مراجعة كتاب: ”إسلام المتصوفة“ لمحمد بن الطيّب.

بطاقة فنيِّة عن الكتاب:

عنوان الكتاب: إسلام المتصوفة
الكاتب: محمد بن الطيّب.
الصنف: دراسات حول تاريخ التصوف الاسلامي.
عدد الصفحات: 201 صفحة.
الناشر: دار الطليعة ــ لبنان / رابطة العقلانيين العرب.
سنة النشر: 2007 / الطبعة الأولى.

حول الكاتب:
نقلاً عن موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود، ضمن حوار أجراه صابر السويسي مع الأستاذ محمد بن الطيب.

الأستاذ الدكتور محمّد بن الطيب هو أستاذ تعليم عال في الحضارة العربية الإسلاميّة مختصّ في دراسة التصوّف، يدرّس بكلّيّة الآداب والفنون والإنسانيّات/جامعة منوبة-تونس، وهو رئيس وحدة البحث “الظاهرة الدينيّة في تونس”، ورئيس تحرير مجلة روح الحداثة (وهي مجلّة علمية محكّمة متخصصة في الإنسانيات، تصدر بتونس)، ونائب رئيس الجمعيّة التونسيّة للدراسات الصوفيّة “صفاء” (وهي جمعية علمية مقرها كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس)، وعضو المجلس العلمي لمركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة منذ سنة 2010، ومنتج برنامج “أنوار من الشرق” بإذاعة تونس الثقافية منذ سنة 2013. له مجموعة من الكتب نذكر منها:
– إسـلام المتصوّفة، بيروت، دار الطليعة، 2007.
– وحدة الوجود في التصوّف الإسلامي في ضوء وحدة التصوّف وتاريخيّته، بيروت، دار الطليعة، 2008.
– تجربة الحب الإلهي ووحدة الوجود بين محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي، تونس، منشورات كلية الآداب والفنون والإنسانيات، جامعة منوبة – تونس، 2009.
– فقه التصوّف: بحث في المقاربة الأصولية الفقهية عند أبي إسحاق الشاطبي، بيروت، دار الطليعة، 2010.

ملخص الكتاب:
يتناول الكتاب صورة تأليفية عامة عن ما يسميه الكاتب محمد بن الطيب “إسلام المتصوفة”، الذي يَعُده اسلاماً انبثق من صميم الإسلام الواحد عقيدة وشريعة، وهو إسلام يصطبغ بصبغة صوفية ظاهرة تميزه فهما وتصوراً وتطبيقاً واعتقاداً وتعبداً وسلوكاً، عن إسلام آخر متعدد تولّد عن الديانة الواحدة، غير أننا عندما نميز هذا النوع ونقول “إسلام المتصوفة” لا يعني ــ حسب الكاتب ـ أننا أمام ديانة جديدة وملة مستحدثة مباينة للإسلام وخارجة عن أصوله وقواعده، وإنما نعني أننا نروم استكشاف خصائص الرؤية الصوفية للإسلام ومظاهر اجتهاد أصحابها نظرياً وعملياً في جعل الإسلام ديناً صوفياً (أنظر: ص5).
والكتاب يتألف من مقدمة وثلاثة فصول جاءت على النحو التالي:
ملخص المقدمة:
يؤكد الكاتب في مطلع المقدمة على حقيقة أن “الإسلام الصوفي” ـــ كما يُسميه ــ هو أحد الوجوه المتعددة لدين الإسلام الواحد في عقيدته وشريعته، بحيث أن إسلام المتصوفة ليس بِدعة أو ظاهرة خارجة عن ملة الإسلام، ويُرجع سبب كون الإسلام متعدداً في مظاهره بين إسلام المتصوفة وغيرهم إلى تقلب الإسلام في التاريخ وتنقله في الجغرافيا مما جعل فئات من المسلمين تنظر إلى الإسلام في جانب من جوانبه فينصب اهتمامها عليه فتضخمه، مما ينعكس على تصورها لهذا الدين فيتلون ــ بناءً على ذلك ــ إسلامها بصبغة مخصوصة غالبة على غيرها، إضافة الى أن طبيعة الإسلام الشاملة ورسالته الخاتمة وعماده القرآني ـــ وهو نص بياني ينفتح على التأويل ويقبل تعدد القراءات ــ كل ذلك جعل هذا الدين الواحد في مبتدأ ظهوره يحمل في تكوينه البنيوي قابلية للتعدد من داخله، ولذلك نحن نلحظ وجود إسلام خاصة بالمتصوفة وإسلام خاصة بالفقهاء وإسلام خاص بالفلاسفة وإسلام خاص بالمتقدمين وإسلام خاص بالمتأخرين وغير ذلك.
وبعد أن يؤكد الكاتب على هذه المقدمات الهامة ينتقل إلى الحديث عن الدراسات التي تناولت التصوف الإسلامي ومسائله المتعددة، فيؤكد على أن “إسلام المتصوفة” قد استأثر بكم هائل من الدراسات بشتى اللغات، لكن معظم هذه الدراسات ــ بحسب الكاتب ــ غاب عنها الجيد والجاد، إذ أنها لم تخرج في الأغلب الأعم عن نزعتي المدح والقدح (أنظر: ص6)، وهي في الغالب مليئة بأحكام على رجال التصوف ترسل على عواهنها متراوحة بين التوقير والتحقير والتهويل والتهوين، وفي خضم ذلك تضيع الحقيقة.

الفصل الأول: نشأة الإسلام الصوفي وتطوّره.
وفيه يتناول الكاتب ثلاثة عناوين وهي: 1ـ أسبابه وبواعثه، 2ـ سماته ومظاهره، 3ـ مراحل تطوّره.
أسبابه وبواعثه:
يعتقد الكاتب أن الإسلام الصوفي قد انبثق من داخل الإسلام نفسه عندما عمد فئة من المسلمين إلى أن يصبغوا إسلامهم بصبغة زهدية ظاهرة، على اعتبار أن الكثير من الآيات القرآنية فيها ما يمهد لذلك ويشجع عليه، فكثيرة هي الآيات التي تذم الدنيا وتفضل الآخرة وتحث على إعداد الزاد لها وتدعو إلى القناعة والتقى والإخلاص، وتذم الحرص والفسوق والرياء، (أنظر: ص13)، وقد اعتبر المستشرق “لويس ماسينيون” أن التصوف الإسلامي في أصله وتطوره صدر عن إدامة تلاوة القرآن وتدبره والتخلق بأخلاق، ومنه استمد خصائصه المميّزة.
وإضافة إلى النص القرآني فإننا نجد المتصوفة يؤسسون إسلامهم على التأسّي بأخلاق النبي (صلى الله عليه وسلم)، ويقتدون بسلوكه ويتخذونه مثلهم الأعلى ويجعلون ذلك شرطا من شروط الانتماء لمذهب التصوف، فالنبي نفسه شق بتعاليمه الطريق إلى التصوف وذلك من خلال سلوكياته وأفعاله الزهدية التي استعاض بها عن زخرف الدينا الزائل بنعيم الآخرة الباقي، وتلك مساهمة في التشجيع على السلوك الزهدي المهيِّئ للتصوف، يضاف إليها دعم نظري مهم ساعد على نشأة فهم صوفي للدين يتجاوز درجتي الإسلام والإيمان عبر عنه الرسول بلفظ “الإحسان” وشرحه بقوله: “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، وإذا كان اهتمام الفقيه مثلاً منصباً على الأفعال والهيئات المتعلقة بالشعائر التعبدية قياماً وركوعاً وسجوداً ومناسك، فإن المتصوف يزيد على اهتمام الفقيه بأحكامها الظاهرة فضل عناية بكيفيات باطنة تصاحب تلك الأفعال والهيئات عند الأداء، ومن هذه المعاني الروحية الباطنة: الإخلاص والصبر والتوكل والايثار والسخاء والحياء والخشوع في الصلاة والابتهال في الدعاء وإيثار الآخرة على العاجلة والشوق إلى لقاء الله، وما إلى ذلك من المعاني الروحية والأخلاق الإيمانية (أنظر: ص16).
إضافة إلى هذين السببين اللذين كان لهما أثر حاسم في نشأة الإسلام الصوفي ثمة أسباباً أخرى بعضها سياسي وبعضها اجتماعي وبعضها ثقافي، من قبيل ما شهده الإسلام المبكر من فوضى سياسية وفتن وحروب داخلية وما رافقها من قلق روحي ومظالم اجتماعية وتفاوت فاحش بين الناس وظهور فئة مترفة تجري وراء المتعة وتسرف في المجون، كل ذلك وغيره كان له عظيم الأثر في نشأة الفرق الدينية والاتجاهات الفكرية في الإسلام، وكان له دور كبير في تنمية روح الورع والزهد عند بعض الصحابة والتابعين.
2 ـ سماته ومظاهره:
يمكن أن نحصر سمات ومظاهر الإسلام الصوفي في ثلاثة وهي: المظهر الزهدي، والمظهر التعبدي، والمظهر الأخلاقي.
أما المظهر الزهدي فباعتبار أن الزهد يشكل المقدمة الضرورية للتصوف، فكل صوفي لا بد أن يكون زاهداً، ولكن ليس كل زاهد هو صوفي، فالزهد إذا شئنا القول هو الجانب العملي من التصوف، وهو أسلوب من الحياة يحياه المؤمن وموقف خاص من الدنيا وزخرفها وشهواتها، ومن النفس ومطامحها واخذ الانسان نفسه بأنواع المجاهدات والرياضات الروحية والبدنية، وهو من المظاهر الثابتة والسمات المشتركة بين المتصوفة (أنظر: ص20) وقد كان الزهد في المرحلة المبكرة للإسلام رد فعل وثورة روحية على الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية التي دخل فيها المسلمون بعد وفاة النبي (صلَّى الله عليه وسلم)، مثلما كان ثورة ضد مطامع النفس ومغريات الحياة ونجد أصداء ذلك بين ثنايا أقوال الصوفية في كل العصور ولكنها أظهر ما تكون في مواعظ الحسن البصري ووصايا الحارث المحاسبي وغيرهما.
أما المظهر التعبدي فقد كان بارزاً عند المتصوفة المسلمين الذين لم يكونوا يكتفون بما هو مفروض على المسلم من أشكال العبادة، إنما يزيدون على ذلك بالاستغراق في الصلوات وكثرة الصوم ودوام اشتغال اللسان بالذكر وقراءة القرآن، وقيام الليل، والباعث على ذلك هو الحديث القدسي المشهور في الدوائر الصوفية والذي اتخذوه عنوانا لمذهبهم، ومنه استمدوا للطريق الصوفي مشروعيته وهو: “ما يزال العبد يتقرب اليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به…”، (أنظر: ص26)، وعلى ذلك كان قصد المتصوف من إكثار العبادات التقرب إلى الله والفناء فيه، على اعتبار أن العبادة عند الصوفي من شأنها ان تبلغ بسلوكه الديني أقصى غاياته وأبعد آفاقه حتى تصل إلى منتهى الكمال الممكن بشرياً.
وأما المظهر الأخلاقي فهو الآخر كان سمة بارزة في التصوف الإسلامي ويتجلى في الاستقامة في السلوك، ولا تحصل تلك الاستقامة إلا بالتخلي عن مرذول الصفات وقبيح الأفعال والتحلي بحميدها، ولا يبلغ الصوفي الكمال في السلوك إلا إذا حسنت أخلاقه وتميزت بالصلاح والفضل والتقى والورع، مقياس التفاضل الأخلاقي قولا وفعلا هو المثل الأعلى النبوي، (أنظر: ص29)، ولذلك نجد ان هذا المظهر الأخلاقي قد أُشبع بحثًا ودرساً وتأليفًا وأُفردت له أبواب وفصول وكتب مجردة عن الفقه، فقد انصبّ اهتمام مؤلفي الصوفية منذ وقت مبكر على التأليف في عيوب النفس وأهوائها وفي محامد أخلاقها كالإخلاص والكبر والتواضع والعُجب والرياء والتصنع والطمع والحرص وما إليها.
مراحل تطوّره:
مر التصوف الإسلامي بمراحل عديدة خلال تاريخ الحضارة الإسلامية، ففي البداية كان التصوف في أصل نشأته سلوكاً عملياً لا مذهباً نظرياً، بمعنى أنه كانت قائماً بالأساس على العكوف على العبادة ابتغاء تصفية القلب من كل الشواغل الدنيوية، لذلك يمكن الجزم ـ يقول الكاتب ـ بأن التصوف في طور النشأة لم يكن إلا ضرباً من الزهد والورع اقتداءً بالنبي وأصحابه في تقديم الآخرة على الدنيا (أنظر: ص34)، وكان من أعلام هؤلاء الزهاد: الحسن البصري (توفي: 110ه)، ورابعة العدوية (توفيت: 185ه) وجماعة عُرفت باسم “البكّائين)…
بعد ذلك ما فتئ التصوف يأخذ في الاتساع شيئاً فشيئاً وينحو نحو المبالغة في الزهد والإفراط في اعتزال الدنيا وتحمل المشاق وترويض النفس وتعويدها على الصبر والقناعة والرضا ونحو ذلك، إلى أن تأثر هؤلاء بالحركة الفلسفية التي شهدها عصر التدوين، وهنا شهدت هذه المرحلة انطلاقة التصنيف والتأليف في الطريق الصوفي، وظهور الميل إلى تحديد غايته وتركيز فكرته فكانت فترة الانتقال تلك أشبه بمرحلة تجمع الروافد في مجرى واحد يتجه إلى المصب (أنظر: ص36)، وخلال هذه الفترة شهدنا أعلام التصوف الكبار من قبيل: أبي يزيد البسطامي (توفي: 201ه)، والجنيد (298هـ) وذي النون المصري (ت: 245هـ) والحلاج (ت: 309هـ)…، على أن هذه الفترة شهدت تسرب مواد ذوقية وطقوس رهبانية أُضيفت إلى التصوف نتيجة تأثره بحركة الترجمة، وبدأت التصوف نتيجة ذلك يتحول إلى فلسفة صوفية نظرية، وبلغ طور النضج والاكتمال ابتداء من القرن الرابع الهجري بحيث صار مدار التصوف قائماً لا على الرياضات الشاقة والمجاهدات الخشنة فحسب، بل على النظر والتفكير أيضاً، وذلك لغرض أسمى وهو الفناء في الله وتلقي المعرفة اللّدنية منه.
ثم تطورت التجربة الصوفية من تجربة ذاتية غايتها النجاة الفردية إلى تجربة جماعية، (أنظر: ص45)، فسلك المتصوفة مسلك التحزب وصاروا طبقة خاصة لها خصوصياتها ومقرراتها وآدابها ورسومها وتقاليدها، وصار لكل جماعة صوفية شيخ تقتفي أثرة وتنهج نهجه، ومن هنا نشأت الطرق الصوفية، التي ما تزال إلى اليوم قائمة، والتي يقول عنها حسن حنفي، أنها فترة طالت أكثر من اللازم وأن الأوان لإنهائها من خلال التأسيس لمرحلة جديدة يسميها “مرحلة الثورة” (أنظر بهذا الصدد كتاب حسن حنفي: من الفناء إلى البقاء (جزأين)).

الفصل الثاني: خصائص الإسلام الصوفي ومقوِّماته.
وفيه يتناول الكاتب ثلاثة عناوين وهي: 1ـ الحب الإلهي، 2ـ المعراج الروحي، 3ـ الذوق القلبي.
الحب الإلهي:
الحب الإلهي هو طريق الصوفية وعنوان دربهم، وهو الخاصية الأولى المركزية للإسلام الصوفي، ولذلك نجد أن أحد أهم تعريفات التصوف قولهم: إنه طريق الحق المطلق مُحركه هو الحب، (أنظر: ص55)، وقد ظهرت فكرة الحب الإلهي منذ البدايات الأولى للتصوف الإسلامي، وإن كانت صلة الزهاد بالله في أول أمرهم تطغى عليها صفة الخوف، لكنها استحالت بعد ذلك الى عاطفة الود والمحبة، ولذلك يقول إبراهيم بسيوني في كتابه: نشأة التصوف الإسلامي: “لم يعد الله عندهم (يقصد عند المتصوفة الأوائل) معبوداً مرهوباً، بل أصبح المعبود المحبوب”، وقد اتفقت المصادر والمراجع على أن رابعة العدوية تكون أول من صدع بنظرية الحب الإلهي في تاريخ التصوف الإسلامي، على أن مسألة الحب بين المخلوق والخالق كانت مثار جدل بين الفلاسفة والمتكلمين والصوفية والفقهاء، فقد رفضها المتكلمون والفقهاء، بينما أقرها بعض الفلاسفة وكثير من المتصوفة بناء على نصوص قرآنية من قبيل قوله تعالى: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله”، وقوله أيضا: “فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه”.
من هنا كانت المحبة عند المتصوفة مقام من أعلى المقامات في الطريق إلى الله، وهي أساس كل الأحوال وبموجبها تكون كل الأحوال، وبعدمها لا يكون شيء، وبهذا فالمحبة حسب الصوفية مما يكتسبه العبد بمجاهداته (أنظر: ص63).
المعراج الروحي:
أطلق المتصوفة على “المعراج الروحي” تسميات عديدة من قبيل: السير، السلوك، الطريق، السفر، وفي حقيقته فهو نموذج عن معراج النبي عليه الصلاة والسلام، وبذلك أمكن ان نعرّف الإسلام الصوفي بأنه الطريق إلى الله، والصوفي بأنه السائر إلى ربه، وهذه المسيرة إلى الله تلخص التصوف برمته من أوله إلى آخره (أنظر: ص65).
والقول بأن المعراج الروحي يلخص التصوف بدءاً ومنتهى ناشئ من أنه (المعراج الروحي) ينطوي على جانبي الحياة الصوفية، الجانب العملي، والجانب العرفاني، الأول يكون دائما مقدمة للثاني، وعلى ذلك يبدو المعراج الروحي منتهى ومبتغى التصوف، إذ أن الطريق الذي يسلكه المتصوفة إلى الله هو ــ عندهم ــ عروجٌ من عالم الظاهر إلى عالم الحقيقة، أو من عالم الأرض إلى عالم السماء، أو من عالم الشهادة إلى عالم الغيب.
الذوق القلبي:
يعد الجانب الذوقي دعامة من دعائم الإسلام الصوفي، على اعتبار أن التصوف في مجمله تجربة روحية (ذوقية، قلبية)، يعيشها السالك (المتصوف)، ولذلك يقول أبو حامد الغزالي في كتابه: المنقذ من الضلال: “وظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلُم، بل بالذوق والحال وتبدل الصفات… فعلمت يقيناً أنهم (أي الصوفية) أرباب أحوال لا أصحاب أقوال، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلت، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والعلم بل بالذوق والسلوك” (أنظر: ص83).
وعلى هذا الاعتبار نجد أن المتصوفة تميزوا دائما بتغليب الذوق القلبي على النظر العقلي، وفي الحقيقة كثيرا ما عبر هؤلاء على أن من أخص خصائص التصوف ادعاء أهله قيامه على الذوق والكشف دون العقل والمنطق، لأنه (الذوق والكشف) طور فوق طو العقل، قال ابن عربي: “ومن أصولنا انّا لا نتكلم إلا عن ذوق”.

الفصل الثالث: تجليات الإسلام الصوفي المؤسس ووظائفه.
وفيه يتناول الكاتب ثلاثة عناوين وهي: 1ـ تاريخه وامتداداته، 2ـ المؤسسة الصوفية: مكوناتها وعلاقاتها، 3ـ وظائفها.
1ــ تاريخه وامتداداته:
كان التصوف الإسلامي في بداياته الأولى عبارة عن تجارب شخصية لم يقبل عليها سوى صفوة من الناس، فكان لك أشبه بحركة نخبوية، ثم صار منذ القرن الخامس للهجرة “ظاهرة اجتماعية”، ثم لم يلبث بداية من القرن السادس إلى القرن الحادي عشر للهجرة أن اتسع نطاقه وفشا في الأوساط الحضرية على وجه العموم إلى أن صار منذ القرن الحادي عشر للهجرة تصوفاً طُرقياً وتحول إلى “ظاهرة شعبية” (أنظر: ص95).
بناء على هذا التقسيم الذي يضعه الكاتب محمد بن الطيب، يحاول تالياً أن يتعرض إلى الأسباب التاريخية والموضوعية التي أنتجت هذا النمط الجديد من التصوف (الطرقي)، ويُلاحظ أن الطرقية نشأت في الوقت الذي بدأت مظاهر الضعف تظهر على الخلافة العباسية، والتي أفضت الى تهاوي البني الدينية التقليدية، إذ استقوت سلطة شيوخ المتصوفة فنافست سلطة الأمراء وسلطة العلماء.
بعد ذلك يستعرض الكاتب بإيجاز كبرى الطرق الصوفية وأهم فروعها وأبرز أعلامها، فيذكر الطريقة القادرية والسهروردية، والرفاعية والنوربخشية والنقشبنيدية والشاذلية والمولوية والسنوسية والتيجانية وغيرها من الطرق الصوفية المنشترة في العالم الإسلامي اليوم.
المؤسسة الصوفية: مكوناتها وعلاقاتها:
يؤكد محمد بن الطيب بهذا الخصوص أن التصوف في المرحلة الطرقية قد تحول إلى مؤسسة، وجعل من الانتماء إلى طريقة من الطرق الصوفية يكشف عن مستويات مختلفة من التفاعل الاجتماعي والديني ويظهر لنا خضوع الطرق لبنية هرمية واضحة، حيث يكون الشيخ هو قطب المؤسسة الصوفية، وله من بعد مريدين، ويؤكد الصوفية في هذا الخصوص أن المتصوف لا بد له من شيخ، ومن لا شيخ له فالشيطان شيخه، وأن من لم يمت على بيعة شيخ مات في ترهات الظلال (أنظر: ص133).
ويلاحظ الكاتب أنه وإن كانت العلاقة بين الشيخ والمريد هي أساس المؤسسة الصوفية، فإن تنظيم الطرق الصوفية تطور نحو مزيد من التعقيد، فخضعت لهرمية معقدة تنطلق من “الخلفاء” و”المقدمين” و”الأمناء” في شكل من التنظيم الإداري للأقاليم يوازي التنظيم الإداري للدولة، ففي بعض الطرق نجد لشيخ الطريقة نائباً وهو مساعده الشخصي وخليفة الشيخ ويُسند إليه لقب “خليفة الخلفاء” له مساعد يسمى النائب العام وممثل شخصي في القرية أو الخليفة المحلي ويسمى “خليفة البلد” أو “خليفة الناحية”.
وظائفها:
يؤكد الكاتب أن الطرق الصوفية منذ نشأتها وإلى اليوم نهضت بأدوار غاية في الأهمية، وكان لها عظيم الأثر في شتى المجالات، مما يدل على خطورة المهام التي مارستها وعلى شديد التصاقها بالمجتمع وشواغله، وبناء على هذا يحاول الكاتب أن يرسم صورة تأليفية عن الوظائف التي تنهض بها الطرق الصوفية دينياً واجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، فيحدد تلك الوظائف في : الوظيفة الدينية، التي تتجلى من خلال الزاوية مثلاً باعتبارها مؤسسة دينية، حيث يمارس المتصوفة طقوسهم الدينية وشعائرهم التعبدية، إلى جانب كون هذه الزاوية مكانا لالتقاء الشيخ ومريديه، وثمة وظيفة اجتماعية للطرق الصوفية (أنظر: ص165) وتتجلى مثلاً من خلال أخذ الشيخ على عاتقه مسؤولية تلبية الحاجات الاجتماعية للناس على قدر استطاعته، كون ذلك من شروط ومقتضيات الولاية، وثمة الوظيفة السياسية (أنظر: ص169) ومن مظاهرها ما يلعبه بعض مشايخ الطرق الصوفية من دور الحكم الوسيط والمصلح بين الناس والموفق بين المتخاصمين والفصل في نزاعاتهم، وثمة كذلك وظيفة اقتصادية (أنظر: ص180) وتتجلى من خلال الموارد المالية التي تتلقاها المؤسسات الصوفية سواء من خلال المقابل المادي الذي يحصل عليه الشيوخ نظير نجاحهم في علاج بعض الأمراض، أو من خلال الهدايا التي يتحصلون عليها، او من خلال ما يسميه بعضهم اقتصاد الصدقة.

خاتمة:
كتاب “إسلام المتصوفة” لمحمد بن الطيب يعد محاولة لرسم صورة شاملة عن التصوف الإسلامي، دون الدخول في تفاصيله التي قد تستعصي أحيانا على الفهم، خاصة عندما نتحدث عن الأحوال والمقامات واللغة الصوفية، هذا الكتاب إذن هو محاولة للإبانة عن خصائص ومميزات التصوف الإسلامي، والكشف عن مكوناته الثقافية العامة التي أسهمت في بنائه والعوامل التي ساعدت على تطوره وأفضت إلى تنوعه، وإن كان ثمة كلمة أخيرة تُقال بشأن التصوف الإسلامي فإنه ينبغي علينا أن نقول إن التعدد الذي كشفت عنه التصوف الإسلامي وظهر من خلاله واحد في منابع استلهامه ومصادر تأصيله وموارد اكتسابه، فالإسلام الصوفي مهما تنوع نجد فيه في النهاية الأسس الكبرى للإسلام.

تدقيق لغوي: آية الشاعر
تعديل الصورة: عمر دريوش

Facebook Comments