مراجعة رسالة: ” في الغناء الملهي“ لابن حزم الأندلسي.

بطاقة فنيِّة عن الرسالة:

اسم الرسالة: رسالة في الغناء الملهي أمباح هو أم محظور؟.
ضمن كتاب: رسائل ابن حزم الأندلسي ج1.
اسم الكاتب: ابن حزم الأندلسي.
تحقيق: احسان عباس.
الصنف: فقه اسلامي.
عدد الصفحات: 9 صفحات.
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ لبنان.
سنة النشر: 1987 / الطبعة الثانية.

حول الكاتب:
هو علي بن حزم الأندلسي (384 ه ــــ 456ه)، واحد من أعلام الحضارة الاسلامية والفقه الاسلامي في الأندلس، وهو فقيه ومحدث وفيلسوف، كان مالكي المذهب ثم شافعي ثم غير مذهبه الى الظاهرية، وهو صاحب المذهب الظاهري الذي يأخذ النصوص النقلية من قرآن وسنة كما هي من دون تأويل ومن دون زيادة أو نقصان، ويعد مذهبه الظاهري عند بعضهم، المذهب الفقهي الخامس بعد الأئمة الأربعة، سلك ابن طريق نبذ الاتباع والتقليد فقامت عليه جماعة من المالكية وشرد عن وطنه وأُحرقت كتبه.

ملخص الرسالة:
بعد أن يثني على الله بالحمد ويصلي على النبي محمد صل الله عليه وسلم، كعادة ما درجت عليه المصنفات والكتب في الحضارة الاسلامية، يبين ابن حزم الأندلسي غرضه من هذه الرسالة قائلاً: “إنك رغبت في أن أقدم لك في الغناء الملهي، أمباح هو أم من المحظور، فقد وردت أحاديث بالمنع منه وأحاديث بإباحته، وأنا أذكر الأحاديث المانعة وأنبه على عللها، وأذكر الأحاديث المبيحة له وأنبه على صحتها إن شاء الله، والله الموفق للصواب” (أنظر: ص430).
إن ابن حزم يقدم تصريحا مباشر يؤكد مبتغاه من هذه الرسالة، وهو أنه بصدد التنبيه على تهافت وضعف الأحاديث التي أوردها بعضهم في تحريم الغناء، وفي المقابل فهو بصدد التنبيه على صحة الأحاديث التي أوردها بعضهم في اباحة العناء وجوازه، وتحقيقا لهذا المراد عمد ابن حزم الى طرح الأحاديث المانعة ابتداءً، ثم تلاها بالأحاديث المبيحة.
الأحاديث المانعة:
يذكر ابن حزم اثنا عشر حديثا مانعا ومحرما للغناء كما أوردها بعضهم عن النبي صل الله عليه وسلم، منها أحاديث في البخاري ومسلم وبعضا في سنن الترمذي وأخرى في سنن ابي داود، وسنن ابن ماجة، وبعد أن يذكر تلك الأحاديث الاثنا عشر، يعلق بجملة واحدة قائلا: “وكل هذا لا يصح منه شيء، وهي موضوعة” (أنظر: ص434)، قبل ان يشرع في بيان أصل ضُعفها، بمعنى أن كل تلك الأحاديث ـــ حسب ابن حزم ـــ إنما وضعها بعضهم ونسبها الى النبي صل الله عليه وسلم، بينما النبي لم يقل بها مطلقا.
ومن أشهر تلك الأحاديث ما جاء في البخاري عن هشام بن عمار من أن النبي صل الله عليه وسلم قال: “ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف”، وقد رد ابن حزم هذا الحديث واعتبره موضوعا بحجة أن البخاري لم يُورده مسندا، وإنما قال فيه: قال هشام بن عمار ثم هو الى أبي عامر أو الى أبي مالك ولا يُدرى أبو عامر هذا (أنظر: ص434)
ومن الأحاديث التي أوردها، ابن حزم واعتبرها ضعيفة ولا يُعتد بها ما رواه بن شعبان أن النبي صل الله عليه وسلم قال: “من جلس الى قينة صُبَّ في أذنيه الآنك يوم القيامة”، بمعنى من استمع الى امرأة تُغنى فإن الله يعذبه يوم القيامة بأن يصب في أذنيه رصاصٌ مُذاب، و قد رد ابن حزم الحديث بجملة واحدة قائلاً: “وأما أحاديث ابن شعبان فهالكة” (أنظر: ص 434 أيضا).
إضافة الى ذلك أورد ابن حزم من الأحاديث المانعة قول النبي صل الله عليه وسلم من حديث ابو عبيد بن الفضيل بن عياض قال نهى رسول الله صل الله عليه وسلم عن تسعٍ وأنا أنهاكم عنهن: ألا إن منهن الغناء والنوح والتصاوير والشعر والذهب وجلود السباع والخز والحرير”، ورد ابن حزم ذلك قائلا: وأما حديث معاوية فإن فيه كيسان ولا يُدرى من هو، ومحمد بن مهاجر وهو ضعيف، وفيه النهي عن الشعر وهم يبيحونه.
بعد ذلك يقف ابن حزم عند تفسير قوله تعالى: “ومن الناس من يشتري لهو الحديث”، فيرفض دعوة بعضهم الى القول بأن لهو الحديث هو الغناء، فذلك حسبه لم يصح عن رسول الله ولم يثبت عن أحد من صحابته، وأن مجرد كلام بعض المفسرين ممن ليست لهم حجة على ما يقولون، ويفند موقهم قائلاً: “ثم لو صح لما كان فيه مُتَعَلَّقٌ، لأن الله تعالى يقول: “ليُضل عن سبيل الله” وكل شيء يُقتنى ليضل به عن سبيل الله فهو إثم وحرام، ولو أنه شراء مصحف أو تعليم قرآن” (أنظر: ص435)، بمعنى أنه لو كان حقا ما يقوله بعض المفسرين من أن “لهو الحديث” هو الغناء، لكان تحريمه لذاته غير مرتبط بعلة، والعلة هنا متعلقة تضليل الناس عن سبيل الله وطريقه، وليس الغناء ــــ إن كان حراما وهو ليس كذلك ـــ ما يضل عن سبيل الله، لأنه هذا الغاية تحقق بواسطة أساليب عديدة وبعضها من حديث المبدأ حائز، بل قد يكون تعبدا، من قبيل شراء مصحف بغاية تحريفه وتضليل الناس من خلاله.
ويواصل ابن حزم في طريق اثباته لحل وجواز الغناء، وهذا المرة من زاوية اخرى وحجة مخالفة، خلاصتها أن كل شيء حرمه الله تعالى علينا قد فصله لنا، وما لم يُفصل لنا تحريمه فهو حلال، وهو يعتمد في هذا على منهجه الظاهري في تفسير النصوص، حيث يأخذ ابن حزم النص على ظاهره كما ورد في القرآن من دون تأويل وبلا زيادة أو نقصان، ودليل ما سبق قول الله تعالى: “وقد فَصَّلَ لكم ما حرم عليكم” (الأنعام: 119)، وقال تعالى: “هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا” (البقرة:29)، وقد قال رسول الله: “إن من أعظم الناس جرما في الاسلام من سُأل عن شيء لم يُحرم، فحُرِّم من أجل مسألته”.
ثم يذكر ابن حزم ستة أحاديث تبيح الغناء يعتقد بصحتها جميعا ومن بينها ما ورد في صحيح مسلم عن عائشة أم المؤمنين أن ابا بكر دخل عليها وعنده جاريتان تغنيان في أيام منى وتضربان ورسول الله مسجى بثوبه فنهرهما أبو بكر فكشف رسول الله عنه فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد.
وحديث عائشة أيضا في صحيح مسلم، قالت: جاء حبشٌ يزفنون في المسجد في يوم عيد، فدعاني رسول الله فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر الى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرفت عن النظر به اليهم”.
وقبل الختام يذكر ابن حزم حديثا طويلاً يمكن أن نستشف منه قاعدة يضعها في حل الغناء من حرامه، وهو حديث هشام بن زيد، وملخصه أن عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما قد سمعا الغناء بالعود، وإن كان ابن عمر كره ما ليس من الجد فلم ينه عنه، وقد حدث ذلك في بيعة مغنية، وقد قال ابن حزم في ذلك: ولو كان حراما ما استجاز ذلك أصلا (أنظر: ص438)، ولعل القاعدة عند ابن حزم هي نية السماع، لذلك يُورد ابن حزم حديث النبي صل الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” فإذا نوى المرء من سماع الغناء ترويح نفسه وإجمالها لتقوى على طاعة الله عز وجل فما أتى ضلالاً.
ملاحظة ختامية:
ما ذكره ابن حزم من أحاديث مانعة ومُحرمة للغناء، لم يقف عنده وقفة جادة، ولعل بعض الأحاديث كانت تحتاج الى وقفة أطول لبيان ضعفها وتهافتها، أو بيان صحتها إن كانت بها صحة، فهو مثلاً يرد ثلاثة أحاديث دفعة واحدة بقوله: “وأما أحاديث عبد الملك بن حبيب فكلها هالكة!”، بمعنى أن ابن حزم قدم حكما ولم يقف عند هذا الحكم ليبرره ويؤكد دلائله، على اننا لا نعرف موقفا ثانيا يكون ان حزم قد فصل فيه بشأن هذه الأحاديث، والله أعلم، كما أن ابن أطال في عرض حججه بشأن أحاديث اباحة الغناء، على عكس الأولى، وهو ما يبرز بجلاء أن ابن حزم غلب عليه في هذه الرسالة طابع الذاتية، على الطرح العلمي والموضوعي والمنطقي، على أن القاعدة التي يضعها في خاتمة رسالته تُعد بحق قاعدة ذهبية، على اعتبار أن سماع الناس للأغاني والموسيقى ليس سماعاً واحدا، فثمة من يبتغي به الفجور ويجعله سبلاً للفحش والهبل، بينما يجعله بعض الناس سبيلا للتذوق الجمالي، وتطهيرا للنفس من أدناس الحياة اليومية ومشاغلها، على أننا نشدد على مسائل عديدة في شرط الغناء المباح، فليس في غناء يُلهي الانسان عن صلاته وواجباته الاسرية والاجتماعية نفع، بل أذهب الله به، إنما أن يكون الاستماع بنية الايجاب فذاك ما يكون مقبولا والله أعلم.

تعديل الصورة: عمر دريوش

Facebook Comments