من الكوجيتو الحداثي إلى صدمة ما بعد الحداثة

يرى رولان بارت الحداثة بأنها “إنفجار معرفي لم يتوصل الإنسان المعاصر إلى السيطرة عليه” وكما يتطرق الفيلسوف الألماني كانت إلى الحداثة في سياق إجابته على سؤال ما عن الأنوار فيقول: “الأنوار أن يخرج الإنسان من حالة الوصاية التي تتمثل في إستخدام فكره دون توجيه من غيره”. وبإعتبار أنَّ كانت من آباء الحداثة الغربية فإنَّه يؤكد بقوله في كل أعماله: “أن شرط التنوير والحداثة هو الحرية، بمعنى أن العقل يجب أن يتحرر من سلطة المقدس ورجال الكهنوت والكنيسة وأصنام العقل”.

يمكن إختصار مشروع الحداثة في المقولة الهيغلية الشهيرة التي تُرجع إنبثاق الحداثة إلى ديكارت بتأسيسه لمفهوم الكوجيتو ( أنا أفكر..)، إذ أرسى حسب هيغل “أرضية المشروع الحداثي”. إستطاع هيغل الإمساك بحقيقة المشروع الحداثي، لأن الحداثة الأوروبية تأكيد للذات الإنسانية وثقة في قدراتها على إنتاج الحقيقة وتفسير الكون ووضع نظم الحياة. وقد بدأ التبلور الفعلي لهذه الثقة في العقل ومنتجاته الفلسفية والعلمية قبل الديكارتية، أي مع بداية عصر النهضة الأوروبية، حيث كان هذا التوكيد للذات يتم في سياق نقد ثقافة القرون الوسطى الأوروبية التي كانت تحتقر العقل، وتكبت إنطلاقة الفكر وتقيد حركته. ومع إنتهاء القرن التاسع عشر تجلى بوضوح أن الحداثة عندما أسقطت المرجعية الدينية، أسقطت نفسها في مأزق، حيث أقامت العقل بوصفه مرجعاً أحادياً للحقيقة الفلسفية ومنبع التنظير للنظم السياسية، ثم لم تستطع أن تحقق للكائن الإنساني مطالبه وتستجيب لإنتظاره، فكان لابد أن تشهد نهاية القرن التاسع عشر لحظة مراجعة شاملة للأسس الإبستمولوجية التي قامت عليها الحداثة.

ولم تكن المراجعة ممارسة نقدية محدودة بل كانت ثورة وانقلاباً على فلسفة الحداثة بكل تجلياتها. لكن سيرورة المشروع الحداثي الغربي خلصت إلى إعادة النظر في العقل ذاته، إذ إنها بعد لحظات الإنبهار به في القرن السابع عشر، والثقة في قدراته المعرفية والإعجاب بمنتجاته العلمية (الثورة الصناعية)، ظهر فيها كانت في القرن الثامن عشر بمشروع نقد العقل الذي كان أول محاولة جادة لدراسة آلية التفكير البشري من منظور تعيين حدود إشتغاله، مؤشرات سقوط الحداثة و التأطير لمفهوم ” ما بعد الحداثة”، مؤشرات حضور ما بعد الحداثة مثلاً، وصول بعض من مراجعه الفكرية من خلال الترجمة، ككتاب “نهاية الحداثة” للمفكر الإيطالي جياني فاتيمو، بترجمة نجم بوفاضل الذي صدر عن “المنظمة العربية للترجمة” سنة 2014. الكتاب يؤسّس للقول إن ما بعد الحداثة لم تعد فقط دعوة لتجاوز أزمة الحداثة، ووضع طرائق كما هو الحال من هايدغر إلى ليوتار ودريدا، بل إنه يقول أن مرحلة الحداثة إنتهت بالفعل، أو هكذا ينبغي النظر إليها قصد تصفيتها أو عزلها، ليجري الانتقال إلى حقبة فكرية جديدة. ليس من الصعب أن نتوقع أن تعثّراً في الإنتقال إلى هذه الحقبة الفكرية الجديدة سيقع في البلاد العربية، خصوصاً أنه لم يجر تجاوز تعثّر الدخول التام في الحداثة.

رغم ذلك، فإن طرح فاتيمو يمكن أن يساعد الوضع العربي بدماء فكرية جديدة، فالفكر نظرياً هو أكثر العناصر مرونة من بين عناصر صناعة التاريخ، لأنه يمكن أن يتعامل مع قضايا لا تشغل بال مجتمعه (علماء الرياضيات والكيمياء العرب كنموذج) لذا من المُفترض أن يكون معدّلاً على ساعة آخر ما وصله العالم. الإنتقال من الحداثة إلى ما بعدها، هو بحسب فاتيمو إنتقال في فهم التطوّر التاريخي، ففي الأولى هو عملية تراكم تنوير تصاعدية، وفي الثانية بتنا نعرف أن هذا التصاعد لم يعد حامياً من الإرتطامات والأزمات الحادة ومن العدمية، ومن هنا أُضيفَ عنصر جديد هو إمكانيات التفكير مجدداً في الأسس وبناء مسارات جديدة (فكرة هايدغر) وأن كل التاريخ الذي عشناه لم يكن سوى إمكانية وحيدة. للأسف، لا يزال الزمن الفكري الجديد سجين نصوصه، وحين يتحرّر ينبغي أن تتلقفه مشاريع أكاديمية وسياسية وإجتماعية وحتى صحافية، لتحوّله إلى فاعل في الوقت الراهن، ومن ثم في التاريخ.

المرجع: نهاية الحداثة – جاني فاتيمو

تدقيق لغوي: سماح قاسم

 

Facebook Comments