مراجعة رواية موت صغير لمحمد حسن علوان

بطاقة فنيَّة عن الكتاب:

اسم الكتاب: موت صغير

اسم الكاتب: محممد حسن علوان

سنة النشر: 2016

دار النشر: دار الساقي

عن الكاتب:

محمد حسن علوان هو كاتب روائي وصحفي سعودي، كتب في العديد من الصحف العربية والأجنبية منها. نشر أول عمل روائي له تحت عنوان ” سقف الكفاية ” سنة 2002، ثمّ ” صوفيا ” سنة 2004، ” طوق الطهارة ” سنة 2007، ” القندس ” سنة 2011، موت صغير سنة 2016 المتوجة بجائزة البوكر العربي لسنة 2017. التي فازت في نسختها الفرنسية بجائزة معهد العالم العربي بباريس كأفضل رواية عربية مترجمة للفرنسية لسنة 2015. تمّ اختياره سنة 2010 ضمن أفضل 39 كاتب عربي تحت سن الأربعين.

عن الرواية:

“.. منذ أوجدني الله في مرسيّة حتى توفاني في دمشق وأنا في سفرٍ لا ينقطع. من يولد في مدينة محاصرة تولد معه رغبة جامحة في الانطلاق خارج الأسوار. المؤمن في سفرٍ دائم. والوجود كله سفرٌ في سفر. من ترك السفر سكن، ومن سكن عاد إلى العدم..” ابن عربي


” مـوت صغـير” هي رواية للكاتب السعودي محمّد حسن علوان، صادرة عن دار الساقي سنة 2016، فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها العاشرة.

يمكن تصنيف الرواية ضمن الأدب التاريخي، فهي سيرة متخيَّلة لأحد أقطاب الصوفية محي الدين ابن عربي الأندلسي الملّقب بالشيخ الأكبر، حيث يعرض فيها الكاتب جميع مراحل حياة الشيخ بدءا من ميلاده في مرسيَّة بالأندلس في رمضان من سنة 558 هـ من أب مارسي وأم أمازيغية إلى غاية وفاته بدمشق من عام 638 هـ. ما يمكن أن يشدّ القارىء لهذه الرواية أن بداية أحداثها تدور في الأندلس، ممّا يجعله يشعر أنّه يسافر عبر الزمن إليها ويعيش تلك الحقبة التاريخية بين قصورها وحدائقها ورياضها.

من خلال أحداث هذه الرواية يصوّر لنا الكاتب حياة الشيخ في طفولته ثمّ مراهقته العاديتين، وهو يتجوّل ذهابا وإيابا في شوارع مرسيَّة، يعيش حياة مرفهة فوالده كان يشغل وظيفة كاتب في بلاط الوالي وعنده حظوة لدى الخليفة، لكنّ ابنه الفتى كان يتوق إلى مغادرة أسوار المدينة، أن يرتحل، أن يرى العالم خارج الأسوار، إلى أن سنحت له الفرصة لتحقيق هذه الأمنية بارتحال العائلة بكاملها هروبا من خطر البرتغاليين الذين كانوا على أعتاب مهاجمة المدينة.

يمّر الشيخ خلال مراهقته بفترة مخاض عسير ترافقه الشكوك والقلق والحيرة، يبحث فيها عن طريقه، إلى أن يحدث له في يوم من الأيّام ما يسمّى بالجذبة الصوفية، وهو بعمر الثانية والعشرين، لتتغيّر حياته بالكامل، ويبدأ رحلته الطويلة مع عالم الصوفية الواسع المليء بالألغاز، وبما أنعم الله عليه من كـشـوفات غيبية، ورحلة حياته بحثا عن أوتاده الأربعة الذين سخرهم الله له ليثبّتوا قلبه على هـذا الطريق.

ما يجعل القارىء أيضا يغرق في تفاصيل هذه الرواية، هو أنّ الكاتب لم يقصر سيرة الشيخ على أنه إمام المتصوّفة الأكبر فقط، بل ركزّ على جانب آخر من حياته، على محي الدين ابن عربي الابن، الزوج، الأب، الصديق، الرفيق والأستاذ… ببساطة ابن عربي الإنسان، بحيرته، قلقه، ضعفه، عجزه، حزنه وألمه، ذنوبه واستغفاره، بكاءه وقهره، دموعه، توسلاته واستجدائه، انتصاراته وهزائمه، ممّا يظهر الشيخ إنسانا مثلنا تماما يعشق ويحب، إذ وقع في حبّ نظام ابنة متين الدين الأصفهاني التي إلتقاها بمكة وكانت عالمة متحدثة شديدة الحسن أحبها وأحبته لكن حالت بينهما حبكة الأوتاد، فكتب فيها كتابه الشهير الذي أثار جدلا واسعا “ترجمان الأشواق” وأهداه لها.


كما تتعرض الرواية في مسارها الثاني إلى تتبع رحلة مخطوط من مخطوطات الشيخ ابن عربي من أذربيجان 1212م إلى بيروت 2012 مرورا بحلب ودمشق، أماسيا، حماة ومدن أخرى، حيث إنتقل هذا المخطوط من يد لأخرى.

يمكنّنا أن نصنّف الرواية أيضا ضمن أدب الرحلات والمذكّرات والسّير، فالشيخ ظلَّ طيلة حياته راحلا مرتحلا، يجوب الأقطار من مغربها إلى مشرقها (إرمينيا، غرناطة، فاس، سلا، مكة المكرمة، بغداد، حلب، دمشق،…) إذ يحدثنا الكاتب على لسان ابن العربي عن حياة الناس في هذه الأمصار التي زارها، عن لباسهم، وأكلهم، وشرابهم وبيوتهم، وكلّ ما يتعلّق بحياتهم الإجتماعية، إضافة إلى الأوضاع السياسية السائدة آنذاك.

أمّا من حيث اللّغة فقد جاءت عذبة، شديدة الانسياب، دون أن يغرقها الكاتب في تفاصيل الأقوال والعبارات الصوفية، كما أجاد الكاتب بشكل بالغ التعبير عن لغة العصر ومفرداته الخاصة التي قد تغيب معانيها عن القارئ اليوم، ولكنه في الوقت نفسه يسافر به إلى ذلك العصر، كلّ ذلك بلغة سردية جذابة و منّمقة.

إعداد: رياض مالك

تدقيق لغوي وتنسيق: سليم قابة وبشرى بوخالفي

Facebook Comments