الانعكاسات الأولى للحراك الشعبي في الجزائر

ليس من السهل إعطاء تقييم موضوعي وشامل عن الحراك الشعبي في الجزائر، ونحن نعيش بداياته الأولى، على اعتبار أن هذا الحراك مازال جنينيًّا وقابلا للنمو والتطور في اتجاهات مختلفة ومتعددة، لا يمكن بأي حال من الأحوال التكهن بمآلاتها.

هذه حقيقة موضوعية لا يمكن القفز عليها مطلقاً، ومع ذلك بعد شهر من انطلاق الحراك يمكن الخروج ببعض الملاحظات والاستنتاجات القابلة للرصد، كما يمكن محاولة إعطاء قراءة ما لهذا الحراك الشعبي، تبقى، على الأرجح، قراءة ظرفية، لها شروطها الموضوعية وأسبابها التاريخية، على أننا في خلال هذا نحاول الاستناد إلى معطيات معرفية، ومنطقية قدر الإمكان، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية، والأحكام الاندفاعية والعاطفية، رغبة منا في تعزيز الرؤى الإيجابية التي تبتغي مستقبلاً أفضل لهذا الوطن، وعيشا اهنأ لهذه الشبيبة التي تعج بها مدن وشوارع الجزائر.

ما من شك في أن الجزائر تعيش هذه الأيام تجربة تاريخية هامة وفريدة من نوعها، عبر عنها بعض الملاحظين بقولهم إنها ثاني أهم حدث تاريخي في الجزائر بعد حدث الاستقلال سنة 1962، ويرجع ذلك إلى أن قطاعا واسعا من الشعب الجزائري، عدّ في العاصمة لوحدها بمئات الآلاف (حسب وكالة الأنباء روتيرز)، بل وفاق المليون مشارك (بحسب جريدة الوطن المحلية)، بكل أطيافه وألوانه السياسية والاجتماعية والثقافية خرج الى الشارع للتعبير عن مواقفه السياسية.

صورة من سكيكدة

في هذا السياق يمكن أن نتساءل: ما هي الانعكاسات الأولية التي أحدثها هذا الحراك الشعبي الواسع في الجزائر، بعد شهر من انطلاقه؟ في الحقيقة ثمة العديد من الملاحظات التي يمكن رصدها من خلال هذا الحراك الشعبي، ولإن كان هذا الحراك حدثا سياسيا بالدرجة الأولى، فإن انعكاساته لا تقتصر على الجانب السياسي لوحده، إنما يمكن أن نلاحظ تأثيراته على مستويات عدة منها ما هو سياسي، ومنها ما هو اجتماعي وتربوي، ومنها ما هو نفسي وروحاني، ومنها ما هو حضاري وانساني أيضا، وتاليا نحاول ابراز هذه الانعكاسات في نقاط محددة وهي:

أولاً: تميز الحراك الشعبي خلال أربعة أسابيع بالسلمية، حيث كانت العنوان الأبرز للمسيرات والوقفات الاحتجاجية، وهو ما يؤكد وعي الجزائريين بمدى أهمية الاحتجاج السلمي والابتعاد عن العنف، الذي أثبت فشله خلال الاحتجاجات التي عرفتها دول ما سمي بالربيع العربي، كما أن الجزائريين لهم عهد قريب بالعنف والدموية التي ميزت حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ولذلك فإن شعار السلمية الذي رفعه الجزائريون يؤكد بما لا يدع مجالا للشك على مدى وعيهم بهذه المسألة، ومدى وعيهم كذلك بضرورة الاستفادة من تجارب الشعوب والتاريخ، لقد بدا الجزائريون وأنهم على قناعة بأن الطريق نحو الإصلاح يجب ألا يتقاطع ولو في نقطة واحدة مع طريق الفوضى المتوحش، والذي من شأنه اسقاط هيبة الدولة والنظام مثلما حدث في بعض البلدان العربية.

ثانيا: اتسام الحراك بالعفوية والافتقار إلى الركائزالأيديولوجية والتقسيمات الثنائية الشهيرة من قبيل إسلامي وعلماني، أو وطني وقومي مثلا، إضافة إلى أنه لم يكن معبرا عن أي طرف سياسي من أطراف المعارضة السياسية المعروفة في الجزائر، بل إن هذا الحراك رفض أن يتحدث باسمه أي طرف، وذلك إدراكا منه لخطورة الأمر، كون تمثيل هذا الحراك الشعبي من طرف أيديولوجيات معينة أو أحزاب سياسية من شأنه أن يثير الانقسام داخل الحراك نفسه، وهو ما يتنبؤ بفشله في نهاية المطاف، لذلك كان موقف الحراك الشعبي واحد، وهو أن لا ممثل له سوى صوت الإرادة العامة التي صدحت بها شوارع ومدن الجزائر خلال المسيرات السلمية.

صورة من جيجل: بطل واحد، هو الشعب.

ثالثاً: الحراك أخرج الجزائريين من عزلتهم، بحيث استطاع الجزائري أن يخرج إلى الشارع ليعبر بحرية عن مواقفه السياسية، وهذا لم يحدث منذ سنوات طويلة.

رابعاً: تجربة الحراك الشعبي أعادت للجزائري الثقة والاعتزاز بنفسه، والالتفاف حول وطنه، هذا الأمر تعزز أكثر ونحن نرى كيف تعاملت وسائل الإعلام العربية والعالمية مع ما يحدث في الجزائر، حيث عبرت كثير منها عن دهشتها وإعجابها الشديد بمدى سلمية وحضارية المسيرات.

خامساً: أعاد الحراك الشعبي التضامن بين الجزائريين بصورة قوية، حيث اختفت معه المناكفات الهوياتية التي كانت قائمة قبل أشهر قليلة، وتوحد الجزائريون تحت راية واحدة وهي ضرورة التغيير السياسي والارتقاء بالجزائر ومحاولة بنائها من جديد.

صورة من جيجل: الجزائريون تحت راية واحدة فقط.

سادساً: إطلاق العنان للفكر والرأي والإبداع والانتقاد والمعارضة ضمن فضاء من الرأي والرأي الآخر، حيث تشهد مواقع التواصل الاجتماعي تعبئة كبيرة خلال هذه الأيام من شأنها أن ترفع من مستوى الوعي السياسي لدى الجزائريين، خصوصا وأن الجزائري صار يبحث في القانون والدستور والبرامج السياسية بضغط من اللحظة التاريخية التي يعيشها، وهذا في نهاية المطاف يشكل نقطة ايجابية.

سابعاً: الثراء والتنوع الذي تميز به الحراك الشعبي، حيث شارك فيه الجزائريون بكل أطيافهم وتوجهاتهم، كبارا وصغارا، رجالا ونساءً، مما أعطى الحراك صفة حضارية قدمت درسا للمجتمع الدولي، الذي طالما كان ينظر الى الجزائري بعين الريبة والشك.

ثامناً: تعامل النظام مع الحراك الشعبي بهدوء وباحترافية، بعيدا عن القمع، هي نقطة إيجابية تحسب لصالح عقلاء النظام الجزائري.

ملاحظة ختامية: الحديث عن الانعكاسات الايجابية التي أحدثها الحراك الشعبي في الجزائر بعد شهر من انطلاقه، لا ينفي بالمرة وجود انعكاسات سلبية، من قبل تقصير كثير من وسائل الاعلام الجزائرية في أداء مهامها تجاه الجزائريين، حيث فضلت بعض القنوات الاعلامية والجرائد التي من المفروض أنها تتمتع بالاستقلالية، فضلت بعضها عدم تغطية هذا الحراك خصوصا في بداياته الأولى، وهذا ما جعل الجزائريين يستاؤون من هذه القنوات الإعلامية، التي أثبتت افتقارها للاحترافية بعد سنوات من الخدمة الاعلامية.

في الختام لا بد أن نقول إن حراك الشعب الجزائري لم يكشف عن كل أوراقه الى الآن، ويبدو أن التأخر في ايجاد حلول للخروج من هذه الأزمة سيفاقم من الوضع، ويجعل الأزمة السياسية أكثر تعقيدا، على أننا نأمل ألا تتحول هذه الأزمة السياسية الى أزمة أمنية مثلما حدث في بعض دول ما سمي بالربيع العربي.

تدقيق لغوي: بشرى بوخالفي
تعديل الصورة: طارق ناصر ( كل الحقوق تعود للمالك الأصلي للصورة )

Facebook Comments