أمريكا وأنتم نجحتم..(ص 136)، بعد ذلك يأمر توفيق زملاءه الثوار بأن يأخذوا الخونة الثلاثة إلى الساحة الشعبية لمحاكمتهم، بينما يأمر بإرجاع اسماعيل إلى زنزانته ريثما يتم فتح مدارس إصلاح الأخلاق البرجوازية مثلما يقول! وقبل ذلك يدخل الصادق هاتفا: تحيا الثورة الاشتراكية وينظر إلى اسماعيل قائلا: اسماعيل يا صديقي لقد تغيرت معالم الطريق فيسقط اسماعيل مغشيا عليه ويظل يردد الصادق ”لقد تغيرت معالم الطريق.. لقد تغيرت معالم الطريق“.

عن الهارب:

مسرحية الهارب التي ألفها الطاهر وطار سنة 1961 جاءت لتعبر عن حجم التناقضات التي تعج بها المجتمعات المعاصرة، (البرجوازية على وجه التحديد)، فإسماعيل وهو الشخصية الرئيسية يمثل نموذج الانسان البرجوازي المعاصر الذي توفرت له كل الضروريات والحاجات المادية والاقتصادية، إنه يمتلك بيتا واسعا وسيارة فارهة وبإمكانه الحصول على كثير من الأشياء، ولكنه مع ذلك يعوزه شيء واحد وهو الأكثر أهمية، إنه انسان غير سعيد فهو يفكر بشكل مستمر في الانتحار، دائم القلق والحيرة، وأعصابه متوترة في كل لحظة وكأنه شارف على الجنون.
“الهارب” تعبر عن اقتراب الطبقة البرجوازية الغارقة في اللذة والمتعة من نهايتها بسبب استغلالها للطبقات الكادحة، وبسبب انتشار الوعي الطبقي والوعي الاجتماعي والسياسي والنضالي والثوري لدى الفئات الاجتماعية المحرومة الممثلة في شخصية “الصادق” و”توفيق”، وبذلك تبدو البرجوازية، الممثلة في شخص “اسماعيل” ومدير السجن وابنته وزوجها، محاصرة من كل الجوانب أمام رغبة الجماهير في الحرية والتخلص من السيطرة والاستغلال التي تفرضها البرجوازية التي باتت تهدد كيان المجتمعات ومستقبل الشعوب.
مسرحية الهارب تريد أن تقول لنا إن التغيير لا يجب أن يكون من خلال الاستسلام والتفكير في الانتحار مثلما يدور في خلد البرجوازي اسماعيل، ولكن التغيير الحقيقي يجب أن يكون من خلال الثورة كما فكر وخطط الصادق وتوفيق وغيرهما ممن يمثلون الطبقة البروليتارية المسحوقة في ظل تسلط البرجوازيين والرأسماليين.
“مسرحية الهارب” كتبها الطاهر وطار بأسلوب جميل، واضح ومشوق، وهي من أكثر الأعمال الأدبية التي لاقت قبولا جيدا في نفسي، فأن تقرأ الهارب للطاهر وطار يعني أن تعيد اكتشاف ذاتك وكأن نص المسرحية ما هو إلا مرآة لذاتك.

تم تمثيل مسرحية الهارب على الركح في كل من المغرب وتونس.

 


تدقيق وتنسيق: عمر دريوش

Facebook Comments