الإنسان، بين تعب الترحال ولعنة الاستقرار: مراجعة رواية البحث عن المكان الضائع لإبراهيم الكوني

بطاقة فنيَّة للكتاب:

اسم الكتاب: البحث عن المكان الضائع
اسم الكاتب: إبراهيم الكوني
دار النشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
سنة النشر: 2003
عدد الصفحات: 262

عن الكاتب:

كاتب ليبي طارقي، يؤلف في الرواية والدراسات الأدبية والنقدية واللغوية والتاريخ والسياسة. اختارته مجلة لير الفرنسية أحدَ أبرز خمسين روائياً عالمياً معاصراً، وأشادت به الأوساط الثقافية والنقدية والأكاديمية والرسمية في أوروبا، أمريكا واليابان، ورشحته لجائزة نوبل مراراً، ووضع السويسريون اسمه في كتاب يخلد أبرز الشخصيات التي تقيم على أراضيهم وهو الكاتب الوحيد من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا بل الوحيد أيضاً من العالم الثالث في هذا الكتاب.  ألف 81 كتاباً، وترجمت كتبه إلى لغات العالم الحية زُهاءَ 40 لغة.

عن الكتاب:

هذا اللغز المسمى إنسانًا يبقى غامضًا ، بل ومحفوفًا بالأخطار، إذا لم يستعن عليه الإنسان باللسان. بلى، بلى. الإنسان لسان، فإن عجز في الإنسان اللسان، صار الإنسان ظلاً، شبحًا، بعبعاً.

قبل دخول القارئ العزيز لهذا النص (البحث عن المكان الضائع)، وجب التنويه والتحذير من إمكانية تداخل الأمكنة والأزمنة عليه، بل ستتداخل على الباحث ما بين السطور في هذا الكتاب، المبادئ والقيم الأخلاقية التي تحملها هذه الطبيعة الصحراوية المميزة، بناموسها وعاداتها ونظرتها لعلاقة الإنسان بالأرض والغير، وعلاقة الإنسان بالعهود التي عهدت الطبيعة الأم له بها. مع أسئلة وجودية كثيرة تتعلق بالمصير والهدف الحقيقي من تواجد الإنسان على هذه الأرض.
بماذا ستعود عهود الأرض على هذا البشري؟ بل من هو الشيطان الذي جعله يخلو إلى مستقر المدينة والسكون بعد أن داعبته الطبيعة؟ فجعلته كالطير لا يقرُّ لنفسه بوطن أو قوم، فجعل لنفسه ميثاقا يربط رجليه عن البحث عن أسرار قلبه بين هذا العالم الواسع، ما الذي جعله يركن إلى السكن بدل الترحال؟ ما الذي جعله ينفي عنه صفة الطيران ليقر لنفسه بأنه شجرة؟ شجرة لها جذور وأصول تحتكِم لها كلما نادت عليها الطبيعة بالرحيل والبحث عن نفسه في الفضاء المفتوح. وكلما أحس بخطر الرحيل، نراه حينها يبكي عدم الاستقرار ويفضل المكوث. هل لعنة الإنسان أن يقتل أخيه الإنسان لأجل أرض لو علم حقيقتها لهجرها ونصح أخاه الإنسان بهجرها معه؟!

كلنا ذلك العابر الغريب الذي يعبر أطراف الدنيا بقلبه على الأقل، حتى يموت ذلك القلب فيستقر من دونه إلى حياة المدينة.. إلى حياة الاستقرار ( عمل – زوجة – وبيت ) أين تقتل روح الإنسان ويقتل فيها بحثها عن المكان الضائع.

يصل على الواحة (رمز الاستقرار و المدنية ) غريب على أتان (أنثى الحمار) فإذا به يرفض كرم أهل الواحة بعد أن رحبوا به عندهم،  تيقناً منه أن الكلام لأهل الواحة والبوح بما داخله لهم على طاولة أكلهم يفض غشاء عزلته التي انتصر بها على رحلاته في واحات الصحراء وأهلها، فيدعوهم إلى عزلته بعيدا عن الواحة حتى يرشدهم لمذهب الخلاص… لكن هيهات. يرسل أهل الواحة عرافهم وحكيمهم وأبلههم، أملا في أن يستنطقوا هذا الغريب ويعرفوا سبب قدومه عليهم؛ خوفًا من أن يكون اللعنة التي ستنزل بهم. وهنا يجب أن نعرف أنَّ معتقدات أهل الصحراء مختلفة، وعقليتهم أسطورية بشكل بعيد جداً عن مفهومنا للأسطورة في الأديان الإبراهيمية، فلا وجود للإله هنا بالمفهوم المتعارف عليه عندنا .

ينزل بالغريب أو الداهية (أسان) اختبار أخر بعد فشل الثلاثة الذين سبقوه، فشلوا بعد أن اعترفوا له بدهائه و نبوته (ليست بنفس المفهوم لدينا) ليأتي بعدهم البلاء الأكبر (النساء) بنات الماء، ليحاولن معه، لعله يرفع اللثام عن فمه ويترك العنان للسانه يغرر به، لكنه الداهية الذي عرف سبب خضوع وعبودية أهل الواحة للاستقرار والبقاء، الذي قتل قلبهم وحبهم للحياة، فهو يرى، كما يرى ناموس الصحراء أنَّ المرأة تجلب للرجل الاستقرار، والاستقرار يجلب خمول القلب والعبودية لمادة الحياة، لذا فالداهية يحبذ الترحال ويعرف أنَّ بنات الماء ما هن إلا جن أفسد على أهل الصحراء ناموس الترحال. يجتاز اسان كل الاختبارات، ويقرر إنزال لعنته بأهل الواحة، بعقاب ناموس الصحراء المنشود بعد أن خان أهلها الوعد… وعد أن لا تركن إلى مستقر.

عمقٌ و دمج للأبعاد الفلسفية والدينية والأخلاقية لأهل الصحراء، والذي قد يكون غريبا على أغلبنا كوننا من خلفية دينية توحيدية وناموس الصحراء غريب علينا تماما لقلة اطلاعنا طبعا، فهنيئا للكوني على هذا النص الإبداعي، من لغة ساحرة كأنها طلاسم العرَّافين.

وجب عليك التأني معها وإعادة قراءتها مرة واثنتين علك لا تصاب بلعنة تجاوز حكمة الأجداد الخالدة. بدون الحديث عن تمكنه من الناحية السردية والأدبية. إبراهيم الكوني كان من أهل العزلة وأهل العزلة دائما على حق.. فعبثاً نحاول أن نكسب الرهان مع من اعتزل.

إعداد : بهاء الدين صحراوي

تدقيق لغوي وتنسيق: بشرى بوخالفي

Facebook Comments