مراجعة كتاب “اختراع العزلة” مذكّرات للكاتب بول أوستر

بطاقة فنيّة عن الكتاب:

اسم الكاتب: بـول أوستر.
اسم الكتاب: اختراع العـزلة.
النسخة الأصلية: صادرة تحت عنوان The Invention of Solitude
ترجمة: أحمد العلي/ شاعر ومترجم سعودي.
دار النشر: دار أثر للنشر و التوزيع/ المملكة العربية السعودية – الدمام.
الطبعة الأولى: 2016.
عدد الصفحات: 170 صفحة.

عن الكاتب:

    بـول بنجامين أوستر. شـاعـر، كـاتب، مترجم، مسرحي، كاتب مقالات ومخرج أمـريكي، مـولود في  03 فبراير 1947. تخرج من جامعة كولومبيا عام 1970، لينتقل بعدها إلى باريس، حيث قام بترجمة العديد من كتب الأدب الفرنسي. عند عودته إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1974، قام بنشر قصائد، مقالات وروايات من تأليفه.

 يعتبر كتاب “اختراع العزلة” أوّل عمل سردي له، وقد حقّق نجاحاً كبيرا عند صدوره، ليعود للأضواء مجدّدا بثلاثيته الشهيرة تحت عنوان “ثلاثية نيويورك”.
من بين ما كتب أيضاً، نجد موسيقى الصدفة، رجل في الظلام، مستر فيرتيجو، حكاية الشتاء، ليلة التنبّؤ، حماقات بروكلين، في بلاد الأشياء الأخيرة، رحلات في حجرة الكتابة، تمبكتو، صانست بارك، ورواية 4321 التي تعتبر آخر عمل أدبي له، تُرجمت كتبه لأكثر من أربعين لغة. تتميّز كتاباته بأنّها مزيج بين الصدفة، العبثية، الوجودية وأدب الجريمة والبحث عن الهوية والمعاني الإنسانية.

حصدت أعماله العديد من الجوائز منها:
– جائزة فرنسا الثقافة للأدب الأجنبي عن ثلاثية نيويورك سنة 1989.
جائزة بوديل – فئة أفضل فيلم أمريكي عن فيلم دخان سنة 1991/ جائزة الروح المستقلة لأفضل سيناريو أول (نفس الفيلم).
– الزمالة في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم سنة 2003.
– جائزة أميرة أستورياس للآداب سنة 2006.
– ترشيح  رواية “1234” ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر.
وعشرات الجوائز والتتويجات.

عن الرواية:

         “استعد في بحثك عن الحقيقة، لما قد يباغتك، فهي صعبة المنال. وبمجرّد أن تقبض عليها، ستقف ناظرا إليها وهي تنسرب من بين أصابعك…”

بهذا الاقتباس للفيلسوف اليوناني هيراقليطس افتتح بول أوستر كتابه.  قسّم الكاتب كتابه “اختراع العزلة” إلى قسمين: قسم أوّل تحت عنوان “بورتريه لرجل غير مرئي” تناول فيه عزلة والده المتوّفى، أما القـسم الثاني فعنونه بـ“كتاب الذاكرة، مطوّلات مقتطفة” تنـاول فيه عزلته هو. إذ أنّ كتاب “اختراع العزلة” ليس رواية، بل هو عبارة عن تأملات شخصية خطّها الكاتب في طبيعة الـذاكرة والـفقـد، وقد صرّح فيما بعد أنّه يعتبره جوهـر أعماله كلّها. 

فجأة ودون سابق مرض أو إنذار يتلّقى بول أوستر عبر الهاتف نبأ وفـاة والـده صباحاً ذات يوم أحد، وأثناء طريقه إلى منزل الوالد الذي فارق الحياة، يقرّر أن يكتب عنه، فالكتابة بالنسبة له حتمية لا مفّر منها، وإلاّ فإنّ حياة هذا الوالد الذي رحل ستتلاشى بأكملها ولن يستطيع استرجاعها مرّة ثانية، في هذه اللحظة بالذات ينسحب الشاعر منه (بدأ الكاتب حياته كشاعر عندما كان يعيش في بارس) ليترك المكان للسرد والنثر، متيحًا له إمكانية الاجتماع بهذا الوالد من جديد، في رحلة بحث عن هذا الشخص الذي لم يكن يعرفه كما يجب، ولهذا فإنّ رحيله لم يدخله في دوامة من الحزن والأسى، بل إنّه حتّى لم يذرف دمعة واحدة.

اكتشف بول أنّ والده لم يترك وراءه أي أثر، فقد كان دائم الغياب؛ ولهذا اعتاد الجميع على غيابه، وعلى العزلة التي فرضها على نفسه منذ وقت بعيد.

(..وعلى اعتبار ذاك الغياب خصيصة جوهرية لوجوده. لهذا، وقد رحل الآن، لن يكون صعبًا على العالم استيعاب حقيقة غيابه الأبديّ. لقد قامت طبيعة حياته بتهيئة العالم لموته.)  


من الكتاب ص15.

عاش وحيدا لأكثر من خمسة عشر سنة، بعد طلاقه من زوجته (والدة بول) ومغادرة الكاتب وشقيقته البيت للالتحاق بالجامعة، متمسّكًا بعاداتٍ أصبحت تشكّل ديكور يومياته.

 لأوّل مرّة يشعر بول بالرهبة بعد وفاة والده، يستشعر حضوره من جديد في ذهنه على الأقل، عندما يضطر للدخول لغرفة نومه والتفتيش في أشيائه وثيابه لفرزها، هنا يواجه وجهاً لوجه الحقيقة التي لا مفّر منها؛ لقد توّفي والده.

تعلّمت لا شيء أكثر رهبة من مواجهة أغراض رجل مات. الأشياء تهمد أيضًا، فمعناها كامن في دورها خلال حياة صاحبها وحسب. وعندما تقف تلك الحياة، يجري في داخل الأغراض تحوّل ما، حتّى بدت باقية كما كانت. إنّها هناك في مكانها، ولكنّها ليست هناك: إنّها أشباح ملموسة، ومحكومة بالبقاء على قيد الحياة في عالم لا تنتمي إليه…هناك إحساس بالمرارة نحوها، ونوع من الرهبة. لا تعني الأغراض في ذاتها شيئا، فهي كأدوات طهو لحضارة بادت. لكنّها تقول لنا شيئاً، تقف هناك لا كأدوات، ولكن كبقايا لفكرة، كبقايا لإدراك، إنّها رموز الخلوة التي يتخذ فيها رجل قرارات بخصوص نفسه.. أشعر بأنّني دخيل وطفيلي كلّما فتحت درجاً أو دسست رأسي في خزانة.. أشعر بأنّني لص يفتّش أماكن سريّة في عقل رجل. يلازمني أثناء ذلك إحساس بأنّ أبي سيدخل عليّ بغتة، سيحدّق نحوي غير مصدّق، ثمّ يسألني ما الذي كنت أفعله بحق الجحيم؟ لست أملك الحق في انتهاك خصوصيته هكذا. من الكتاب ص21،20.

وعندما ألقى بربطات عنقه في شاحنة لجمع التبرعات الخيرية، بكى لأوّل مرة لأنّ ذلك كان أشق عليه من رؤيته في النعش مستوعبًا أخيراً أنّه مات.

يواصل بول التفتيش في أغراض والده ليعثر على مجموعة من الصور، كل واحدة منها ستساعده على التعرف على جوانب من حياة والده في مختلف مراحله العمرية. صورة واحدة تثير لفت إنتباهه وهي التي ستكشف له سرّا خطيرًا جدّا في حياة والده، بل في حياة عائلة أوستر بكاملها، حياة جدّيه لوالده وأعمامه، لتكون بذلك رأس الخيط الذي سيقوده -نوعاً ما- للتعرّف على أسباب عزلة والده وملامح شخصيته، إذ أنّ الكاتب قد يبدو متحاملا بعض الشيء على والده، فيصفه بالبخل ويذكر مواقف كثيرة شعر فيها بالإحراج أمام الناس، فقد كانت علاقته بالمال غريبة الأطوار، كان شغوفاً بالثراء، عاجزا عن الصرف، فكرته عن الثراء تعادل عنده فكرة الهرب: الهرب من الأذى، من المعاناة، من أي يكون ضحية، لم يكن يحاول شراء السعادة، لكن ببساطة يحاول شراء غياب التعاسة.

كما يحملّه مسؤولية المرض النفسي الذي أصاب أخته الوحيدة فقد رفض أن تخضع للعلاج عند طبيب مختّص؛ ممّا جعل حالتها تسوء لتتطوّر فيما بعد إلى انفصام في الشخصية. كما يصرّح بأنّ والده قد خيّب آماله إذ لم يلق منه الدعم  والتشجيع الذي يحتاج إليه الأطفال من أبائهم؛ أن يشعروا أنّهم مصدر فخرهم وتفاخرهم بين الناس.

لم يكن ما حدث، في حدّ ذاته مهمّاً. المهم هو أنّي أدركت حينها أنّني حتّى وإن حققت ما كنت آمل، فإنّ نظرة أبي نحوي لن تتغيّر. سواء نجحت أو فشلت، لن يحمل الأمر أيّ معنى خاص بالنسبة له. لم أكن مميّزاً عنده بأي أمر أحقّقه، بل يميّزني بمن أكون وحسب: هو أبي وأنا ابنه، وهذا يعني أن تصوره عنّي لن يتغيّر، وأنّنا وقفنا في علاقة لا تتحرّك، مقطوعين عن بعضنا في جهتين مفصولتين بجدار.


من الكتاب ص41.

رغم كلّ هذا فإنّ سام أوستر( والد الكاتب) لم يكن سيئاً لهذه الدرجة؛ فقد كان رقيق القلب، يسمح للمستأجرين بصفته مالك عقارات بتأجيل دفع الإيجار، ويهب أطفالهم الملابس، ويساعدهم في إيجاد عمل يقتاتون منه، بل كان محل ثقتهم إذ كان كبار السّن يعطونه أثمن ممتلكاتهم للاحتفاظ بها في خزانة مكتبه خوفًا عليها من السرقة، كان لا يتوانى عن مساعدة الآخرين في الاستماع إليهم وحلّ مشاكلهم، كما أنّه كان يعتني بأبناء إخوته ويقدّم لهم الهدايا، كان شديد الصبر والهدوء، كأنّه مجموعة من الرجال مجتمعين في رجل واحد.

أمّـا القـسم الثاني فقد ضمّنه الكاتب ثلاثة عشر كتاباً تحت مسمّى كتاب الذاكرة، خصّصها للحديث عن نفسه، متحدثًا تارة عنها بضمير الغائب، وتارة أخرى رامزًا إلى ذاته بالحرف “أ” متجنّبًا الإشارة إليها  بـ “أنا”، كما قد تكرّر بكثرة الحديث عن ابنه دانيال مشيرًا إلى تعلّقه الشديد به وحبّه الكبير له، معبّرا عـن  مخاوفه الشديدة عن شعوره لو أنّه فقده ذات يوم، مركّزًا على الذاكرة بوصفها غرفة تعجّ بالصور والأماكن والأصوات، والتي يمكن أن يحدث فيها الأمر مرتين.

ممّا لا شكّ فـيه أن بول أوستر تحدّى نفسه أوّلاً قبل أن يتحدّى عائلته بكاملها، وتحلّى بشجاعة كبيرة، ليكتب هذا العمل الجريء، فليس من السهل على أي أحد أن يعـرّي نفسه وعائلته إلى هذا الحد الكبير الذي أقـدم عليه خاصّة أن ينشر ذلك في كتاب، شكّل بعد نشره فـضيحة مـدويّـة بالنسبة لعائلة أوستر، حيث راحت هذه الأخيرة تؤنّبه وتهاجمه وتصرّح للجرائد بأنّ ما كتبه مجرّد ادعاءات وشهادات اخترعها بنفسه لا أساس لها من الصحّة.

من المهمّ للقارئ قبل أن يبدأ الغوص في التفاصيل السردية للكتاب، أن يقرأ مقدمتي الكتاب، واحدة للأستاذ عبد الله السفر (الأبناء نيام، فإذا مات الآباء انتبهوا)، والثانية للمترجم أحمد العلي (..هو أمر جليل أن تكتب عن أبيك.. لكن الأجلّ من ذلك أن تخترعه من جديد، أن تقابله، وتدعوه إلى مقهى، وتسائله عن خياراته في الحياة، وأسبابه وخلاصات عمره)، إذ أنّهما ستساعدانه كثيرًا على فهمه وقبل ذلك فهم علاقة الأبناء بالأباء، علاقة الفرد بالعائلة، وما معنى أن تشعر فجأة بالفقد وخسارة من تحب.

        الترجمة أتت جميلة، سلسة، حتّى تكاد تنسى أنّ العمل كُتب بلغة أخرى غير اللّغة العربية. 

تدقيق لغوي: قابة سليم.   

Facebook Comments