تشكل الثقافة ومركزيتها: الثقافة الأفقية

نستطيع استنتاج هذا النوع من الثقافة، بالنظر إلى التنظيرات المكانية ومنظروا السنميائيات، ورؤيتهم للمكان من حيث علاقاته ضمن الوجود الإنساني، فالمكان نُحِتَ به الأسطورة (حيث الأسطورة استعملت المكان كغاية لإرساء فاعليتها وهيمنتها) في تقاطعات مع الممتد الأفقي (أو المكان الأفقي ) لحركة الإنسان ووعيه بالوجود.

فإذا كان المكان تمظهرٌ وتغيُّر بألوان – مكان نفسي ومكان اجتماعي- حسب خصائص معقدة اجتماعية أو تاريخية، فكرية، ثقافية؛ فحتى الثقافة قد تتجاوز معطيات الواقع والراهن، إلى ترهين جديد ثقافي-اجتماعي، كما ستتغير البِنية المنتجة للثقافة وحتى المتلقية لها بِنِسَبٍ متفاوتة، تحمل في جيناتها خصائص تتمظهر عبرها.

الثقافة اليوم لم تعد ذلك الكلَّ المعقد من عاداتٍ، وتقاليد، وغير ذلك من المفاهيم التي تختلف من مؤسسة نقدية فكرية لأخرى، كُلٌّ حسب ما تواضع عليه، وبحسب ما أرسوا له من مقدمات وخصائص؛ فاليوم تعدَّدت الأنظمة المنتجة للثقافة، لم تعد فقط المدرسة والجامعة والإعلام هي من تحتكر الثقافة من حيث إنتاجيتها، بل وسائل الاتصال الجديدة من فيسبوك، ويوتيوب، والمحرك غوغل (Google) أصبحوا في صراع دائم مع السلطة، سواء كان نوعها السياسي أوالاقتصادي، أوالاجتماعي؛ فالفيسبوك -كما قال أحد الدارسين- أصبح حكومة يطيح بالحكومات، ووسيلة في يد “أصغر” مواطن في المنظومة الاجتماعية؛ ينشر ما يشاء، يكتب ما يريد، دون ضابط ولا حتى تقييد، وهذا ما أحدث تراكمات المعلومة، فقد أصبحت في كل حدب وصوب، والجموع الاجتماعية أصبحت ”ملتصقة“ بمواقع التواصل الاجتماعي، وبشكل يومي، وهذا ما قد ينجرُّ عنه اكتسابٌ لثقافة تعبِّر عن روح الواقع -سواء سياسية أو اجتماعية أو تاريخية- وتتفاعل معه.

ولكن يبقى السؤال يطرح نفسه اليوم بقوة، والذي ربما سيعيد النظر في الكثير من الأمور الفكرية والحضارية، والسؤال هو عبارة عن تجاوز لِتَسَاؤُل ”ما الثقافة ؟ “ إلى مفهوم آخر ”ما مفهوم الثقافة اليوم ؟ “

في ظل تراكمات ومظاهر فكرية هائلة، سواء بمعطيات سياسية-تاريخية، أو حتى اقتصادية-اجتماعية، يصعب تحديد ووضع مفهوم دقيق للثقافة لأنها “مُتَمَكّنة” في كل مناحي الحياة، وأبسط قول في الثقافة يمكن أن نسير في فلكه هو أن الثقافة هي واقع اليوم، وما نعيشه اليوم بمختلف ظواهره تلتصق به في كل مكان وكل زمان، ترتديه وتؤثر فيه، انطلاقاً منه وتعود إليه، خصوصاً لو كان المجتمع وأفراده هم من ينتجون ثقافتهم أو حتى مفروضة عليهم “مثلاً من قبل السلطة السياسية”، وهنا فصّل فيها ميشيل فوكو كثيرًا؛ حيث اهتم بعلاقة السلطة وتشظياتها، وكيف يتقبلها أو تتغلغل في المجتمع، ثم كيف تتبلور هي في حد ذاتها ضمن أنساق داخل المنظومة التعليمية، وترتد للمنظومة الاجتماعية.

وهنا تختلف الثقافة العمودية التي لطالما كانت مركزها السلطة (السلطة هنا لا أعني بها سلطة سياسية فقط، بل كل ما تحمله منظومة لها سلطة ما وهذا أراد قوله ميشيل فوكو في تنظيراته، وأطلق عليه “ميكروفيزياء السلطة”، حيث أن “فعل السلطة غير مرتبط بنظام أو له مصدر حاكم واحد” واعتبار أن السلطة متشظية في كل مكان) وهذا ما يحيل إلى سلطة أفقية تنتج الثقافة، ويُصَيِّرُ فيما بعد ثقافة عمودية، تتقاطع مع الثقافة الأفقية، أو قد تدخل معها في صراع، ينجر عنه اضطراب مفاهيمي بالدرجة الأولى، ويتجاوز إلى الظرف الاجتماعي-السياسي؛ مما يؤدي إلى صراعات، باعتبار المجتمع أصبح ينتج ثقافة ويكرس لها، وهذا ما يطلق عنه استنتاجاً بالثقافة الأفقية، والكيان الموازي لها والذي قد يختلف عن ما ينتجه المجتمع، ألا وهي الثقافة العمودية، وقد بدأ يظهر في الراهن الحضاري اليوم بمختلف صوره، وما يشهده العالم من اضطرابات سياسية واقتصادية، كان السبب المباشر -أو الغير مباشر- فيها هو مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت حديث القرن بفعل التكنولوجيا وخصوصيتها الشمولية، وعدّها مظهرا من مظاهر الحياة في كل المجتمعات.

واقول ايضاً: أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ثقافة تُنْتِجُ ثقافة، والتقطها المجتمع لِيُنْتِجَ بها ثقافة موازية/متجاورة تخدم مصالحه وطموحاته، فأخذت الثقافة هنا منحى أفقياً، تراءى تسميتها بالثقافة الأفقية، لتحمل طابع المكان الذي يعد عنصرا مهما وبارزا لانتشار الثقافة وهيمنتها.

تدقيق لغوي: آية الشاعر
تعديل الصورة: طارق ناصر

Facebook Comments