في ذكرى ميلاد عالم الرياضيات السويسري “دانيال برنولي”

في مثل هذا اليوم، الثامن من فبراير من عام 1700م، أبصر النور بمدينة جرونينجن الهولندية، الطبيب وعالم الرياضيات السويسري اللامع دانيال برنولي (1700م-1782م)، والدته (دوروثيا فالكنر) التي تنحدر من عائلة نبيلة وعريقة من بازل السويسرية، ووالده (يوهان برنولي) ينحدر هو الآخر من بازل، كما يعتبر رياضيًا لامعًا وأحد الأوائل الذين أتقنوا وطوروا علم التفاضل، حتى أنه أطلق عليه لقب “أرخميدس عصره”.

لم يورث يوهان حب الرياضيات لدانيال فقط، فلهذا الأخير أخوين يُعتبران رياضيان من الطراز الرفيع.
وبهذا يتضح أن الرياضيات تجري مجرى الدماء في عائلة برنولي، يكفي أن نشير أيضا إلى أن (جاكوب برنولي) الذي هو عم دانيال كان رياضيًا لامعًا هو الآخر. فكيف لبرنولي أن لا يكون رياضيا في عائلة مثل هذه؟!

وهو بعمر الخامسة، سنة 1705م، عادت عائلة برنولي إلى مسقط رأسها بازل حيث تقلد والده يوهان منصب عميد لكلية الرياضيات بجامعة بازل.

بالرغم من السمعة الممتازة التي كان يتمتع بها والد دانيال كرياضي ممتاز، إلا أنه لم يكن راضيًا عن الأجور المتدنية التي ينالها المشتغلون في حقل الرياضيات في ذلك الوقت؛ولأنّ عائلة برنولي كانت من أثرى عائلات التجار في وقت سابق، فقد رأى يوهان أن المؤهلات التي يتمتع بها دانيال كفيلة بأن تعيد للعائلة مجدها السابق، لذا قرر الدفع بدانيال لدراسة الأعمال، لكن دانيال المتردد كان لديه شغف كبير بالرياضيات، وبعد شد وجذب اتفق الأب والابن على حل وسط: أن يدرس دانيال الطب.

كان دانيال عند كلمته، ففي سن الخامسة عشرة بدأ بدراسة الطب في كل من هيلدلبرغ (ألمانيا)، ستراسبورغ (فرنسا) وبازل (سويسرا). فما كان من والده إلا أن يوافق مسرورًا على تدريس ولده الرياضيات والفيزياء المتقدمة، خاصة أفكاره حول انحفاظ الطاقة.

تخرج دانيال كطبيب بسن الواحدة والعشرين، حيث دار موضوع أطروحته حول التنفس، وكان يأمل في الحصول على منصب أكاديمي يؤهله للتدريس بجامعة بازل، لكن آماله تبخرت جراء اختيار غريب للمترشحين لهذه الوظيفة، فقد رأى المشرفون آنذاك أن يتم اختيار المرشح الفائز من خلال القرعة؛ ونتيجة لهذا الفشل، قرر دانيال أن يواصل دراسته للرياضيات.

في سنة 1723م، انتقل دانيال إلى البندقية بإيطاليا لمزاولة الطب عمليًا، فكان يزور المرضى ويعمل جنبًا إلى جنب مع الأطباء في المستشفيات، كما لم تخلُ لياليه أيضًا من بعض المتعة، فكان يتنقل بين دور الأوبرا، المسارح والحفلات التنكرية.

ومع ذلك، فإنه لم يستطع التخلص عن شغفه القديم بالرياضيات، التطبيقية منها على وجه الخصوص، كان متعطشًا للكشف عن أسرار الكون متتبعًا خطى سابقيه أمثال غاليليو ونيوتن.

اهتم برنولي بإجراء تجارب على ميكانيكا السوائل، حيث اهتم بدراسة قياس تدفق المياه من وعاء، ولاحظ أنّ سرعة التدفق تتناسب طرديًا مع ارتفاع الوعاء، كما وضع علاقة رياضية بين ارتفاع المياه في الوعاء، ضغطه وسرعة تدفقه من الوعاء، كذلك اهتم بمسألة تحويل الطاقة الكامنة إلى طاقة حركية.

سنة 1724م، نشر أول عمل له أسماه “تمارين رياضية” “Mathematical Exercises”، قدم فيه إسهامات جليلة في كل من ميكانيكا السوائل، الاحتمالات، الهندسة والمعادلات التفاضلية.

في هذه الفترة، وأثناء تواجده في مدينة فينيسيا الساحلية، علم برنولي أن أكاديمية باريس قد وضعت جائزة سخية لأفضل تصميم لساعة رملية من أجل ضبط الوقت في عرض البحر، فكان رده بتصميم ساعة زجاجية لا تتأثر رمالها بأمواج البحار الهائجة، الأمر الذي أهلّه للحصول على الجائزة الكبرى، كان هذا إلى جانب عمله “تمارين رياضية” والذي لاقى استحسانًا في الأوساط العلمية، ما جعله يحظى بعرض للتدريس في أكاديمية العلوم بسانت بيترسبورغ  الروسية، لكن وبالنظر لخلفيته الطبية تم تعيينه كأستاذ لعلم وظائف الأعضاء وليس الرياضيات.

في سنة 1725م، سافر هو وأخوه الأكبر (نيكولاوس) لسانت بترسبورغ، هذا الأخير كان قد تلقّى عرضًا هو الآخر لتدريس الرياضيات بذات الأكاديمية.

عكست أعمال برنولي الأولى في سانت بيترسبورغ، تخصصه الذي وُظّف لأجله، حيث كتب مقالات حول مواضيع مثل العصب البصري، العضلات والرياضيات الطبية.

على الرغم من أن برنولي كان هادئًا ومسالمًا في آخر عمره، إلا أن هذا لم يكن ديدنه في بداياته الأكاديمية، إذ تسببت له بعض الخلافات العلمية مع أساتذة آخرين بدخوله ضدهم في معارك ضارية.

لم تكد تمضي السنة الأولى من وصوله لسان بترسبورغ حتى توفي أخوه (نيكولاوس) متأثرًا بالحمّى، فأصيب دانيال باكتئاب زاده شدة، الطقس الروسي المريع، وفي محاولة منه لمساعدة ابنه الوحيد، أرسل يوهان أفضل طالب لديه (ليونارد أويلر) من أجل العمل مع برنولي.

(أويلر) الذي كان على وشك أن يُخلد اسمه كأحد أعظم العقليات الرياضية في التاريخ، وصل سانت بيترسبورغ بحلول 1727م، لم يكتف بخدمة تقديم الشاي، القهوة والبراندي التي كان يطلبها دانيال، فسرعان ما صار هذا الثنائي يستمتع بالنقاش وتبادل الأفكار؛ مما ألهم برنولي لينجر أفضل أعماله في مسيرته العلمية.

ربما لا مجال للمقارنة رياضيًا بين أويلر وبرنولي، لكن هذا الأخير كان عبقريًا بطريقته الخاصة بشكل مستقل عن أويلر. أظهر برنولي مقدرة فريدة في إجراء تجارب ذات معنى، وترجمة ملاحظاته إلى قوانين فيزيائية ورياضية، وقد تمكن أويلر، الذي كان أبرع منه رياضيًا، من تدقيق وتحسين رياضيات هذا الأخير.

تم تعيين برنولي كأستاذ للرياضيات بأكاديمية العلوم سنة 1730م، لكنه كان قد أجمع عزمه على الرحيل.

لبرنولي العديد من الاكتشافات العلمية المهمة، خصوصًا ما تضمنته تحفته في ميكانيكا السوائل والتي أسماها “هيدروديناميكا” “Hydrodynamica”، انتهى من تأليفها في سانت بيترسبورغ سنة 1733م، ونشرت بستراسبورغ عام 1738م.

في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي، بدأ بعض العلماء، بقيادة جيمس هيرمان، يعتقدون بأن المادة تتكون من جزيئات صغيرة متحركة كلما كانت حركتها أسرع، زادت درجة الحرارة. بقي هذا النوع من النظرية الحركية مثيراً للجدل إلى أن تم التوافق عليه رسميًا بحلول 1800م.

في عام 1729م، قام أويلر بمحاولة لشرح سلوك الغازات رياضيًا في نظرية حركية معتمدًا على بيانات غاز (روبرت بويل) من عام 1662م، ولكنه أخطأ بافتراض أن جميع جزيئات الغاز تتحرك بنفس السرعة، وهنا تدخلت عبقرية برنولي في رؤيته أن الجسيمات يمكن ان تتوزع بسرعات مختلفة.

مهارة برنولي في تفسير الظواهر الفيزيائية، أهلته لأن يبتكر معاملًا إحصائيا في النظرية الحركية، مستبقًا عمل جيمس كلارك ماكسويل بقرن من الزمان.

في أوائل عام 1730م، كتب برنولي مقالة في حقل مختلف تمامًا عمّا تعوّد العمل عليه في ميكانيكا السوائل، وكالعادة استغرق منه الأمر حتى عام 1738م لنشره، عرض فيه نظرية جديدة لنظام لقياس المخاطر، استخدم فيها المتوسط الهندسي للبيانات لتقييم المخاطر ودراسة كيفية التقليل منها، وكذا الحالات التي يتم فيها تجنبها بشكل كامل.

عاد برنولي إلى الأفكار التي تعلمها من والده وقام بتطويرها، حيث طبق فكرة انحفاض الطاقة على السوائل المتحركة، وبذلك اكتشف ما يعرف بمبدأ برنولي وهو الاكتشاف الذي يشتهر به، والذي ينص على أن ضغط السائل يقل عندما تزيد السرعة. كان لهذا المبدأ تأثير كبير في العديد من التطبيقات في الحياة العملية.

درست هذه الورقة العلمية الفرق بين الثروة والمنفعة لدرجة أنها أثّرت على النظرية الاقتصادية، نظرية المحفظة الحديثة، علم الأحياء التطوري وعلم البيئة السلوكية.

لم يستطع برنولي أن يبقى أكثر في سانت بيترسبورغ، كما أن حالته الصحية لم تكن جيدة أبدًا هناك، وفي عام 1733م عاد إلى بازل ليبدأ مهمة جديدة كرئيس لقسمي التشريح وعلم النبات. في نفس العام، نال عمله حول انحراف مسارات الكواكب الجائزة الكبرى التي تمنحها أكاديمية باريس، لم يكن هذا الخبر سارًّا تمامًا لبرنولي، فقد كانت المشكلة في تشاركه الجائزة مع والده الذي لم يستطع تقبل أن يكون ابنه ندًا له في الرياضيات، ومنذ ذلك الحين رفض الأب التحدث إلى ابنه.

وكردة فعل انتقامية من الأب المكلوم في شرفه العلمي، قام بانتحال عمل ولده “هيدروديناميكا” لينشره باسم آخر هو “هيدروليكا”، مدعيًا أنه قد ألفه في وقت سابق من سنة 1732م، صُدم دانيال بتصرف والده فكتب :

لقد تمت سرقة عملي “هيدروديناميكا” بالكامل وليس فقط الجزء الذي أدين به لوالدي، وقد حرمت من ثمار 10 سنوات كاملة من العمل الدؤوب.

لكن لحسن الحظ، فقد تم الحكم لصالح دانيال بأنه المؤلف الشرعي للأفكار المنشورة في هذا الكتاب.

فاز دانيال بالجائزة الكبرى لأكاديمية باريس عشر مرات، غالبًا نظير أعماله ذات الطابع البحري بما في ذلك: أفضل شكل لمرسى السفينة، نظرية المد والجزر، المغناطيسية وتيارات المحيط… إلخ.

عام 1750م وفي سن الخمسين، تم تعيين دانيال برنولي في منصب رئيس قسم الفيزياء بجامعة بازل وكانت محاضراته وشروحاته تلقى تقديرًا وانتشارًا كبيرًا، بقي دانيال في منصبه حتى تقاعده بعمر 76 عامًا، كما تلقى عدة عروض أكاديمية للعمل في جامعات أخرى لكنه اختار البقاء في بازل. تراسل بشكل موسع مع عدة علماء آخرين أمثال: بيار بوغر، ألكسيس كلاروت، وبيير لويس موبيرتوس، إضافة إلى صديقه القديم ليونارد أويلر، وابنه يوهان أويلر.

عاش برنولي لعمله فقط، فلم يتزوج أبدًا ولم يُرزق بأولاد. يُذكر أنه فكر في الزواج عندما كان شابًا، لكن المرأة التي كان مهتمًا بها، اتضح أنها بخيلة لحد لا يطاق، الأمر الذي وجده مثيرًا للاشمئزاز، لطالما احترم برنولي نمط الحياة البسيطة والتوفير، لكن البخل لم يكن من شيمه.

في النهاية أعطى دانيال قيمة أكثر لحريته، وطريقة حياته الهادئة، وأعرب عن تقديره لأسلوب الحياة الأكاديمي أكثر من الزواج.

في السابع عشر من مارس سنة 1782م، توفي دانيال برنولي عن عمر 82 عامًا أثناء نومه في بازل بسويسرا.

من أشهر أقوله:

تميل الطبيعة دائمًا للتصرف بأبسط الطرق الممكنة.

إعداد: شمسة عباسي & زين العابدين لطرش.

تدقيق لغوي: آية الشاعر

المصدر: هنا وهنا.

Facebook Comments