مراجعة رسالة: ” في ألم الموت وإِبطالهِ“ لابن حزم الأندلسي.

بطاقة فنيِّة عن الرسالة:

اسم الرسالة: رسالة في ألم الموت وإِبطالهِ.

ضمن كتاب: رسائل ابن حزم الأندلسي ج4.

اسم الكاتب: ابن حزم الأندلسي.

تحقيق: احسان عباس.

الصنف: فقه اسلامي.

عدد الصفحات: صفحتان.

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ لبنان.

سنة النشر: 1987 / الطبعة الثانية.

حول الكاتب:

هو علي بن حزم الأندلسي (384 ه ــــ 456ه)، واحد من أعلام الحضارة الإسلامية والفقه الإسلامي في الأندلس، وهو فقيه ومحدث وفيلسوف، كان مالكي المذهب ثم شافعي ثم غير مذهبه إلى الظاهرية، وهو صاحب المذهب الظاهري الذي يأخذ النصوص النقلية من قرآن وسنة كما هي من دون تأويل ومن دون زيادة أو نقصان، ويعد مذهبه الظاهري عند بعضهم، المذهب الفقهي الخامس بعد الأئمة الأربعة، سلك ابن حزم طريق نبذ الاتباع والتقليد فقامت عليه جماعة من المالكية وشرد عن وطنه وأُحرقت كتبه.

مقدمة:

الموت من أوائل الإشكاليات الوجودية والفلسفية التي توقف عندها الإنسان كثيرا، في كل الأعصار والأمصار، وعند جميع الشعوب والأمم انبرى الناس للبحث في الموت، كيف يكون، وإلى أين يصير الإنسان، ومن أين يجيء ولماذا يموت أصلاً، وكانت الإجابات عن هذه الأسئلة تأخذ في الأغلب طابعا دينيا، فعند الشعوب المتدينة، يستمدون الإجابة عن إشكالية الموت من ما يوحيه إليهم الدين، سواءً كان دينا سماوياً، أو وضعياً. ومع ذلك يكثر الجدل حول تفاصيل هذه المسألة، لشدة خطورتها وأهميتها بالنسبة لأي إنسان، على اعتبار أن الموت له جانب ميتافيزيقي، غيبي يستحيل على العقل البشري ــــ حسب إيمانويل كانط ــــ أن يُدركه أو أن يحيط بعلمه، لذلك تظل الحيرة الإنسانية تجاه فكرة الموت قائمة باستمرار. وبالنسبة للمسلمين، لم تخلُ هذه الإشكالية من جدالات كلامية وفلسفية، وحتى بين الفقهاء أنفسهم، خاصة تلك المتعلقة بسكرات الموت، وعذاب ما بعد الموت.

ملخص الرسالة:

ينكر ابن حزم الأندلسي، الفقيه والفيلسوف، أن يكون للموت ــــ ساعة وقوعه على الإنسان ــــ ألم، وذلك واضح من عنوان الرسالة نفسها، حين يقول: رسالة في ألم الموت وإِبطاله، فهو يبين موقفه من أول وهله، وهدفه من هذه الرسالة إذن هو: إِبطال دعوى أن يكون للموت ألم، وفي ذلك يقول ابن حزم: ” اختلف المتقدمون من أصحاب الطبائع في الموت: هل له ألم أم لا ألم له، فقالت طائفة إنه لا ألم له أصلا وبهذا نقول”. ولإثبات ذلك يقدم ابن حزم دليلين: الأول دليل حسي، والثاني دليل عقلي ومنطقي وبديهي راجع إلى الحس أيضا. فأما الدليل الأول، فهو أن الإنسان الذي يكون على فراش الموت، عندما نسأله عم يجده في نفسه، وعن شعوره فإنه يجيب: إنه يشعر بالانحلال، وأن هذا الشعور إنما هو شعور ألم المرض الذي كان فيه وليس شيئا آخر، مما يدعيه بعضهم أنه سكرة الموت، التي تعني بالنسبة إليهم انتزاع روح الإنسان انتزاعا مؤلما لا تطيقه الجبال، على أن لفظة “سكرة” لا تعني في لغة العرب وقوع ألم، كما يتم تفسير آية: “وجاءت سكرة الموت” غالبا، فالسكرة من السُكر وهو غياب العقل وانحجابه. وأما الدليل الثاني فهو منطقي، وملخصه أنه لا يكون ألم للشيء المألوم في حين وقوعه، إنما يكون في ثاني وقوعه، بمعنى أن ألم الموت لا يمكن أن يكون في لحظة وقوع الموت، لأن الموت يذهب بالروح في لحظة واحدة، وإذا ذهب بها لا يمكن بعد ذلك أن يكون هنالك ألم للجسد، لأن الروح تكون قد فارقت الجسد. بعد أن يذكر ابن حزم هاذين الدليل، يتعرض إلى الطائفة التي تقول بأن للموت ألم، وألم شديد، فيعتبر أن دعواها باطلة ولا برهان لها، وأنها إنما تستند على ما تراه من مقدمات للموت، وليس الموت نفسه، إضافة الى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول: “إن للموت لسكرات”، ويكتفي بعد ذلك بالتعليق على هذا الحديث. إن ابن حزم لا ينكر حديث النبي هذا، إنما يقدمه فهمه بطريقة مختلفة ومن أوجه متعددة، أولها أنه قد يكون قصد النبي هو وصف لما يكون سببا للموت، وهو انحلال الجسم وفساده، وقد يكون وصف لنفسية الموشك على الموت الذي يجد عناءً في الحصول على قسط من النوم، والذي تراوده أفكار مزعجة بشأن ما هو مقبلٌ عليه، وكل ذلك ـــ حسب ابن حزم ـــ إنما يدخل في معنى السكرات، على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر أن للموت ألم قط، وحاشاه عليه السلام حسب ابن حزم أن يقول قولاً يخالف به البداهة وما تقتضيه العقول السليمة، وهو أنه لا ألم للموت.

ملاحظة ختامية:

بالرغم من أن اشكالية الموت قد أثارت جدلا واسعا في حقل الثقافة الاسلامية، بين المتكلمين والفلاسفة والفقهاء، وكتُب فيها وحولها الكثير من النصوص، إلا أن ابن حزم كما يبدو في رسالته هذه، لم يولي الأمر أهميةً كبرى، وكأن ألم الموت بالنسبة اليه، مسألة مثيرة للسخرية ولا تحتاج إلى كل ذلك الكلام، وما يوحي بذلك ليس قِصر الرسالة فقط، ولكن أيضا إيمانه بأن بطلان دعوى ألم الموت إنما هي مسألة بديهية، والبديهي في علم المنطق لا يحتاج إلى برهان، بل تدركه العقول السلمية من أول وهلة. والشيء الآخر الذي يمكن أن نلاحظه في هذه الرسالة هو غياب الاستشهاد بنصوص القرآن الكريم والحديث الشريف، باستثناء حديث “إن للموت لسكرات” الذي قدم له فهما مختلفا، وهو فهم منطقي بالأساس، ولولا أن هذا الحديث يعتبر أهم مرجع بالنسبة للقائلين بألم الموت، ما كان ابن حزم ليكلف نفسه بالحديث عنه بهذه الطريقة، والله أعلم.

نص الرسالة كاملةً:

قال أبو محمد رحمه الله: اختلف المتقدمون من أصحاب الطبائع في الموت: هل له ألم أم لا ألم له، فقالت طائفة إنه لا ألم له أصلا وبهذا نقول، لبرهانين: أحدهما حسي والآخر ضروري عقلي راجع إلى الحس أيضا. فأما الأول فهو أنه كل من رأينا يموت، وهو في عقله، إذا سئل عما يجد فإنه يقول: لا شيء إلا الانحلال فقط، وأن كل من يحس عند ذلك ألما فإنه ألم المرض الذي كان فيه، كالوجع المختص بمكان واحد، وما أشبه ذلك، حتى إنه لابد من شيء يسميه الناس راحة الموت، ثم لا يكون بين حكايتهم وبين زهوق أنفسهم إلا لمحة يسيرة جدا.

وأما البرهان الضروري فإنه لا يكون ألم للشيء المألوم البتة في حين وقوعه ولا يكون إلا في ثاني وقوعه، وليس للنفس بعد الموت بقاء بحيث يصل إليها الألم الجسدي أصلا، لأنها قد فارقت الجسد، وأكثر ما يكون القلق الشديد، والشوق المرعب، لمن فارق عقله. وقد يعرض مثل ذلك القلق لمن يبرأ من مرضه، فإذا برئوا وسئلوا عن ذلك أخبروا أنهم لم يكونوا يجدون شيئا. وقد نجد من تخرج النفس من بعض أعضائه فيموت ذلك العضو خاصة من المفلوجين، ومن عفن بعض أعضائه لبعض القروح والعلل، لا بالموت، لخروج النفس عن ذلك الموضع، حين خروجها، لا بعده. وإنما الألم ما دامت النفس في ذلك الموضع قوية التشبث. وأما الطائفة التي قالت إن للموت ألما، فلم تأت ببرهان يصحح قولها، وقد يمكن أن تشغب من شدائد المرض ومقدمات الموت التي عنها يكون، ومن الشريعة بقول النبي صلى الله عليه وسلم ” إن للموت لسكرات ” وهذا لا حجة فيه لقولهم، لأن هذه الآلام التي تظهر من المريض إنما هي ما دامت النفس متشبثة بالجسد مقترنة به، لا بعد الموت. إنما هو حال الفراق، وحال الفراق [أليم]. وقوله إن للموت سكرات حق وصدق لا شك فيه، لأنه قد يمكن أنه عليه السلام يصف ما يكون سببا للموت، من فساد الجسم واضطراب حاله الموجب للألم للموت، فهي من سكراته؛ وقد يكون ذلك لعناء في النوم، فلم يعن عليه السلام قط إلا من له سكرات متقدمة، وقد يكون عليه السلام [يصف] حاله، وما كان مثلها، أو يكون عنى ما كان ما يتخوف بعده، وما يفكر العاقل حينئذ فيما يقدم عليه، فتكون سكرات معلقة بنفسه ولا سبيل إلى ما يكون إلا ما في قلبه أو فيما بعده حين لقائه لها، ولم ينص عليه السلام على أن حال الموت ذات ألم فيكون معارضا للمذكور، وحاشا له عليه السلام أن يأتي بخلاف ما تقتضيه العقول وتدركه المشاهدات، إنما يصفه بهذا من يريد إطفاء نوره، وإبطال كلمته، وتوهين أمره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وبالله تعالى التوفيق. تمت الرسالة في ألم الموت وإبطاله والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد.

تدقيق لغوي : قابة سليم.
تعديل الصورة: عمر دريوش

Facebook Comments