مراجعة كتاب “هروبي إلى الحرية”

بطاقة فنية عن الكتاب:


العنوان: هروبي إلى الحرية: أوراق السجن 1983-1988

الكاتب: علي عزت بيجوفيتش
عدد الصفحات: 448
الطبعة الثانية: 2016
المترجم للعربية: محمد عبد الرؤوف
الناشر: مدارات للأبحاث والنشر

بطاقة فنية عن الكاتب:
علي عزت بيجوفيتش (1923-2003)
ناشط سياسي بوسني، وفيلسوف إسلامي، ومحامي، وكاتب، وأول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء الحرب فيها.
حصل على الشهادة العليا في القانون عام 1950م، ثم نال شهادة الدكتوراه عام 1962م، وعلى شهادة عليا في الإقتصاد في عام 1964م.
كان بيجوفيتش يقرأ ويتحدث ويكتب بعدة لغات أجنبية هي: الألمانية، والفرنسية، والإنجليزية، مع إلمام جيد باللغة العربية، وعمل مستشاراً قانونياً لمدة 25 سنة، ثم عمل بالسياسة، وبعدها اعتزل العمل السياسي وتفرغ للبحث والكتابة.
مؤلف لعدة كتب أهمها (الإسلام بين الشرق والغرب)، و(الإعلان الإسلامي)

عن الكاتب في ظل هذا الكتاب:

“كنت على حق في الزمن الخطأ”؛ هكذا يصف الكاتب نفسه ذات خاطرة، بعد الحكم عليه بأربعة عشر عامًا، وهو الحكم الذي صدر بحقه؛ كونه أحد النشطاء الذين نشروا بعض المبادئ الإسلامية، واعتبرت الشيوعية اليوغسلافية ذلك أحد الجرائم الموجِبة للعقوبة، ليخفف الحكم لاحقًا إلى اثني عشر عامًا، ثم تسع سنوات، لكنه حصل على حريته بعد خمس سنواتٍ ونصف قضاها في سجنه؛ بسبب  تعثر الحكم الشيوعي في البوسنة والهرسك، وكان وضعه الصحي قد تعرض لمضاعفات خطيرة.

يجب التنويه فقط أنه قد سُجِن سابقًا تحت حكم “جوزيف بروز تيتو” -رئيس الحزب الشيوعي اليوغسلافي- عام 1946م، أما اعتقال بيجوفيتش عام 1983م والوقت الذي كُتبت به هذه الخواطر فلم يكن في زمن “تيتو” كما يظن الكثير؛ لأن هذا الأخير قد توفي عام 1980م.

رغم مساوئ السجن وقسوة ظروفه -التي اضطرت الكاتب أن يكتب مرة: “لقد تقطّعت بي الأسباب، كما لو أنني أمام جدار أو أُصبتُ بنوعٍ من الجنون… كل شيءٍ هنا غير طبيعي وغير عادي.”- رغم ذلك إلا أنّه في أوقات أخرى يعزّي نفسه في محنته. “لقد أنقذتني هذه المحنة الكُبرى من مئات المحَن الصغرى، التى كان من الممكن أن تأكلني وتستنزفني كل يوم بشكل منتظم شيئاً فشيئاً.”

ولم تكن حرية الكتابة، والخصوصية متاحة لسجين سياسي؛ لذلك حين كُتبت هذه الخواطر كان الكاتب مضطرًا لاستبدال كلمات (خطيرة) مثل: الدين، والإسلام، والشيوعية، والحرية، والديمقراطية، والسُّلطة بكلماتٍ سرّية، ليتم تهريبها لاحقًا في صندوق شطرنج بواسطة أحد السجناء.

مراجعة الكتاب:

“ما يطالعه القارئ (وربما سيقرأه) هو هروبي إلى الحرية. وللأسف، بالطبع، لم يكن هروبًا حقيقًا، ولكن كنتُ أتمنَّى لو كان كذلك. كان هذا هو الهروب الوحيد المُتاح من سجن فوتشا بجدرانه العالية وقضبانه الحديدية؛ هروب الروح والفكر. ولو كان بإمكاني أن أهرب، لاخترتُ الهروبَ الحقيقي؛ الهروب الجسدي. وكذلك أفترض أنَّ القُرَّاء كانوا يُفضِّلون الاستماع إلى قصة مثيرة عن هروب سجين من سجن ذي حراسة مُشدَّدة، بدلًا من قراءة أفكاري وتعليقاتي حول قضايا في السياسة والفلسفة.”

هكذا يبدأ الكاتب مقدمة كتابه؛ مخاطبًا القارئ، وكاشفًا لأفكاره، وموضحًا ومبينًا كتابه الذي قدمه على شكل خواطر وملاحظات، وتعليقات متفرقة كتبها في 1983م-1988م وهي الفترة التي قضاها في السجن، فنراه مولّيًا روحه وفكره شطر الأدب والفلسفة والفن ليتذوق حرية أخرى، ومتأملًا في عجائب هذا العالم وتناقضاته التي لا تنتهي.

الخواطر مرقّمة حسب ترتيب كتابتها، وآخرها تحمل الرقم “3676”، حيث كان يكتبها بشكل يومي على مدى خمسة أعوامٍ ونصف تقريبًا، ومصنفة حسب الموضوعات التي تناولتها.

يتدرج أسلوبها ما بين الوضوح والغموض، البساطة والتعقيد، الطول والقصر، الإيجاز والإسهاب. وتتنوع موضوعاتها بين السياسة والفلسفة والأخلاق والدين والأدب والتاريخ.

يطوف بنا الكاتب بين مؤلفين وكتاباتهم، وفلاسفة ونظرياتهم، وسياسيين وأحكامهم، وينظر في شخصيات الناس وعلاقاتهم، وإلى المجتمع بأقسامه واختلافاته، ويبرز تناقضاته في الظواهر الاجتماعية والنفسية، ساعيًا لإيجاد حلٍ مناسب في إطار منظومة أخلاقية إنسانية عامة لا تتوقف عند ثقافةٍ دون أخرى.

ويقوم بالبحث عن معانٍ خفية في ظواهر كونية واجتماعية، ويطرح تساؤلات يجيب عنها حينًا، ويتركها للقارئ أحيانًا أخرى؛ ليطلق خياله وفكره ويشاركه التأمل والتساؤل لعله يجد حلًا.

يتميز الكاتب بسعة اطّلاع مع فكرٍ عميق، وبصيرةٍ نافذة، ويستعين بمخزون ضخم من قراءاته في مجالات مختلفة ومتنوعة وشاملة.

يتوزع الكتاب في ستة فصول، وتم ترتيب الخواطر في كل فصل ترتيبًا زمنيًا، وهي كالتالي:

الفصل الأول: خواطر عن الحياة والناس والحرية
هذا القسم من أبسط الخواطر، وأكثرها مباشرة ووضوحًا، ومنها:
-الشرط الأول لأن يكون المرء إنساناً هو أن يمتلك (أناه)، أن يكون واعياً بها، أن يدافع عنها، بغض النظر عما تعنيه هذه (الأنا). ولهذا أحياناً نحترم ونتابع باهتمام مسار البطل الشرير وما يؤول إليه، إذا كان مُتسقاً مع نفسه ومُستعداً لتحمُّل ما يترتب على مواقفه من نتائج وعواقب.

-لا يختار الحبّ الحقيقي سكنًا له إلا في قلبٍ نبيل، أما القلوب الأنانية فلا تعرف الحب.

الفصل الثاني: عن الدين والأخلاق

بعض الخواطر الواردة فيه:
-“كل دين يبدأ نقيًا، ثم يفسده الناس…”
-إن العلم قد يستبعد الدين، ولكنه يعجز عن أن يحل محلّه.

-معضلة (العقل- الوجود- العقل) ماذا كان أولًا، ماذا كانت البداية، إذا كانت هناك معضلة، هذه المعضلة حُلّت في الإنجيل باسم كل الأديان في العبارة الشهيرة: “في البدء كانت الكلمة”. الإجابة واضحة وغير مبهمة، وأي توضيح سيكون زائدًا عن الحاجة.

الفصل الثالث: خواطر سياسية

تحدثت عن أنظمة، وأحزاب، وأيديولوجيات، وشعوب مختلفة وسياساتها، منها:

-في السياسة ليس المهم ما هو كائن بالفعل، ما هو موجود، وإنما المهم هو مايعتقد الناس أنه موجود.

-عملية التكيُّف هي أكبر سلب لـ”ذات” الإنسان. إنها بمثابة إكراه المرء على أن يريد ما يجب عليه أن يريده، أو أن يقبل رأي وذوق الآخرين على أنه رأيه وذوقه هو، وطالما أنك تُعبر عن رأي ما وأنت على وعيّ أنه رأي شخص أخر، وأنه مفروض عليك، فما يزال فيك أمل. إنّ الهيمنة تكون في أكمل صورها عندما لا تلاحظ أن هذه هي آراء الآخرين وأذواقهم، أو عندما  تبدأ في خداع نفسك بأنها آراؤك وأذواقك أنت.

الفصل الرابع: على هامش كتاب الإسلام بين الشرق والغرب

يقول عنها أنها خواطر وأفكار كان سيضيفها لكتابه الشهير (الإسلام بين الشرق والغرب) لو أنه كتبه في ذلك الوقت، وهو يدعو لطريق وسط يقع بين الرؤيتين المختلفتين للعالم (المادية والدينية)، يتحدث عن ثنائية الروح والجسد، الفلسفة والتصوف، والفرق بين الحضارة والثقافة.
من هذه الخواطر:
-الفرد في المجتمع الطوباوي ليس إنسانًا، وإنّما مسخ إنساني كما يظهر في أعمال أورويل وهكسلي.
-ما الثقافة إذا لم تكن محاولة ترويض هذا الحيوان الذي يُسمّى بالإنسان؟!

الفصل الخامس: الشيوعية والنازية؛ بعض الحقائق التي لا ينبغي نسيانها

وهنا يعرض أحداثًا تاريخية، وتحليلًا  للشيوعية والنازية بطريقة موضوعية، يكتب عن الاتحاد السوفييتي، ويعلّق على الأحداث التي لم يستطع المشاركة فيها. بعض الخواطر:

-الاشتراكية تفاؤل بالإكراه.
-فيما يتعلق بحظر الكتب، ليست المشكلة الأكبر هي وجود قائمة بالكتب المحظورة، فالأسوأ من ذلك عندما لاتوجد مثل هذه القائمة، ومن ثم تُصبح جميع الكُتب -عدا تلك التى تُجاز رسمياً- إمَّا أنَّها مشبوهة أو محظورة، أي إنه توجد قائمة بالكتب المسموح بها بدلاً من أن توجد قائمة بالكتب المحظورة. إنها النزعة التدميرية في أقصى صورها التي مارسها الشيوعيون الصينيون فى الفترة ما بين 1966م و 1976م.

الفصل السادس: أفكار حول  الإسلام، ملاحظات تاريخية وغيرها

تضمن خواطر عن الشعوب الإسلامية وماضيها، عن التيارات المتنوعة في التاريخ الإسلامي، بعض الأحكام والتشريعات، عن الثقافة والحضارة الإسلامية. من هذه الخواطر:
-لقد بقينا نتحدث عن الهزائم والخسائر التي ألحقها بنا الآخرون، وحان الوقت لنتحدث عن الهزائم والخسائر التي ألحقناها نحن بأنفسنا، وستكون هذه بداية رُشدنا.

-علينا أن نحذر من أن يكتب تاريخنا غيرنا، يقول الكاتب الجزائري عبد الرحمن محداد: “عندما لا يكتب شعب تاريخَه الخاص، سيكتبه الآخرون نيابة عنه، ولكن بطريقتهم الخاصة”.

-لا بد من تذكير الحداثيين دائمًا بأهمية الدين، وتذكير المحافظين بأهمية العلم، الإنكار المتبادل هنا هو مجرد وهم.

– يُذكرني تباهينا بعدد المسلمين الضخم، والذي يزداد بسرعة كبيرة، يذكرني برجل يستعرض بدانته وسمنته، مسرورًا بما يكتسبه من كيلو جرامات كثيرة. متى سنبدأ في التركيز على روحنا وعقلنا وإنجازاتنا؟ فقد يضيف إلى الإنسانية شخص نحيل البدن عظيم الروح. أين قوتنا وعلمنا وآدابنا؟ أين اكتشافاتنا ومشاركتنا في الرأي العام؟

بالإضافة لملحق “الرسائل”؛ وهي مجموعة من المقاطع التي انتقاها من رسائل أبنائه الثلاثة إليه في فترة سجنه،  وفيها صورة دقيقة عن الزمن والأحداث والأفكار والمشاعر التي  أحاطت بعائلة سجين سياسي، كما أظهرت الشيء البسيط عن أصحابها، وقد حملت رسائل أبنائه (بكر وليلى وسابينا) كل العزاء والسلوى إليه، وأعانته على قسوة الظروف ومتاعبه في السجن، فيقول معلّقًا: “إن كان تعاطي الأدب هو هروبي إلى الحرية، فقد كانت هذه الرسائل هي هروبي الوجداني… عندما كنت أقرأ هذه الرسائل لم أكن أشعر أنني رجل حرٌ فحسب، بل كنتُ أشعر كذلك أنني شخصٌ قد حباه الله كنوز هذا العالم جميعًا”.

بالنسبة للترجمة فهي ممتازة، وتبين مدى ثقافة المترجِم وسعة اطّلاعه، فأضفى للنصوص جمالًا ورونقًا، بالإضافة للهوامش والتوضيحات التي ذيّل بها الصفحات.

ولا أرى أفضل من أختم بكلمات الكاتب نفسه في وصف خواطره التي احتواها الكتاب بين دفتيه، وأراها تختصر جميع ما كُتب في الأعلى:
هي أفكار عن الحرية، سواء الحرية الجسدية أو الجوَّانية، عن الحياة والمصير، عن الناس والأحداث، عن الكتب التي قرأتُها ومؤلِّفيها، عن الرسائل المُتخيَّلة التي لم تُكتَب لأبنائي؛ وبتعبير آخر، عن كلِّ ما كان يخطر ببال سجين خلال تلك الأيام (والليالي) الألفين الطويلة”.

تدقيق لغوي: سليم قابة.

Facebook Comments