مراجعة رواية “الحي العربي” لأسامة علام

بطاقة فنية للكتاب:

اسم الكتاب: الحي العربي.
اسم الكاتب: أسامة علام.
عدد الصفحات: 292.
الناشر: دار الشروق.
تاريخ النشر: يناير 2019.

عن الكاتب:

أسامة علام، كاتب مصري كندي، حصل على الماجستير من فرنسا، والدكتوراة في المناعة من جامعة مونتريال. صدرت له أربع روايات، ومجموهة قصصية وحيدة.

عن الكتاب:

الرواية تبدأ بمباراة بين الفريق العربي والفريق الأمريكي في نهائي كأس العالم، لينتصر الفريق العربي ويحرز اللقب لأول مرة، لتعم الأفراح كل بلاد العالم، بالأخص الحي العربي بكندا، وسرعان ما يتحول الفرح لشغب وعنف، وتتصاعد الأحداث بوتيرة سريعة، دون توقف، ليصل إلى حد إقامة سور فاصل، واضطرار كندا لإعلان الحي العربي  كدولة مستقلة، وتعيين رحمن زعبوط – صاحب مقهى – رئيسا للحي العربي.

سرعان ما يقنعنا الكاتب بتلك الأحداث، ثم ينتقل لتقديم شخصيته الرئيسية رحمن زعبوط، التي تحمل الصفة ونقيضها طوال أحداث الرواية، والذي ينقلب للنقيض، من صاحب مقهى جشع بخيل غليظ، لرجل طيب محب هش. طوال أحداث الرواية نكتشف الشخصيات وتقلباتها وتحولها السريع.

يقوم الكاتب أسامة علام باستخدام الخيال في مواجهة الواقع وقهره، لكون الخيال هو وسيلة التعبير عن الواقع ومتغيراته، فبالخيال يبتعد عن مسيرة الأحداث والحياة التقليدية، فبداخل كل منا طفل يحب ويعشق قصص الجنيات وحكايات الطفولة، وحينما تصاغ قصص بنكهة خيالية كعادة جميع روايات الكاتب، فهي تكون  أبلغ طريقة لتصوير الواقع.

مشروع الكاتب يدور حول المهاجرين، والغربة، وتدور الرواية حولهم، حول عرب يعيشون في حي عربي بكندا، ليصور وطنا عربيا داخل وطن غربي، ومن هنا يصور معاناة العرب في الغربة، ويكسر مثاليتها. فتجد فقراء، وتجد فنانين مهملين، وتجد إنسانا على الهامش، وتجد من هم في قلب الموت منذ أن رحلوا عن وطنهم، وهناك أبناء ولدوا بكندا، وتشكلت لديهم أزمة هوية، بين وطن ولدوا وعاشوا فيه، ووطن ينتمون إليه بأصلهم، فيتشكل صراع الهوية، فسيرورة الهوية هنا محط التساؤل، هل الهوية والوطن أشياء تورث أم تكتسب ؟

بلغة دافئة وقصص متعددة بين الحب والمعاناة، يقوم الكاتب بشرح سيكولوجية المواطن العربي والغربي من وجهة نظره، ويقوم بإسقاطات سياسية وفلسفية على الطرفين، ويضع تساؤلا حول الجيل الأول من المهاجرين وعن أبنائهم. نجد رحمن زعبوط يقود الحي العربي نحو الفن والوطن المثالي، والحب، وإقامة الحلم الذي يتمناه أي مواطن في العالم على مر العصور، صراعا  لهدم ذلك الحلم. نجد ابنته التي تكن له كرهًا، وتحب فتى يعيش في كهف مليء برسومات بعضها لأمها، وتختلط الأحداث ويتشعب البحث حول سر الأم، تلك التي ماتت في الأحداث في البداية لكنها حاضرة وتلاحق الجيمع، وتبدل أحوالهم، وتحاصرهم بذكراها وجسدها وحبها حتى آخر سطر في الرواية، فهي البطل الغائب والمحرك الذي يقبع خلف الصورة في كل الأحداث.

نجد صراعا داخل الأسرة وتصدعات، وماضٍ ينكشف تدريجيًا وأسرارا عديدة، وابنا ناقما هو الآخر ويسعى للاِنتقام بدوافع عديدة تحاصره أمه خلالها جميعًا. نجد الفن واللوح والتماثيل، ونجد عرضًا عسكريًا على شكل فرقة فنية شعبية.


” المآسي هي ما يصنع جوهر حياتنا”.


“دقق النظر في مرآتك العريقة.. نحن القاتل والقتيل .. الحياة وحشك الأليف وأنت الصياد والفريسة”

الرواية مليئة بالحب والتضحية والألم، فمرة يبكيك الكاتب ومرة يضحكك ويسعدك، وطوال الوقت تسير مع الأحداث ومخيلة الكاتب وتتجسد لك روح الكاتب، وهي المحبة خلال الكلمات، فتجد حميمية ودفئا وحبًّا في كل كلمات وشخصيات الرواية.

يقيم الكاتب بناءه على تخيل مستقبلي ثم يقنعك بالأحداث وتطورها ليلغي لك مثالية المغترب والغرب، ويوضح معاناة العرب ومعاناة المغتربين في أوطانهم وخارجها. فتراث وأوطان تطارد أصحابها وهوية موضوعة تحت المجهر.

الرواية تأتي بعد عدة أعمال للكاتب عن الغربة، وهو يستقيها من تجاربه بين فرنسا وكندا التي يقيم فيها حاليًا، وتأتي على عكس روايته السابقة “الوشم الأبيض”  في سرعة الأحداث، فهنا يوضح لك كل شيء بتروٍّ وبسرعة معقولة ليقنعك ويدخلك ويجعلك تعيش في عالم شيده طوبة طوبة، وصخرة صخرة، ويجعلك ترى الصراع الذي يحدث ما بين سكان الحي العربي، ومن هم خارج السور العازل.

رواية تشرح الواقع العربي للمغتربين وتوضح مآسي ومشاكل العرب في كل مكان، وتطرح عشرات الأسئلة التي ستظل مع القاريء لما بعد النهاية.


“أصبح للموت لون أبيض محايد، لا شيء مخيف في الموت كما لا شيء مغرٍ في الحياة.”

“في هذا العالم ليس هناك ضعفاء ولا أقوياء. هناك فاعلون ومفعول بهم.”

تدقيق لغوي: منال بوخزنة
مراجعة: بشرى بوخالفي

Facebook Comments