مراجعة ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور

عن الكتاب:

العنوان: ثلاثية غرناطة

المؤلف: رضوى عاشور.

الناشر: دار الشروق.

الطبعة الأولى: 1994

التصنيف: أدب /رواية.

عن المؤلف:

رضوى عاشور (26 مايو 1946 – 30 نوفمبر 2014) قاصة وروائية وناقدة أدبية وأستاذة جامعية مصرية، زوجة الأديب الفلسطيني مريد البرغوثي، ووالدة الشاعر تميم البرغوثي.
تميز مشروعها الأدبي، في شقه الإبداعي، بتيمات التحرر الوطني والإنساني، إضافة للرواية التاريخية، تراوحت أعمالها النقدية، المنشورة بالعربية والإنجليزية، بين الإنتاج النظري والأعمال المرتبطة بتجارب أدبية معينة. تمت ترجمة بعض أعمالها الإبداعية إلى الإنجليزية والإسبانية والإيطالية والإندونيسية.
من أبرز أعمالها:

  • سراج (رواية)، دار الهلال، القاهرة، 1992.
  • غرناطة (الجزء الأول من ثلاثية غرناطة) دار الهلال، 1994.
  • مريمة والرحيل (الجزءان الثاني والثالث من الثلاثية) دار الهلال، 1995. نشرت الطبعة الثانية بعنوان ثلاثية غرناطة، المؤسسة العربية للنشر، بيروت، 1998. صدرت الطبعة الثالثة عن دار الشروق، القاهرة، 2001.
  • تقارير السيدة راء (نصوص قصصية)، دار الشروق، القاهرة، 2001.
  • فرج (رواية)، دار الشروق، القاهرة، 2008.
  • الطنطورية (رواية)، دار الشروق، القاهرة، 2010.
  • أثقل من رضوى: مقاطع من سيرة ذاتية، دار الشروق، القاهرة، 2013.
  • الصرخة (مقاطع من سيرة ذاتية)، دار الشروق، القاهرة، 2015.

عن الرواية:

تأبى الأندلس إلا أن تكون جرحا غائرا في وجدان هذه الأمة، وكذلك هذه الرواية، لا تنتهي من قراءتها دون أن تجد في نفسك حنينا وغربة من نوع خاص، لم نجد للتعبير عنهما أبلغ من وصف الكاتبة نفسها لبطل روايتها، فتقول:

“في المساء يغلقُ باب الدارِ عليه وعلى الحنين.. تأتيه غرناطة.. يقولُ يا غربتي!”

تبدأ أحداث هذه الرواية غداة سقوط غرناطة، آخر الممالك الإسلامية في الأندلس بموجب المعاهدة التي أبرمها (أبو عبد الله محمد الصغير) مع ملكي قشتالة وأراغون.

تتوزع الرواية في ثلاثة أجزاء تروي حكاية الموريسكيين (وهو الاسم الذي بات يطلق على المسلمين الذين بقوا في الأندلس بعد سقوط دولتهم، والذين تنصّروا طوعًا أو كراهية بموجب التضييق الذي مورس عليهم)، مستعينة بعائلة (أبي جعفر الورّاق) التي تقيم في حي البيازين، وتتابع رصد التطورات في الأحداث المحيطة وتأثيرها على الحياة داخل العائلة وخارجها، وتسرد حياتهم وعلاقاتهم خلال مائة عام في ثلاثة أجيال متعاقبة.

الجزء الأول (غرناطة):

يبدأ بعد توقيع معاهدة تسليم غرناطة، والتطورات التي حدثت بموجبها على المدينة، وأثر القرارات الجديدة على أهلها العرب المسلمين، وتشرح موقفهم بعد إجبارهم على التخلي عن دينهم وهويتهم ولغتهم وتراثهم، والقوانين التعسفية الجائرة التي مارسها القشتاليون بحقهم. يشمل هذا الجزء كذلك ثورة البيازين؛ أسبابها ونتائجها. فتصدمك بالكثير من المشاهد المؤلمة كمشهد إحراق الكتب أمام باب الرملة:

“…لم تكن غابة أُضرمت النارُ فيها فطاشت في أخضرها تلتهم الجذوع والفروع، لم تكن غابةً حملت الريح بذورها وسقتها أمطار السماء فنمت بريّة وشيطانية… ؛ فيشمروا عن سواعدهم ويحرثوا الأرض فيتعهدوها وتكرمهم بحصاد جديد. لم تكن، ولكنها بدت لأبي جعفر كحقلٍ أو غابة يحاصرها الموت، تحوّم عقبانه على رؤوس الأشهاد، وتتخاطف من الصدور القلوب”.

الجزء الثاني (مريمة):

تتابع الأحداث بتتابع المزيد من الأحكام والقوانين التي تصدر بحق الأهالي عامة وعائلة أبي جعفر خاصة، سيتعرف القارئ في هذا الجزء على عديد الحيل و الأعذار التي كان يختلقها الموريسكيون للنجاة بدينهم وممارسة شعائرهم (الزواج، الختان، تغسيل الموتى…الخ) بعيدا عن أعين الكنيسة، وسيعرف أيضا عقوبة الحرق التي كانت تسلطه هذه الأخيرة على الموريسكي لمجرد الشك ودون الحاجة لإثبات. يتناول هذا الجزء أيضا ثورة البشرات وآمال الأهالي كل مرة بالفرج القادم وتحقيق النصر، وصبرهم في سبيل ذلك، تقول مريمة:

“مرادنا غالٍ يا ولدي ولكلّ شيء ثمنه.”

كما تعرض الكاتبة ببراعة، خيبة الموريسكيين ومدى قهرهم النفسي غداة فشل ثورة البشرات التي وصلت أحيانا للشك في دينهم وخالقهم، فنجد قول مريمة أيضاً:

“ما عدنا نطيق، والله ما عدنا نطيق، فلماذا تبلونا بكل هذا البلاء؟ …ما طلبت سوى أن أكحل قبل الموت عيني برؤية الصغار وأن أدفن بعد الموت بما شرّعته من غسل وكفن وآيات من آياتك تُقرأ في العلن علي”

وقد تومض في ذهنك مقتطفات من القصيدة الشهيرة لأبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس تلخص حال الأهالي كما وصفتهم الرواية:

يا من لذلةِ قومٍ بعدَ عزِّهمُأحال حالهمْ جورُ وطُغيانُ
بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهمواليومَ هم في بلاد الكفرِّ عُبدانُ
فلو تراهم حيارى لا دليل لهمْعليهمُ من ثيابِ الذلِ ألوانُ
ولو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعهمُلهالكَ الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ

الجزء الثالث (الرحيل):

تتجلى فيه صور العنصرية على أشدّها، تجد صراع الأهالي وحيرتهم بين إعلان العصيان والمقاومة التي لن تُجدي، واليأس والقبول بالرحيل بعد فرض الترحيل القسري عليهم:

_ “قد تأتينا النجدة….انتظرناها مائة عام.”

_”نعود إلى أهلنا لنعش بينهم معززين مكرمين لا تلتقي بمن يسبك قائلا: “عربي كلب” أو “مسلم جبان”، إن الرحيل نهاية لغربتنا”.

تصف الكاتبة شدة وطأة قرار الترحيل على نفوس الأهالي ممثلين ب(عليّ) آخر من تبقى من عائلة أبي جعفر:

“يقررون عليه الرحيل. يسحبون الأرض من تحت قدميه، ولم تكن الأرض بساطًا اشتراه من السوق، فاصل في ثمنه ثم مد يده إلى جيبه ودفع المطلوب فيه، ثم حمله وعاد به إلى بيته وبسطه وتربّع عليه في اغتباط. لم تكن بساطًا بل أرضًا ترابًا زرع فيه عمره وعروق الزيتون. فما الذي يتبقى من العمر بعد الاقتلاع، وما نفع بيع أو شراء؟”

فهل سيرضخ علي للقرار في النهاية، هل يغادر غرناطة والأندلس، أم يتشبث بأرضه حتى النفس الأخير؟

أسلوب الرواية وطريقة العرض:

  • اعتمدت الكاتبة على السرد التقليدي، حيث استخدمت الراوي الغائب (العليم بكل شيء).
  • استخدمت الوصف بإسهاب؛ فتجوب معها أحياء غرناطة في سابق عهدها، تمر بشوارعها، وأزقتها، وجبالها، وسهولها، تطوف في الأسواق فتسمع أصوات الباعة، وتتمثل أمامك بضاعتهم، تدخل بك البيوت وتكشف أسرارها، والحمامات العامة، والمساجد، تشمّ رائحة البرتقال والليمون والريحان، وترى الزيت والزيتون، تتابع تَقلُّب الطقس في صيفها وشتائها.
  • تشكّل الكاتبة شخصيات خيالية تتماشى جنبًا إلى جنب مع الشخصيات التاريخية المعروفة، وعلى ذكر الشخصيات فقد اختارت الكاتبة شخصياتها -الرئيسية والثانوية- بسيطة جدًا، خالية من التعقيد، سطحية إلى حدٍ ما. وتنسج معظم حكاياتها -المتتابعة الكثيرة- بحبكة سردية محكمة، معتمدة على التدرج في الزمان، وبعض القفزات الزمنية أحيانًا.
  • الحوار في معظم الرواية حوار خارجي دون التركيز على صراعات النفس الداخلية بتناقضاتها، وتعقيداتها.
  • قد يجد القارئ ما يعتبره مبالغة في وصف بعص المشاهد الإباحية، كذلك ذكر بعض الحكايات أو الخرافات على لسان العديد من الشخصيات باعتبارها موروثاً إسلامياً صحيحاً، وفي رأيي كل هذا له عذره؛ إذ بالنظر للوثائق، فغرناطة لم تكن كقرطبة في تطورها وازدهارها العلمي، كذلك انعزال الموريسكيين عن العالم الإسلامي بشكل شبه كامل جعل موروثاتهم الإسلامية تغلب عليها الكثير من الأباطيل، وبعد هذه الشقة أيضاً هو ما يفسر لنا عرض الكاتبة لمعاقرة بعض أبطالها الخمر وترددهم على دور البغاء بشكل عفوي.

إعداد: آية الشاعر & زين العابدين لطرش

تدقيق لغوي: آية الشاعر
تعديل الصورة: طارق ناصر.

Facebook Comments