خطاب ألبير كامو في حفل تسليمه جائزة نوبل للأدب 1957

ألبير كامو هو روائي وكاتب مسرحي وفيلسوف فرنسي-جزائري، ولد في قسنطينة – الجزائر سنة 1913 في بيئة شديدة الفقر إلا أنه استطاع أن يكمل مشواره التعليمي في قسم الفلسفة بفضل تفوقه الذي وضعه على رأس كل المنح آنذاك. تحدث كامو في كتاباته عن مواضيع الوجود والحرية والحب والفن وكان من القلائل في عصره الذين أدانوا كل من الولايات المتحدة الأمريكية والشيوعية آنذاك. وقد اعتبر كامو نفسه فيلسوفا عبثيا بالرغم من أن الكثير من معاصريه اعتبروه وجوديا كزميله جون بول سارتر ومن أشهر رواياته “الغريب” و “الطاعون” وأيضا كتابه “أسطورة سيزيف”.  يعتبر ألبير ثاني أصغر من نال جائزة نوبل للأدب، المقال أدناه من أشهر خطابات كامو وهو الخطاب الذي قدمه أثناء تسلمه للجائزة عام 1957.

نص الخطاب:

“وأنا أتلقّى الامتياز الذي شرّفتني به أكاديميتكم الحرة ببالغ الكرم، مايزال امتناني ضارباً في العمق، وبالأخصّ حين أستحضر مقدار ما تجسده المكافأة إذ تتخطّى بكثير استحقاقاتي الشخصية. كل إنسان -ولأسباب أشد قوّة- كل فنان، يشتهي أن يذيع صيته، وأشتهي ذلك أيضاً، لكن لم يكن لي مناص من أن يبلغني قراركم دون أن أقيس انعكاساته على ما أنا عليه حقيقةً (على كينونتي الحقة): كيف لإنسان، شاب نسبياً، غني بشكوكه الخاصة، وعمل قيد التشييد، معتاد على العيش ضمن ما يوفره العمل من وِحدة، أو في انزواءات الصداقة، ألا يتلقى بشيء من الهلع القرار الذي سينقله على حين غرة، وحيداً، ومختَزَلاً إلى نفسه، إلى قلب ضوء ساطع وقوي؟ وبأيّ قلب أيضاً في وسعه أن يستقبل هذا الشرف في حين يقبع كتاب آخرون، في أوروبا، من ثلة الأدباء الكبار، مختزلين ومقصيين في صمت، وفي الوقت الذي تعرف فيه أرضه الأم تعاسة متواصلة؟

أحسست بوطأة الارتباك، وذاك الاضطراب الداخلي، ولاستعادة السلام، كان عليّ -باختصار- أن أتصالح مع طالِعٍ (قدَر) سخي جدا ولأنني أعجز عن الارتقاء إليه مرتكزا على أهليتي وإنجازاتي وحدها، لم أجد لي عوناً آخر عدا ما ساعدني طيلة حياتي وفي خضم الأحداث الأشد تناقضاً: الفكرة التي اتخذتها عن فنّي، وعن دور الكاتب؛ فاسمحوا لي بروح من الامتنان والصداقة أن أحدثكم بكل ما طالته قدرتي من بساطة عن ماهية هذه الفكرة.

شخصياً، لا يمكنني العيش بدون فنّي ولكني لم أضع يوماً هذا الفنّ فوق كل اعتبار، وإذا كان ضرورياً لي حقا فلأنه لا ينفصل عن أحد، ويتيح لي أن أحيا تماماً كما أنا على مستوى كل شيء.

ليس الفن في نظري متعة فردانية، هو وسيلة لتهييج مشاعر أكبر قدر ممكن من البشر عبر منحهم صورة امتيازية عن الأتراح (الأحزان) والأفراح المشتركة، فالفن يلزم الفنان إذن ألا يركن إلى العزلة، يخضعه للحقيقة الأكثر تواضعاً وكونية. وذاك الذي غالبا ما اختار قدره كفنان انطلاقا من شعوره بالاختلاف عن الآخرين سرعان ما سيدرك أنه لن يغذي فنه واختلافه إلّا إذا أقرّ بتشابهه مع الجميع.

إنّ الفنان لَيُصْنع من الذهاب والإياب الدائبين منه وإلى الآخرين، وفي منتصف الطريق من الجمال الذي لا يمكن أن يتجاوزه ومن المجتمع الذي لا يمكن أن ينسلخ منه؛ ولهذا السبب تحديدا لا يزدري الفنانون الحقيقيون أيّ شيء ويلزمون أنفسهم بالفهم عوض إطلاق الأحكام، وإن كانوا لابدّ متحيزين إلى طرف في هذا العالم فلن يكون سوى إلى الجماعة، أو على حد قول عظيم منسوب ل(نيتشه): لايسود أبدا الحاكم بل المبدع ( الخلّاق) عاملاً كان أم مثقفاً.

دور الكاتب، في الوقت عينه، لا ينفصل البتة عن الواجبات العسيرة، وحسب التعريف فهو لا يمكن أن يكون في خدمة أولئك الذين يصنعون التاريخ بل هو في خدمة أولئك الذين يتحملون أوزاره، وإلا سيبقى وحيداً ومحروماً من فنه وجميع جيوش الاستبداد والاضطهاد لن تقوى على انتزاعه من عزلته، وبالأخص إذا ارتضى اقتفاء خطاهم، في حين أن صمت سجين مجهول، متروك عرضة للإهانات في الطرف الآخر من العالم، يكفي لاجتثاث الكاتب من المنفى، في كل مرة يتمكن فيها على الأقل وسط امتيازات الحرية من عدم نسيان هذا الصمت والإبقاء على صداه عبر جميع وسائل الفن.

لا أحد منا مؤهل كفاية لمثل هذه المهمة، ولكنه في كل ظروف حياته المظلمة أو المشهورة مؤقتاً، وسواء مرمياً في أغلال الاستبداد أو حراً ليعبر كما شاء بشكل مؤقت، فإن للكاتب أن يسترجع شعور الجماعة الحية، أن يتقبل قدر استطاعته التكليفين الذين يصنعان عظمة مهنته: “خدمة الحقيقة، وخدمة الحرية”. ولأن مهمته تتلخص في توحيد أكبر عدد ممكن من البشر، فلا يمكن أن تنقاد للوهم والاستعباد، الذين أينما سادا تناسلت في وجودهما الوِحدة، وأيا كانت نقائصنا الشخصية فإن نبل مهنتنا يستمد جذوره من إلتزامين يصعب الإيفاء بهما: رفضنا الكذب حيال مانعرف، ومقاومتنا الاضطهاد.

طيلة ما يزيد عن عشرين عاما من تاريخ مهول، ضائعاً دون نجدة -كسائر أفراد جيلي- في انتفاضات الزمن، وجدتُني مسنودا بشعور غامض مفاده أن الكتابة هي اليوم شرف، لأن هذا الفعل يلزم، لا بالكتابة فقط، وإنما يلزمني على وجه الخصوص بأن أحمل، كما كنت، وحسب قواي، رفقة جميع من عايشوا التاريخ نفسه التعاسة والأمل الذي نتقاسمه.

إن هؤلاء الرجال الذين ولدوا في مستهل الحرب العالمية الأولى، الذين بلغوا ربيعهم العشرين في الوقت الذي رسا فيه حكم هتلر والمحاكمات الثورية الأولى، والذين واجهوا لاحقاً، لإكمال تربيتهم، الحرب الإسبانية، الحرب العالمية الثانية، وعالم معسكرات الاعتقال، وأوروبا التعذيب والسّجون، عليهم اليوم أن يربوا أبناءهم ويرعوا أعمالهم في عالم مهدد بالدمار النووي. لا أحد كما أعتقد، من حقه مطالبتهم بالتفاؤل، وأجدني أشاطر ذات الرأي الذي ينص على أننا يجدر بنا فهم أخطاء أولئك الذين طالبوا -في حالة مبالغة من اليأس- بحقهم في الخيانة وانخرطوا في عدميات تلك المرحلة، وهذا دون أن نتوقف عن محاربتهم. ويبقى أن الأغلبية بيننا: في بلدي، وفي أوروبا، قد رفضت هذه العدمية وأخذت في البحث عن شرعية لها وقد لزمها في سبيل ذلك صنع فنٍ للعيش في زمن الكارثة، لتولد مرة ثانية، وتحارب بوجه مكشوف غريزة الموت المتواصلة في تاريخنا.

إن كل جيل يؤمن دون شك أنه منذور لإعادة تشكيل العالم، وجيلي يعلم رغم ذلك أنه لن يعيد بناءه، وأن مهمته أكبر من ذلك بكثير، ربما تتجلى في منع العالم من الانمساخ. إن هذا الجيل وريث تاريخ فاسد، حيث تختلط الثورات الساقطة، تقنياتٌ مسها الجنون، آلهة موتى، و إيديولوجياتٌ باهتة منطفئة، وحيث قوى ضعيفة باتت قادرة اليوم على إلحاق الدمار بكل شيء، ولكن عاجزة عن إقناع أي أحد، وحيث انحط الذكاء للحد الذي أضحى فيه خادماً للكراهية والاضطهاد.

هذا الجيل اضطر إلى أن يعمد، مع ذاته وحولها، انطلاقا من إنكاراته الخاصة، إلى إصلاح بعض ما يصنع كرامة العيش والموت أمام عالم مهدد بالتحلّل، حيث يهدد كبار حكامنا بإقامة ممالك الموت إلى الأبد، هذا الجيل يعرف أن عليه في نوع من السباق ضد الوقت، أن يرسي السلام بين الأمم دون استعباد، وأن يصالح من جديد بين العمل والثقافة. ليس أكيداً أن هذا الجيل في وسعه إنجاز هذه المهمة الهائلة، ولكن المؤكد أنه يقبض في يديه الرهان المزدوج للحقيقة والحرية، ويعرف كيف يموت دون كراهية لأجله إن تطلب الأمر، هذا الجيل هو من يستأهل التحية والتشجيع حيثما ثُقِف، وبالأخص حيثما ضحى بنفسه.  وعلى أية حال، فلهذا الجيل، وأنا متأكد من موافقتكم التامة، يطيب لي أن أنسب الشرف الذي حبيتموني به. إذن وبعد أن تحدثت عن نبل مهنة الكاتب، أكون في ذات الوقت قد أحلت الكاتب إلى مكانه الصحيح، متجردا من أية ألقاب سوى ذاك الذي يتشاطره مع رفقاء كفاحه، هش ولكن عنيد، ظالم ومشغوف بالعدالة، يشيد عمله دون استحياء أو عجرفة أمام أنظار الجميع، منقسماً دوماً بين الألم والجمال، ومدفوعا في النهاية إلى استخراج الإبداعات التي يحاول بعنادٍ خلقَها من كينونته المزدوجة في ظل الحركة المدمرة للتاريخ.

من يجرؤ بعد هذا على أن ينتظر من الكاتب حلولا جاهزة، وأخلاقا فاضلة؟ الحقيقة غامضة، ومتملصة، ودوماً على مرأى أعيننا كغاية يجب الظفر بها. الحرية خطيرة، من الصعب عيشها بقدر ماهي مثيرة للحماس، وعلينا نحن أن نسير نحو هذين الهدفين بعناء ولكن بيقين، متأكدين مسبقاً من عجزنا على طريق طويل كهذا الذي سلكناه. أي كاتب حينئذ سيجرؤ وبضمير يقظ أن ينصب نفسه واعظا للفضيلة؟ أما من جهتي، فيجدر بي القول مرة أخرى أنني لست شيئا من هذا.

لم يسبق لي يوما أن تنازلت عن النور، وعن سعادة الانوجاد، عن الحياة الحرة، التي نشأت في ظلها، وإن كانت هذه النوستالجيا تفسر الكثير من أخطائي وهفواتي، فهي تساعدني دون شك لأن أفهم مهنتي جيداً، ولاتزال تعينني دائماً للوقوف بغير هدى، إلى جانب كل هؤلاء الرجال الصامتين الذين لا يحتملون في العالم الحياة التي قُدِّرت لهم إلا عبر الذكرى أو استرجاع السعادات الوجيزة الحرة.

هكذا أُرَدُّ إلى ما أنا عليه حقيقة، إلى حدود قدرتي، إلى ديوني، وكذا إلى إيماني الصعب، أحس أني أكثر حرية في أن أُبدي لكم سعة وسخاء التقدير الذي منحتموني إياه، أكثر حرية أيضا لأقول لكم أن في ودي قبوله كتشريف لكل الذين يشاركونني ذات المعركة ولم ينالوا أي امتياز بل عرفوا على العكس من ذلك الشقاء والاضطهاد. لا يبقى لي إذن إلا أن أشكركم من أعماق قلبي، وأن أدلي أمامكم علنا، كبادرة امتنان شخصي، بوعد الوفاء السابق والقديم الذي يقطعه أي فنان حقيقي كل يوم على نفسه في صمت.”

تقديم: إدريس قوادري بوجلطية
ترجمة الخطاب: مروة بوحدة
المصدر:
هنا

تدقيق لغوي: آية الشاعر
تعديل الصورة: عمر دريوش

Facebook Comments