مراجعة لرواية غاسل صحون يقرأ شوبنهاور

بطاقة تعريفية  بالكتاب:

اسم الرواية: غاسل صحون يقرأ شوبنهاور

اسم الكاتب: محمد جبعيتي

دار النشر: الآداب

سنة النشر: 2019

نبذة عن الكاتب:

محمد جبعيتي، كاتب فلسطيني، من مواليد 1993. حاصل على الماجيستير في اللغة العربية. صدرت له روايتان: المهزلة، رجل واحد لأكثر من موت وغاسل صحون يقرأ شوبنهاور هي عمله الثالث.

عن الكتاب:

“ثمة  جُمل مثل الأقدار ترسم لك حياتك”.

بنظام تداعي حر ابتدأ الكاتب روايته لينتقل بعدها إلى التفكيك في الأحداث مع الغوص أكثر في مجريات الرواية، حيث ينقل لنا حياة بطل الرواية نوح، الذي يمر بعشرات الشخصيات. طالب تخرج بتقدير امتياز، لم يجد عملا فقرر التنقل بين المهن، سواء غاسل صحون أو عامل شواء أو بائعا أو غيره.

يبدأ الكاتب بتعريف نوح وتعريف جميع الشخصيات من حوله، والتي تتسم صفاتها بالتنوع، فهي شخصيات عديدة بالعشرات ممن نقابلهم كل يوم في مسيرة حياتنا اليومية، ويحملون من القصص والهموم ما يشبه واقعنا البائس. الرواية كتبها شاب عن شاب وهي تتناول أزمات وجودية وتساؤلات وحيرة عن الوطن، الدين، الموت، الحب، الحزن، الفقر، الواقع، الحرب وغيره. أسئلة عديدة ومشاكل متشعّبة تعبر عن هذا الجيل. يقابل نوح العديد من الشخصيات، يعجب بالعديد من النساء، يمارس علاقات ويبحث بشكل مستمر عن الحب، فهو يرى في الحب حجر حياة صحية له.

نوح المثقف السيزيفي أو كما يلقب بكافكا رام الله، يسير في الحياة كشخص متشرد وبائس، يعاني من الاكتئاب، يحمل هموما فوق كاهله، يحمل صخرة كسيزيف. ينطلق نوح في مسيرة تنقل ما بين الشخصيات وما بين الحاضر والماضي، ليحكي لمن قابلهم، ليحكي عن عائلته ونفسه وماضيه، يحاول استكشاف نفسه، يجلد ذاته ما بين الحين والآخر. يرى إضطهاد العالم له، كره الغير له. كلما اقترب من أن يصل لشيء خسر، وكلما اقترب من أحد خسره. يعاني من الوحدة، يواجه حياته بمفرده، يبحث عن الهدوء في صخب الوحدة، فهو في وحدته مطارد بالماضي والشخصيات وبنفسه.

“نحن هكذا لدينا صورة خاطئة عن أنفسنا”.

الرواية تدور حول الهوية وعن فلسطين، وكيف تختلف في تصوير الكاتب لها، لما هو متداول في الأدب. فهو يصور فلسطين من واقع مسيرة الحياة اليومية، من واقع بؤس الشباب والناس في فلسطين، من واقع تأثير الاحتلال وفكر المؤامرات على عقلية وتصرفات الناس، فنحن نستنتج علاقة فلسطين بإسرائيل من خلال انعاكسها على الشعب، من خلال المقاهي، من خلال الخوف والرعب.

يحكي الكاتب بحس فكاهي وكوميدي أسود عن أزمات نفسية، عن شاب يحادث البوم، ويرى صراعا ما بين عالم الغربان والبوم. ينفذ مخططات أناس من عالم أخر. يختلط الواقع بالخيال، الحد الفاصل بين الحلم والحقيقة يذوب. صراع الخيال ضد الواقع.

من أبرز شخصيات الرواية نجد دينا، التي تمثل الخوف بكل معانيه، التي تمثل الرعب والقلق الذي ينتاب الإنسان، الوطن، وغيره. دينا هي رمز واسع كالمحيط في تلك الرواية. كانت تعرف بأن نوح وحيد كبيت مهجور، فشاركته اهتمامتها الصغيرة، قوت العلاقة بينهم. صارت تراه طفلا، كذلك الذي سيرى انعكاسه فيما بعد.

” – دينا، الحب تافه. الوحدة سؤال كبير. ألم يتوصل البشر لجواب واحد عن هذا السؤال؟ – حبيبي, لا يوجد سؤال أكبر من الحرب!”

يصير نوح في مكانين مختلفين، ليشكل عالما غرائبيا فريدا مربكا طوال صفحات الرواية. ترى البومة بأن البشر أغبياء، يعتقدون بأنهم مركز الكون. الحياة تتغذى على الهوامش.

” شعرنا بأننا وحيدان، فتعمق إحساسنا بالغربة. لمحت الحزن على وجهها. بدا لي أنه اكتسب بعدًا جديدًا، في مدينة لها تاريخ طويل مع الحزن”.

يحكي الكاتب – بلغة رشيقة وممتعة، وبأسلوب سلس، بدون خط واحد ثابت للأحداث، فهي تتفكك وتتشعب، ثم تترابط وتعود للسير في طريق مستقيم – عن الطبيعة الإنسانية، عن الرغبة والتملك والأنانية، عن لحظات الندم، عن لحظات الضعف، عن تهاون المرء مع نفسه، عن الذنب الذي ندفع ثمنه دون أن نرتكبه. كيف كلنا ضحايا للحرب والوطن والثورات.

من أين تأتينا الرغبة في التضخم ونحن في قلب المأساة؟”

الرواية تدور في فلسطين، لكنها تحكي واقع العديد من البشر في مختلف البدان، رواية تتجاوز مجرد هوية الوطن، تتجاوز الحدود لتخيم على الجميع.

فأنت تتخيل جنازتك مثل نوح بطل الرواية، تعاني مثله، منيت بالهزائم الشخصية، وانكسارات الذات، وتحارب نفسك كما يفعل. تبحث في مسيرة حياتك عن الحب. تتعجب من قدرة الإله على خلق الحبكات والقصص، كيف أنّ الروائيين ليسوا سوى بحر في نقطة قدرة الإله في خلق وحبك القصص.

الرواية مكتوبة من شاب، وتمثل واقعا صعبا يعاني منه الجميع. رغم حزن الرواية، إلا أنَّ الكاتب يدعوك في المقدمة أن تقرأها بابتسامة، لأنك شريكه في المعاناة.

تتشابه الرواية مع رواية شمس بيضاء باردة لكفى الزعبي، حيث يأتي البطل نوح هنا على النقيض بعض الشيء، إلا أنَّه يحمل بعض الهموم المشتركة. فهنا البطل عنيد، يقع ويقف عكس بطل شمس بيضاء.

البطل هنا يبتعد عن الإنتحار ويتذكر قول سيوران، بأنه لو الانتحار ليس اختيارًا لإنتحر. يقف ويتلقى منعطفات تُغيِّر من مسيرة حياته. البطل يقف موقف النقيض بين قناعته عن الموت، وموقفه حين يكون بداخله.

يأتي مشهد النهاية ليبدل الحظ والتعاسة في كل مواقف نوح بنقيضهم، لكن يأتي ما بداخله على النقيض. يشكل مشهد محير رمزي.

الرواية تفكيكية لكنها ليست عسيرة على القراءة، بل على العكس سلسلة وسهلة، تنساب كالنهر.

الرواية ملهمة، توحي بكاتب كبير قادم ليسهم بإنتاجه الصادق والإنساني، الذي تراه مكتوبا بالروح والدم.

تدقيق لغوي: سليم قابة وبشرى بوخالفي

مراجعة: بشرى بوخالفي

Facebook Comments