مراجعة كتاب: ”اسلام الفلاسفة“ لمنجي لَسْوَد.

بطاقة فنيّة عن الكتاب:

عنوان الكتاب: إسلام الفلاسفة.
الكاتب: منجي لَسْوَد.
الصنف: دراسات حول تاريخ الفلسفة الإسلامية.
عدد الصفحات: 127 صفحة.
الناشر: دار الطليعة ــ لبنان / رابطة العقلانيين العرب.
سنة النشر: 2006/ الطبعة الأولى.

حول الكاتب:

غير متوفر حاليًا.

ملخص الكتاب:
يتناول الكتاب إشكالية محورية يمكن صياغتها على النحو التالي: كيف استطاع الفلاسفة المسلمون أن يجمعوا بين معرفتين تبدوان في الظاهر متعارضتين، إحداها معرفة لا سلطان فيها إلا للعقل وهي الفلسفة أو الحكمة، والأخرى لا تستقيم إلا بالتسليم والإذعان وهي الشريعة السماوية؟
وللإجابة على هذه الإشكالية عمد الكاتب إلى تقسيم بحثه إلى مقدمة وثلاثة فصول.
ملخص المقدمة:
يؤكد منجي “لسود” ابتداءً على قضية هامة وهي أن الإسلام التاريخي هو إسلام متعدد وليس واحداً، وهذا التعدد قد فرضته التصورات العديدة للإسلام وطبيعة الانتماءات المعرفية والإيديولوجية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للشعوب المسلمة، ولذلك نحن نجد إسلاماً شيعيًا، وإسلاما سنياً، وإسلاماً صوفياً، وإسلاماً فقهياً، وإسلاماً للعوام، وإسلاماً للخواص، واسلاماً للمتقدمين، وإسلاماً للمتأخرين… إلخ، وعلى هذا الاعتبار يمكن القول إن إسلام الفلاسفة هو واحد ضمن متعدد (أنظر: ص5).
هذا الإسلام الذي تميز به الفلاسفة المسلمون كانت له ميزاته الخاصة بحيث أن هؤلاء الفلاسفة قد واجهتم تحديات كبيرة وصعوبات عديدة جعلت نشاطهم الفكري والفلسفي محاطا بالعديد من المخاطر ولا سيما من جانب أصحاب الثقافة التقليدية، وضمن هذا السياق يحاول “منجي لسود” النظر في مواقف أبرز الفلاسفة المسلمين في القضايا العقائدية التي عالجوها من وجهة نظرهم الفلسفية، من أجل ترصد تجليات إسلام الفلاسفة في مختلف المسائل الايمانية والجوانب الدينية التي تناولوها بالدرس، وبذلك يمكن تمييز إسلام الفلاسفة عن غيره من أنواع الإسلامات ــ إن صح التعبيرـــ والوقوف على خصوصياته.

الفصل الأول: مكانة الفلسفة والفلاسفة عند المسلمين.
وفيه يتناول الكاتب ثلاثة عناوين وهي: 1ـ الفلاسفة في كتب التراجم، 2ـ الفلاسفة والعامة، 3ـ مكانة الفلسفة والدين في تصنيف العلوم.
الفلاسفة في كتب التراجم:
يؤكد منجي لسود على أن كتب التراجم في التاريخ الإسلامي اتسمت بطابع ديني (إيديولوجي) ولم تتسم بالطابع المعرفي الحيادي، ولذلك فإن هذه الكتب اعتمدت منهج “الجرح والتعديل” في تناولها للأعلام والرجال، وهو منهج أهل الحديث نفسه، بحيث أن مواقف أصحاب كتب التراجم الإسلامية من الفلاسفة كانت مواقف متباينة بحسب انتماء المترجم العقدي والثقافي، فإن كانت ثقافة المترجم (ثقافة تقليدية) لا تتناسب مع ثقافة الفلاسفة واهتماماتهم المعرفية كانت الترجمة مليئة بالتجريح والعكس صحيح أيضا (أنظر: ص15).
ولتأكيد هذه الحقيقة عمد منجي لسود إلى وضع جدول يُحصي به أهم كتب التراجم مثل: سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي، وكتاب تذكرة الحافظ للقيسراني، وكتاب لسان الميزان لابن حجر العسقلاني، وكيف ترجمت هذه الكتب لفلاسفة مسلمين من قبيل: أبو نصر الفارابي، وابن سينا، وابن حزم الأندلسي، وأبو حامد الغزالي وغيرهم، ولاحظ الكاتب في هذا السياق أن ثمة -في المجمل- عداءً واضحا للفلسفة وللفلاسفة مستشهدا بنصوص تاريخية من قبيل ما أورده السيوطي في كتابه “تدريب الراوي” ج1، ص327: “فقد صرَّح بالحَطِ من مكانتهم، وعدم قبول رواياتهم وأقوالهم ابن الصَلاَح في فتاويه، والمصنّف في طبقاته، وخلائق من الشافعية، وابن عبد البر وغيره من المالكية خصوصاً أهل المغرب، والحافظ سراج الدين القزويني وغيره من الحنفية، وابن تيمية وغيره من الحنابلة، والذهبي لهَجَ بذلك في جميع تصانيفه” (أنظر: ص19).
الملاحظ من قول السيوطي أن المذاهب الفقهية السنية الأربعة على اختلافها قد اتفقت على فساد الفلاسفة وفلسفتهم، فالفلسفة من علوم الأوائل التي مُلئت بالأباطيل والضلالات حسب الفقهاء وأهل الحديث، لذلك كان لا بد لكل من يشتغل بها أن يُصبح مدعاة للريبة والشك، بل وحتى أن يصبح هدفا لرميه بالزندقة والكفر والإلحاد.
وبناءً على كون كتب التراجم لم تكن موضوعية في تناولها للفلاسفة ــ بقدر ما عبّرت عن وجهة نظر ذاتيةــ يؤكد الكاتب على أن هذه الكتب لا يمكن أن تكشف لنا بصورة صحيحة عن الحياة اليومية والممارسات العقائدية للفلاسفة المسلمين في ظل مجتمعهم الإسلامي وطقوسه التعبديّة.
الفلاسفة والعامّة:
يؤكد منجي لسود أنه إذا كان الفقهاء وأهل الحديث والمتكلمون هم الأعداء الأساسيون للفلاسفة، فإنهم لم يستطيعوا أن (يهزموهم) إلا بفضل إقحامهم للعامّة في دوامة هذا الصراع، وذلك ما يذكره ابن النديم في الفهرست مثلا وغيره، وفي مقابل هذا التحالف تعامل الفلاسفة حيال العامة بتجاهل واحتقار كبيرين، فقد سمّاها ابن سينا (سمى العامة) “البُلَّه”، وجعل مصير أفرادها في الآخرة مثل مصير الأطفال معلقين بين السعادة والشقاء، كما سمّاها ابن رشد “الأطفال الكبار”، ويبرز هذا التجاهل أيضا في عناوين كتبهم، من قبيل كتاب: “إلجام العوام عن علم الكلام” وكتاب: “المضنون به على غير أهله” المنسوب إلى ابي حامد الغزالي (أنظر: ص31).
ويبدو أن هذا الصراع التاريخي بين الفلاسفة والعامة كان سبباً في إبراز تصورات العديد من الفلاسفة لبعض المسائل المتعلقة بإسلامهم مثل التأويل الذي تحدث عنه ابن رشد، مثل مراتب الناس ومصيرهم، ولكنه لم يمنعهم من تضمين مؤلفاتهم آراء قد تكون سببا في إثارة العامة عليهم وخاصة إذا كانت هذه الآراء ترى أفضلية العلوم الفلسفية على العلوم النقلية، وهي مسألة تمكننا من الوقوف على وجه من وجوه تصور الفلاسفة للإسلام بتنزيله ضمن تصنيفهم للعلوم (أنظر: ص37).
مكانة الفلسفة والدين في تصنيف العلوم:
تصنيف العلوم يختلف باختلاف توجهات صاحب التصنيف المعرفية والإيديولوجية، ولذلك فإن للفلاسفة تصنيفاتهم الخاصة به التي تختلف عن تصنيفات الفقهاء وأهل الحديث مثلاً، ويمكن أن نلاحظ هذه الخصوصية عندما ننظر في مكانة كل من الفلسفة والدين عند كلا الطرفين، الفلاسفة من جهة وأصحاب الثقافة التقليدية من جهة أخرى (أنظر: ص38).
يُلاحظ منجي لسود بعد استعراضه لبعض نماذج تصنيف العلوم عند الفلاسفة وغيرهم أن الغالب على مناهج التصنيف لدى الفارابي واخوان الصفا وابن سينا هو التقسيم الثلاثي الذي يؤكد تأثرهم بالمنهج الأرسطي في تصنيف العلوم، وذلك ما انعكس على مكانة الشريعة في تصنيفاتهم، فالفارابي وابن سينا يجعلان الفقه والعلوم الشرعية في المرتبة الأخيرة، بينما المراتب الأولى كانت للعلوم الفلسفية، فيما جعل اخوان الصفا العلوم الشرعية في مرتبة وسطى بين العلوم الفلسفية والعلوم التي يُطلب بها المعاش، ولكنها ظلت بالنسبة إليهم علوماً أدنى من العلوم الفلسفية.
استنتاجات من الفصل الأول:
1ـ الانتماء المعرفي والصراع الفكري والسياسي والاجتماعي هي عوامل يبدو لها دورها الفعّال في بلورة “إسلام الفلاسفة”.
2ـ تحرز الفلاسفة من العامة ومحاولة توقي ضرباتهم الموجعة دفعهم إلى المساهمة في تكريس الأوضاع المتردية من تفشٍ للجهل الذي ساعد على تفشي الفساد السياسي وانخرام الأوضاع الاجتماعية وخاصة استقالة المسلمين عن واقعهم بدعوى عجزهم عن اختيار أفعالهم أمام قدرة الله المطلقة التي يُروج لها أصحاب المصالح السياسية وفي مقدمتهم الفقهاء وأهل الحديث.
3ـ السبب الكامن وراء تواصل الحملة التي شنّها الغزالي على الفلسفة حتى بعد موته هو وجود المناخ المناسب الذي وفر لها القوة الكافية للاستمرار والبقاء على اعتبار أن حملة مناسبة لأهواء العامة ومن ورائهم الفقهاء وأصحاب الحديث.

الفصل الثاني: تصور الفلاسفة للوحي والنبوَّة والقرآن.
وفيه يتناول الكاتب أربعة عناوين وهي: 1ـ مفهوم الوحي، 2ـ منزلة النبي، 3ـ “تفسير” الفلاسفة للقرآن، 4 ــ ظاهرة التوفيق بين الفلسفة والدين.
مفهوم الوحي:
يؤكد منجي لسود على أن كتب التراجم تتفق على كون الفلاسفة كانوا قد حفظوا القرآن الكريم وهم في سن مبكرة، ولذلك كان من الطبيعي أن يهتموا بفهمه والتفكير في مصدره والبحث في طبيعته باعتباره معرفة وباعتباره جزءاً من تكوينهم الثقافي، ويبدو ذلك جلياً بالعودة الى كتاباتهم.
يُلاحظ الكاتب أن تطرق الفلاسفة المسلمين لقضايا الوحي والنبوة يندرج في إطار الحديث عن المعرفة ومسالكها أو ما يمكن أن نسميه: “نظرية المعرفة عند الفلاسفة المسلمين” أو في إطار مقارنتهم بين العلم الإلهي والعلم البشري، وهو يتطرق في هذا الصدد إلى ثلاثة أسماء فلسفية شهيرة (الكندي، الفارابي، ابن سينا)، فالكندي مثلا يقسم المعرفة إلى قسمين: علم الهي، وعلم إنساني، وبيّن أن العلم الإنساني مهم في معرفة الحق، (يقصد الكندي بالحق هنا: الله عز وجل، إضافة إلى معنى الحق الذي نعرفه ونتطلع إلى تحصيله في ميادين المعرفة وغير ذلك) والوصول إلى الحق إنما يكون بالمداومة في طلبه وذلك بالتعمق في دراسة العلوم العقلية وأهمها المنطق والرياضيات (أنظر: ص51)، أما العلم الإلهي بحسب الكندي فهو أرفع مرتبة من العلم الإنساني وتحصيله لا يتطلب تكلفا ولا حيلة بشرية وفي هذا الإطار يندرج معنى الوحي، فالوحي علم إلهي خَصَ به الله الرسل والأنبياء.
وإذا ما انتقلنا إلى موقف الفارابي من الوحي فإننا سنجد بعض الإضافات على اعتبار أن الفارابي كان أكثر تفصيلا لكيفية حصول الوحي من الكندي، حيث اعتبر أن تحصيل المعرفة يتم من طريقين: طريق العقل وطريق الوحي، غير أن هذين الطريقين يلتقيان في نقطة واحدة في نهاية المطاف، فالإنسان سواء كان فيلسوفاً أم نبياً فإنه لا بد له أن يتصل بما يُسميه: العقل الفعّال (بعض الباحثين يعتقد أن العقل الفعّال هو جبريل عليه السلام)، بينما كان ابن سينا أكثر تفصيلاً لمسألة الوحي والنبوة من سابقيه عندما اعتبر أن النبوة وحصول الوحي والاتصال بالعقل الفعّال لا يتم للإنسان إلا بتوفر شروط، فصل فيها ابن سينا في بعض مؤلفاته، ومن بينها أن تكون للإنسان قوة قُدسية ومخيلة قوية ونفس محركة ليُصبح قادراً على الإهلاك وقلب الحقائق والإتيان بمعجزات وخرق قوانين الطبيعة! (أنظر: ص59).
منزلة النبي:
هنالك ربط دائم عند الفلاسفة المسلمين بين الفيلسوف والنبي، وهي مسألة تدخل ضمن الإشكالية الكبرى المعروفة في الفلسفة الإسلامية والمتعلقة بجدلية الفلسفة والدين أو الحكمة والشريعة أو الوحي والعقل أو العقل والنقل على اختلاف المسميات، ففي إطار التوفيق بين مجال الدين ومجال الفلسفة كانت دائما تُعقد المقارنات بين الفيلسوف والنبي على اعتبار أن كليهما له شرف الاتصال بالعقل الفعال وأنهما يهدفان إلى معرفة الحقيقة، فالشريعة حق والفلسفة حق على حد تعبير ابن رشد، ويمكن أن نجد حضوراً لهذه المسألة بشكل واضح عند الفارابي الذي كان يرى (في مجال السياسة) أن رئيس المدينة الفاضلة إما أن يكون نبياً (وكل نبي فيلسوف) وإما أن يكون فيلسوفاً إذا غاب النبي.
وفي هذا الإطار يُلاحظ منجي لسود أن منزلة النبي في التفكير الفلسفي الإسلامي يمكن أن نرصدها في مستويين اثنين: الأول أن النبي يكون أرفع من الفيلسوف، ويمكن أن نجد هذا الموقف عند الكندي الذي يعتبر الفيلسوف عاجزا أمام قدرة النبي في معرفة الحقيقة والتعبير عنها في أوجز الأساليب وأبلغها، ونجده أيضا عند المنطقي “أبو سليمان السجستاني” الذي يرفض أن تتم المقارنة بين النبي والفيلسوف على اعتبار أن الفلسفة علم بشري زائف والوحي علم إلهي باقٍ، بينما نجد أن ابن رشد له موقف مختلف قليلا فهو ـــ على حد تعبير منجي لسود ــ فيه ظاهر وباطن، فالظاهر أنّ ابن رشد يصرح بأفضلية النبي على الفيلسوف، أما الباطن فإنه يرى أفضلية الفيلسوف على النبي! (أنظر: ص66، 67).
أما المستوى الثاني فيتصور فيه بعض الفلاسفة المسلمين أفضلية للفيلسوف على النبي ونجد ذلك عند الفارابي مثلا على اعتبار أنه عندما يسند رئاسة المدينة الفاضلة إلى النبي وإلى الوحي هو يدرك أن النبوة فترة عارضة او استثنائية في تاريخ البشرية فالنبوة انتهت بوفاة النبي محمد عليه السلام، لذلك فرئاسة المدينة الفاضلة ستكون في يد الفيلسوف، واذا استطعنا ان نعبر بصيغة أخرى فإننا نقول إن الفيلسوف بالنسبة للفارابي هو القاعدة بينما النبي هو الاستثناء، (أنظر: ص67)، وعلى ذلك يكون للفيلسوف أفضلية على النبي في تصور الفارابي، وإضافة إلى موقف الفارابي يمكن ان نجد هذا الموقف نفسه عند إخوان الصفا الذين يعتبرون أن الفضائل التي يكتسبها الانسان من معرفته للشريعة تقليدية يعتريها الظن، أما الفضائل التي يحصلها الانسان من معرفته للفلسفة فهي برهانية يقينية، وعلى هذا الأساس فإن النبي محتاج إلى تتميم ما يأتي به من جهة الحكيم، أما الحكيم فهو غني عنه! (أنظر: ص68).
تفسير” الفلاسفة للقرآن:
تفسير الفلاسفة للقرآن لا يعني أنه نفسه العمل الذي قام به المفسرون المسلمون للقرآن، بل إن ما قام به الفلاسفة في هذا الصدد هو محاولاتهم تفسير بعض الآيات القرآنية من منظور فلسفي، وهو بذلك فهم يختلف اختلافا كلياً عن فهم بقية المسلمين لهذا النص، ويمكن أن نجد تلك المحاولات عند الكندي في تفسيره للآيات 78_83 من سورة يس، وكذلك تفسيره للآية (6) من سورة الرحمن، إضافة إلى تفسير ابن سينا للآيات 7_10 من سورة الواقعة، وتفسيره لسور الإخلاص، والفلق، والناس، وبعد الاطلاع على هذه المحاولات يمكن القول إن تفسير الفلاسفة للقرآن له ما يميزه عن غيره من التفاسير، على اعتبار أنه يجتهد في تحويل النص القرآني إلى خطاب فلسفي يستجيب للمقولات الفلسفية، ويمكن أن نلحظ تجنب الفلاسفة المسلمين في تفاسيرهم الى آيات الأحكام، ويعود ذلك إلى سبب بسيط وهو أن هذا النوع من الآيات لا يدخل ضمن اهتمامات الفيلسوف، فتلك مما يُهتم به مجال العلوم العملية وهي الفقه، أما ما يهم الفيلسوف من آيات فهو الذي يكون له صله بالعلم الإلهي الذي يبحث في الموجود من حيث هو موجود، وفي المبادئ الكلية للعلوم (أنظر: ص75).
ظاهرة التوفيق بين الفلسفة والدين:
ثمة الكثير من الدراسات التي تناولت هذه الإشكالية التي كان لها حضور بارز في تاريخ الفكر الإسلامي، وعلى كثرة تلك الدراسات كانت النتائج التي توصل اليها الباحثون منحصرة في رأيين: فإما أن يكون الفيلسوف حسب هؤلاء الباحثين قد فشل في مسعاه بوفائه لاختياراته المعرفية، وإما أن يكون قد حالفه بعض النجاح لأن الشريعة والفلسفة لا تتعارضان، فالشريعة ــ على حد تعبير ابن رشد ــ دعت إلى اتباع الفلسفة باعتبارها تدبراً عقلياً، كما دلت الفلسفة على وجود الشريعة معتمدة على البراهين، وفي ذلك خصص ابن رشد كتابا مهما سماه: “فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال”، وأما الكندي مثلا ففي سياق رده على الفقها أو من يُسميهم “أهل الغربة عن الحق” فقد اعتبر أن الدين لا يختلف عن الفلسفة ولذلك فكل من عاند الفلسفة وسماها كفرا هو شخص عارٍ من الدين، (أنظر: ص77)، واضافة الى ابن رشد والكندي نجد الفارابي وابن سينا وإخوان الصفا وغيرهم ممن دافع من الفلاسفة المسلمين على وجود توافق بين الفلسفة والدين أو بين الحكمة والشريعة.

الفصل الثالث: مسائل الخِلاف بين الفلاسفة المسلمين.
وفيه يتناول الكاتب ثلاثة عناوين وهي: 1ـ قِدم العالم وحدوثه، 2ـ عِلم الله، 3ـ أحوال المعَاد الأُخروي.
1 ــ قِدم العالم وحُدوثه:
طبيعة الخطاب الفلسفي منذ القديم أنه خطاب نقدي، وهو لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، إنما يؤمن أن لها أوجه متعددة وهي تختلف من زاوية إلى أخرى، ويمكن أن نعثر على هذه المفاهيم في تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، فالفلاسفة المسلمون وبرغم اتفاقهم على بعض الأشياء إلا أن لهم أيضاً اختلافات في كثير من المسائل، فكل فيلسوف كانت له وجهات النظر الخاصة به، ويتجلى ذلك في مسألة قدم العالم وحدوثه، ومسألة علم الله بالجزئيات وعدمه، ومسألة روحانية المعاد الأخروي وجسمانيته.
أما مسألة قدم العالم وحدوثه فقد تصدرت كتاب “تهافت الفلاسفة” للغزالي، وهي مسألة يقف فيها الفلاسفة والمتكلمون على طرفي نقيض، إذ يقول الفلاسفة باستحالة حدوث العالم، فهو إذن قديم، ويقول المتكلمون باستحالة قدم العالم، فهو إذن محدث، أما قول الفلاسفة بقدم العالم فيستند الى حجج وبراهين أهمها أن الله قديم ولا يمكن أن يصدر عن القديم حادث، لأن الحادث متغير، وإذا كان العالم حادثاً فإن التغير سيلحق بالذات التي صدر عنها وهي الله وهذا محال عند فلاسفة الإسلام (أنظر: ص89)، لأنهم يرون ضرورة التلازم بين العلة والمعلوم، بينما يعتبر المتكلمون أنّ العالم حادث بإرادة قديمة، والقول بالإرادة حسبهم لا يؤدي إلى تغّيُر في الذات الإلهية، لأن الإرادة لا بد وأن تكون قديمة، ويترتب على ذلك القول بأن الزمان والمدة مخلوقان، كما يرى أبو حامد الغزالي (الفيلسوف والمتكلم الأشعري) أنه لا يمكن أن يصدر الحادث عن قديم بدليل أن القول بأن كل حادث لا بد أن يصدر عن حادث مثله، فإن ذلك يؤدي الى تسلسل العلل إلى ما لا نهاية وهذا مستحيل عقلياً ومنطقياً.
عِلم الله:
أما مسألة عِلم الله فكانت أيضا مثار جدل كبير واختلف حولها الفلاسفة أيما اختلاف، وقد ذكر الغزالي أن آراء الفلاسفة في هذه المسألة قد انقسمت إلى قسمين: رأي يقول أصحابه إن الله لا يعلم إلا نفسه، وقسم يرى أصحابه أن الله يعلم غيره، وقد نسب الرأي الثاني الى ابن سينا، الذي زعم ــ حسب ما أورده الغزالي في التهافت ــ أن الله يعلم الأشياء علماً كلياً لا يدخل تحت الزمان، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن، ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة وفي السماوات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي، وكان هذا الموقف لابن سينا مثار نقد شديد من طرف الغزالي، الذي كفًره واتهمه بإنكار صفة من صفات الله وهي علمه الواسع، بينما نجد الفيلسوف “صدر الدين الشيرازي” يرى أن ابن سينا لم يقصد نفي علم الله بالجزئيات بل قصد تنزيهه عن الزمان ليصبح الله تعالى عالما أزلاً وأبداً، بينما نجد موقفاً مختلفاً عن الثلاثة السابقين عند ابن رشد الذي انتقد الغزالي واعتبر ما أورده ضد ابن سينا مجرد مشاغبة فكرية وسفسطة (أنظر: ص96)، ولا ترتقي إلى مستوى البرهان والدليل، وبناءً على ذلك اعتبر ابن رشد أنّ المتكلمين ــ وفي مقدمتهم الغزالي ــ لا يمكنهم أن يتملكوا المعرفة الحق التي يتميز بها الفيلسوف وسبب ذلك أنهم سفسطائيون، كما أنّهم يُعملون آلية التأويل في الوقت الذي يكون فيه المعنى ظاهراً.
أحوال المعاد الأُخروي:
هذه هي المسألة الثالثة التي من خلالها كفّر الغزالي الفلاسفة، وابن سينا والفارابي على وجه التحديد، وقد درج الفقهاء والمفسرون وعلماء الكلام على القول بأن الله يحشر يوم القيامة الإنسان بروحه وجسده معاً، وذلك وفقا لما تقرره النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، غير أن بعض الفلاسفة المسلمين أوّلوا تلك النصوص وأنكروا حشر الأجساد واعتبروا أن المعاد الروحي عبارة عن مفارقة النفس عن بدنها واتصالها بالعالم العقلي الذي هو عالم المجردات وسعادة النفس وشقاوتها هناك بفضائلها ورذائلها، بمعنى أن النار الجسمانية ووجود الجنة والحور العين وسائر ما وعد به الناس يعتبر كل ذلك ــ بالنسبة لبعض الفلاسفة المسلمين من قبيل ابن سينا والفارابي ــ أمثلة ضُربت لعوام الخلق لتفهيم ثواب وعقاب روحانيين هما أعلى رتبة من الجسمانيين (أنظر: ص99)، ففي “الرسالة الأضحوية في المعاد” التي كتبها ابن سينا نجده يقسم العلم إلى علمان: علم موجه إلى العامة، وعلم موجه الى الخاصة، والحقيقة عنده حقيقتان: حقيقة يعرفها عامة الناس، وحقيقة لا يطلع عليها إلا الأنبياء والفلاسفة، وعلى هذا الاعتبار فإن للثواب والعقاب وما اتصل بهما من نصوص دينية من القرآن والحديث النبوي وجهان: وجه ظاهر، ووجه خفيّ، فالظاهر أنّ المعاد الأُخروي يكون بحشر الأجساد والأرواح، لكن الحقيقة الباطنة هي أن الحشر يكون للأرواح دون الأجساد.

خاتمة:
إنّ أهم ما يميز الخوض في هذه المسائل وغيرها من المسائل الأخرى التي تدارسها الفلاسفة هي راية التكفير التي رُفعت ضدهم وهي سلاح ليس ثمة أشد فتكا منه، خاصة إذا كانت اليد الحمّالة له هي العامة، لذلك لا نستغرب الانتقادات اللاذعة التي ملأ بها ابن رشد كتابه “تهافت التهافت” كما لا نستغرب اطلاق الكندي تسمية “أهل الغربة عن الحق” نعتا للفقهاء وأهل الحديث والمتكلمين.
يُلاحظ منجي لسود في خاتمة كتابه هذا أن تتبع إسلام الفلاسفة من خلال المسائل الفلسفية التي طرحوها والتي كان لها علاقة بالمسائل الدينية يبرهن على أن اختلاف المنطلقات الفكرية والنظرية والإيديولوجية للمسلمين له دور على غاية من الأهمية في تحديد فهمهم للإسلام، فليس إسلام الفلاسفة إلا “تجاذباً” بين ثقافتين تشتركان في مبدأ واحد هو الركيزة الأساسية لوجودهما، فكلتاهما تدعيان امتلاكها للمعرفة والحقيقة المطلقتين، لذلك كان من الطبيعي أن تتجاذب اسلام الفلاسفة هاتان الثقافتان: الثقافة الإسلامية والثقافة الفلسفية، ورغم أنّ إسلام الفلاسفة ليس إسلام غيرهم من المسلمين، فإنهم لم يخرجوا عن منطق الصراعات السائدة في المجتمع الإسلامي، لذلك كانوا يحسّون بتفوقهم المعرفي ويدّعون امتلاكهم للحقيقة كما هو الشأن بالنسبة إلى غيرهم من الكيانات المعرفية الأخرى كالفقهاء والمتكلمين ورجال الحديث.

تدقيق لغوي: آية الشاعر

Facebook Comments