مراجعة رواية شمس بيضاء باردة لكفى الزعبي

بطاقة فنية عن الكتاب:

اسم الكتاب: شمس بيضاء باردة.
اسم الكاتب: كفى الزعبي.
نوع الكتاب: رواية.
دار النشر: دار الآداب للنشر والتوزيع.
سنة النشر: الطبعة الأولى، 2018.

عن الكاتبة:

ولدت كفى الزعبي سنة 1965 في الرمثا، وحصلت على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية للهندسة المدنية. أردنية مقيمة بروسيا. أصدرت أربع روايات بالعربية، ورواية بالروسية  “عد إلى البيت يا خليل”. ترشحت روايتها “شمس بيضاء باردة” لنيل جائزة البوكر لعام 2019.

عن الكتاب:

“اللعنات كلها تعرف طريقها إلي”.

هكذا تبدأ الكاتبة الأردنية رائعتها “شمس بيضاء باردة”، تمسك مطرقة وتقوم بغسق الأوثان، وتمسك رمال كلماتها، لتصنع منها مرآة نرى أنفسنا في انعكاسها، واضحة بدون كذب أو خداع، تخبرنا بالحقيقة المؤلمة، التي يهرب منها كل إنسان. وتجعل الألم يعتصر كلاََّ منّا، وعلى قدر الألم تكون قوة الحقيقة المتجلية أمامنا.

الرواية تتحدث عن شاب أردني يواجه العالم والمجتمع بنفسه، مثقل بالهزائم ومرارة الماضي، في صراع دائم مع أهله، ويبحث عن الهدوء في الوحدة، غير أنّ صور الماضي تقلقه، وأصوات الموتى تتجسد في ذهنه. شاب يستأجر غرفة بلا نوافذ كحياته، الشرفة الوحيدة تطلّ على المنور، على الخراب والفئران، مثل روحه،  كما يتجسد لنا مع سطور الرواية، ويرى شبح العجوز الذي كان يقطن بها قبله.  الشاب استأجر غرفة رديئة لأنه معدم لا يملك أي نقود، ويعمل بأجر ضئيل في مدرسة.

تبدأ الرواية بتعقيد نفسيّ بالغ للغاية، يُساهم في تشكيل هذا التعقيد أحد أبطال العمل وهو اللغة. فاللغة هنا كانت بطلا غير متجسّد في صورة شخصيّة، وكانت تتعقّد وتتكثّف، وتظهر بشكل قويّ يساعد في تعقيد وتوضيح شخصيات الرواية، فتجذبك التشبيهات والحوارات النفسية والفلسفية، وتساهم بجعل كل صورة وكل كلمة رمزا يتّضح في آخر الرواية. الكاتبة تكرّر بعض المشاهد والتعبيرات عن عمد، ومع كل تكرار تكتسب تلك التعبيرات والمشاهد معانٍ أعمق، وتساهم في توضيح أحداث الرواية، التي  تبدأ من المنتصف، ويتضح مع الصفحات بدايات الحدث وكيف تعقد، ثم تصل به إلى النهاية. تعمل اللغة كعامل تشويق، بالترميز وسبق الأحداث بطرق مبتكرة.

شاب مثقل بخطيئته مع عائشة التي ارتكبها في صغره، وبالدم العالق به وبوالده، يعاني من ثقل الذنب طوال حياته، ويزيده ذلك صراعه  النفسيّ مع انتحار صديقه. يصارع الفتى والده، وتكشف الكاتبة بذلك الصراع العائلي ما هو مسكوت عنه في البيوت، من أب قاس، ينهب أموال يتمية، ويتفاخر بخطيئة ابنه ويرتكب شنائعا، لكنه يقدّس الإله والدين، ويقدّس الحياة الريفية التقليدية، وابن مني بكره والده له وقسوته، ولعنته للكتب، ورغبته في حرقها، والضرب المستمر.

البطل في صراع مع نفسه، يريد المال بلا عمل، يعاقر الخمر، وكذلك صديقه أحمد الذي يصلّي ويشرب الخمر لعل أحدهما ينتشله، بينما البطل يقرأ لعله يلمح مصيره، وينتظر شيئا لا يدركه، أحيانًا ينتظر الحياة، وأحيانًا ينتظر الموت، لا ينتحر لأن هنالك أملا. يعاني من الفقر الشديد، وروحه شريدة، مثقل بالهزائم، يعيش  الحياة على هامش اللغة، لا يتحرك ومستسلم لكل خبطة على رأسه، يحارب المجتمع بمفرده. ينتظر حبيبته التي علم فيما بعد بصلة قرابته بها، وقد غاب عنه ذلك. تلك الفتاة التي يثقلها بماضيه وماضيها، وينتظرها لتقف بجواره، ثم يعاتبها ويلقي عليها بالماضي، ومن ثم ينتظرها.

كمسرحية “في انتظار جودو”، الجميع في انتظاره ولكنه لا يأتي. البطل كـ”دون كيخوت” يحارب الوهم. وبكل عيوبه يمنى بموت صديقه أحمد، في مشهد انتحاري مؤلم، ويزيده ذلك ألمًا على ألم. يعاني البطل من أزمات وجودية وصراع نفسي شديد. يتخيل موته وجنازته، وبأن العالم قد يدرك حينها ما ارتكبه في حقه ثم يغمره بالحياة. البطل على الرغم من مآسيه وهمومه، إلا أن سلبيته قد تكون ساهمت في ذلك.

تقوم الكاتبة بخلق نقد للأسرة، العقل، القلب، وللبطل، وتشكل صراع المثقف مع المجتمع، وصراع الفرد، وكيف ينتهي صراع الواحد ضد الجميع بالخسارة، فتنهي الرواية -التي قامت فيها بمحاكاة ملحمة جلجامش – بنهاية تراجيدية.  نهاية رمزية للحرب ضد الجميع وضد الحياة، ونفسه أيضًا.

وسط كل هذا التشتت في الأحداث، تثير الكاتبة تساؤلات هامة، فهل هزمتنا التجربة أم اصطادنا الوهم؟
من هو عدو الإنسان الحقيقي؟ الحياة أم نفسه؟ فهي ترينا كيف يتعثر الإنسان بالإنسان.
ما هي هوية الهاوية؟

الرواية في جزئها الأخير، تسيل وتتلاعب الكاتبة فيها بالزمن في شكل فريد ومميز يخلق إثارة وحالة من الانتشاء.

“عيناك تحدقان في، وأنا أحدق في العدم.”

” هل تسمع السماء الألم؟! “

الرواية تعرضت للمنع بداية في الأردن، بتخوّف من دور النشر ولشكلها الناقد، إلا أن قرّرت دار الآداب نشرها بل وترشيحها للبوكر.
هي رواية تضعنا أمام حقيقة الحرب ضد أنفسنا، وهوية الاِكتئاب، والأزمات الوجودية التي نعاني منها، والمسكوت عنها في مجتمعنا وبيوتنا. رواية مؤلمة كتبت بروح صاحبتها ودموعها، وشكلت ثقلا كبيرا، نقلته للقراء ليتعارفوا على أنه عمل يحمل ألف وجه وألف معنى.

تدقيق وتنسيق: عمر دريوش

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *