حوار النقطة الزرقاء مع الأستاذ هشام مطروح

عن الضيف: 

الأستاذ هشام مطروح، مهندس أنظمة معلومات، خريج جامعة قسنطينة، الجزائر. يشغل حاليا مدير مشروع EPR مع شركة CETIC. ناشط فيسبوكي مهتم بتطوير الأعمال، هندسة الحواسيب، والقضايا السياسية والإجتماعية والدينية. شارك في في تجربة نشر إلكتروني لدى دار الزنبقة لمجموعة منشورات رفقة آخرين في كتاب موسوم بـ: ” هكذا تكلم فلاسفة افتراضيون”. قدم على اليوتيوب سلسلة بعنوان “الكتاب والحكمة”، ويشتغل على كتاب عن نفس الموضوع.

كان لنا معه حوار عام شمل بعض المواضيع والإشكالات المتعلقة بالتعليم والعصامية، المقروئية والتوجيه، تجديد الفكر الديني ودور النخبة والمثقفين. المواضيع التي التمسنا منه فيها رأيا حكيما معقولا، مقدما لنا إجابات هادئة مختصرة ودقيقة. قراءة ممتعة.

نص الحوار: 

– اعتدنا أن يكون منطلق الحوارات من الضيف ورؤيته لذاته، فكيف يرى المهندس هشام مطروح نفسه وكيف يُحب أن يعرفها؟

تريدون تعريفا شاعريا أو تعريفا براغماتيا!
-أنا غريب يستأنس بالغرباء
-وخبير نظم المعلومات، يقرأ في كل المجالات.

– في ظل المستوى والواقع الحالي لتخريج الجامعات،والكفاءات، بات التكوين الذاتي أو ما يعرف بالعصامية اكثر من ضرورة، ماتعريف الأستاذ للعصامية، مامدى أهميتها في نظره ؟ وهلا حدثنا عن تجربته معها ؟

كنت دوما عصاميا منذ صغري الباكر. العصامية ألا تكتفي بما يقدم لك في المدرسة. أن تقرأ لجميع الاتجاهات ألا تكون تابعا ولا مريدا لأي معلم. أن تتحرر من سقف المعلمين. أن تفكر وتقرأ أفكار الآخرين، العصامية أن تهرب من سجن المدرسة إلى عالم المعرفة الفسيح، العصامية هي الأصل. والتعليم النظامي ضرورة اجتماعية. شخصيا، لا أذكر فضلا للمدرسة في شيء تميزت فيه، في مجال تخصصي (الإعلام الآلي) كانت الجامعة مضيعة للوقت وكنت واعٍ بذلك وأنا طالب. والمعارف التي احتجتها في العمل تحصلت عليها بعصاميتي، أما ثفافتي العامة فهي نتيجة قراءات لا تنقطع في جميع المجالات، بدأتها في المرحلة الثانوية إلى غاية اليوم. كان هدفي أن أكون موسوعيا لكي أستطيع فهم الحياة من جميع جوانبها. لذلك قرأت من الفلسفة والتاريخ وعلم الإجتماع وعلم النفس والعلوم الدينية المختلفة.

– ما رأيك أستاذ في واقع المقروئية في الجزائر؟ هل مفهوم الجزائري عن القراءة سليم؟ وما تعليقك على الجموع الضخمة الوافدة على معرض الجزائر الدولي للكتاب، هل تعكس صورة حقيقية عن اهتمام الشارع بالكتاب والقراءة؟

ليس هناك مؤشر للقراءة في الجزائر. وزيارة المعرض واقتناء الكتب لا يدل على القراءة. وإن كانت تجارة الكتب تعرف كسادا عاما على طول السنة. الاِنطباع الذي لدي أن الجزائريين لا يقرؤون لأنّهم لا يرون جدوى القراءة. لذلك تراهم يركزون على الكتب شبه المدرسية (كتب الدعم) وكتب الطبخ لأن جدواها العملية ظاهرة وملموسة.

– نسمع كثيرا عن ما يسمى بالرقابة الثقافية، أو ولاية القارئ إن جاز التعبير، فنرى كتبا تمنع وأخرى يُحذر من أصحابها على أنهم خطر على الشباب، المرجعية، الدين…الخ هل يرى هشام مطروح أنه يجب أن يكون هناك حد أدنى من الرقابة على قراءات الشباب خصوصا؟ ونوجهه لقراءة أعمال دون أخرى؟

الرقابة تخلف. ولا ينبغي توجيه الشباب نحو كتب دون أخرى. هذه الانتقائية حجر على التفكير. فلا يمكن تكوين صورة صحيحة عن موضوع ما دون معرفة مختلف الآراء التي تناولته.

– في ظل انعكاس الصورة التي تحدثنا عنها في اهتمام الشارع الجزائري بالكتاب، نجد أن ثمة قضايا أخرى تستقطب الفرد الجزائري، وربما تشوش العقل الجمعي الجزائري عن قضاياه المهمة. كيف تحصرها، وكيف يجب أن يتم ترتيب اهتمامات الشارع حسب رأيك؟

أنا ضد التوجيه مطلقا. ومشكلة التعصب تنجم من التوجيه. فالتيارات المتعصبة لا تقرأ سوى لنفسها.

– بالحديث عن التعصب، لا شك أن الدين والخطاب الديني من القضايا المهمة في الوسط الجزائري، ومع تطور الأوضاع الإنسانية، وظهور الكثير من المفارقات، الأصوات المطالبة بالتجديد أصبحت في ازدياد. ما هو موقفك، أو تصورك حول مقاربات تجديد الفكر الديني نظير رؤى شحرور وأركون والجابري، وتجديد الخطاب الديني نظير عدنان إبراهيم وغيرهم؟

رغم المحاولات التي ذكرت. إلا أنني لا أرى “منهجا بديلا” عن أصول الفقه التقليدية. وهذا ما أحاول البحث فيه تحت عنوان “الكتاب والحكمة”. ولأنني أريده منهجا بديلا، كان لا بد من التروي كثيرا قبل اخراجه للناس.

– تحدثتم من قبل كثيرا عن “الكتاب والحكمة” واعترضت على الرؤية التقليدية لهذا المفهوم، فهلا حدثتنا بشكل عام عن منبع إيمانك بدور تغيير هذا المفهوم وأهمية النظرة التجديدية له؟ ومن هذا المنطلق هل ترى أنه يمكن تجديد التجربة الروحية للانسان دون ضرورة العودة إلى تأويل النص الديني؟

الله ربط بين الكتاب والحكمة ربطا مؤكدا أكثر من عشرة مرات. ولكن الفقهاء ابتداء من القرن الرابع فكّوا الارتباط بينهما. بعد أن تدخلت السياسة ورجحت كفة الحنابلة (أهل التقليد) على حساب المعتزلة (أهل الحكمة)، ودخل العالم الإسلامي كهف التقليد والجمود إلى يومنا هذا.

– البعض يقول أن الدين باستثناء إشكالية الموت التي يدعي الإجابة عنها قابل للتعويض بأي سوسيولوجيا ومنظومة قيم أخلاقية؟ فما حاجتنا وتوقعاتنا من الدين اليوم؟

دور الدين الإجتماعي كوسيلة رقابة ذاتية في تراجع أمام تطور وسائل الرقابة الإلكترونية. الصين تحاول وضع نظام “مؤشر ثقة” يقيّم كل مواطن بناءََ على تحليل كل المعلومات المتعلقة به المسجلة عبر النت. هذا النظام العاجل في مراقبة الدولة للأفراد أكثر نجاعة من النظام الآجل الذي يقدمه الدين عبر الإيمان بيوم الحساب الآجل. ولا يبقى من الدين بعد أفول دوره السياسي والقانوني والإجتماعي سوى جانبه الأصيل والجوهري وهو الجانب الروحي فقط.

– في ذات السياق المتعلق بالمسألة الدينية ما معنى عودة الديني في المجتمعات الغربيةاليوم؟ وما هي أوجه قصور العلمانية بوصفها مقاربة سياسية تموضع الدين على هامش المجال العام؟ ألم تصبح هي بدورها دينا وثيولوجيا لا تنتقد؟

محاولة العودة إلى الدين في الغرب مرتبطة بالنزوع نحو الإنغلاق الاقتصادي و تخفيض مستوى التبادل الحر مع آسيا، تقدم اليمين في إكثر من انتخابات ينذر بعودة العنصرية التي تتغذى على الخصوصيات العرقية والدينية، ومعها الحروب.

– نرى الأستاذ هشام ينشر على صفحته جملا وعبارات مركزة، ملخصة واضحة وموصلة للفكرة التي يريد تبليغها، إلى أي مدى تصل فاعلية هذه الوسيلة في نشر الوعي؟ وما هي نظرتك لمواقع التواصل الاجتماعي ودورها كمنصة للمصلحين؟

منشوراتي مختصرة حتى تقرأ بسهولة. والهدف منها التنبيه وليس التلقين. الفيسبوك وسيلتنا الوحيدة الآن حتى تنفتح الساسة السياسية أكثر في المستقبل.

– بكونك ناشط على مواقع التواصل و حافر في بئر السؤال ، يعتبر البعض “المثقف” حلقة أساسية في بناء فكر مجتمع متماسك. هل توافق على هذه الأطروحة؟ ومن هو الجدير بلقب المثقف؟ وما الدور الذي يلعبه “المثقف” بمفهوم الأستاذ هشام مطروح حتى يساهم في تغيير التصورات العامة للمجتمع؟

هناك مثقف يتوجه إلى عامة الناس بروايات تمرر الأفكار مدسوسة في الفن الجميل. أنا لم أختر هذا الاتجاه، لأنني أفضل دور المفكر الذي يطرح أفكاره للنقاش على الفئة التي تطيقه. لأننا في حاجة ماسة لتناول مشاكلنا بالتفكير والتحليل، طبعا النقاش لا أمارسه على صفحتي فهي مفتوحة للجميع، وإنما في مناسبات خاصة تجمعني بمن أتعرف على قدرتهم على مناقشة الأفكار.

– كيف تنظر إذن إلى ثنائية الثقافة والسياسة؟ هل ترى أن النخبة يعول عليها للتغيير أم لا؟ هل تفضل المثقف الذي ينخرط في النضال السياسي أم الجدير اهتمامه بالتنظير فقط؟

التغيير تصنعه النخب فقط. العوام مجرد وقود معارك. النخبة الفاعلة هي التي تؤثر في موازين القوى. للأسف في الجزائر القوة في يد ثلة من العسكر صنعت ثلة من المحتكرين للاقتصاد، و كلا الثلتين لا يملكان فكرا ولا رؤية ومستوى تأثير المثقفين فيهما ضعيف جدا.

– كيف ترى مستقبل التغيير في الجزائر، وما الذي تنصح به الشباب والمبادرات أمثالنا؟

كل انسان مسؤول عن دائرة تأثيره، نفسه أولا وأسرته وفريق عمله ومحيطه المباشر. و من واجب كل واحد منا الإصلاح في دائرة تأثيره. الجزائر مقبلة على أزمة مالية كبيرة سترغم النظام على الانفتاح لكيلا يتحمل تبعات الأزمة التي صنعها وحده. علينا ان نكون اكثر وعيا منا في تجربة 88.

 

 

Facebook Comments