مراجعة رواية “ألف شمس مشرقة” لخالد حسيني

بطاقة فنية عن الكتاب:

اسم الكتاب: ألف شمس مشرقة
الكاتب: خالد حيسني
الطبعة الأولى: 2007
الترجمة للعربية: مها سلطان العود
دار النشر: دال للنشر والتوزيع
عدد الصفحات: 416 صفحة

عن الكاتب:

كاتب وطبيب أفغاني أمريكي. ولد في 4 مارس 1965 في كابل في أفغانستان. روايته الأولى عداء الطائرة الورقية تصدرت قائمة الكتب الأكثر مبيعاً لمدة 4 أسابيع. أما روايته الثانية ألف شمس مشرقة ( ساطعة في ترجمة أخرى) تصدرت قائمة صحيفة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعاً لمدة 21 أسبوع، و49 أسبوع لأفضل غلاف فني. وصلت مبيعات كلتا الروايتين إلى 38 مليون نسخة على الصعيد الدولي.

عن الرواية:


لا يستطيع المرء أن يحصي الأقمار التي ترتعش في أسقفها
ولا ألف الشمس الساطعة التي تختبئ خلف جدرانها


هنالك مقولة تقول أنّ: “قراءة كتاب تشبه السفر لأماكن وأزمان وإن بعدت”. هذه الرواية تجسد بحق هذه المقولة؛ فهي ستجعلك تسافر إلى بقعة بعيدة بالمكان والزمان. “أفغانستان”، ستزور من خلالها “هيرات ومُري ولاهورت وكابول”، سترى الدمار الذي ألحقته الحرب على الاتّحاد السوفييتي بشوارعها، تلك الشوارع التي باتت بعدها مرتعاً لطالبان وحربهم الكريهة باسم العقيدة على كل ما هو جميل ومبدع (1)


تماثيل بوذا في باميان والتي دمرتها طالبان في 6 مارس 2001

جسد خالد حسيني في روايته هذه حقبة تاريخية مائجة ومضطربة بأحداث جسام بتفاصيل مذهلة تجعل القارئ متلهفًا لمتابعة الأحداث ومعرفة تداعيات تاريخ رقعة جغرافيَّة صُبغت أراضيها بالدماء. مسلطاً الضوء على معاناة المرأة الأفغانية جراء هذه الأحداث، كمحاولة إنصاف منه لنسوة تكبدن وعانين طويلاً، ولازلن يعانين في صمت.


“هذه الحياة تصر على أن نحمل حزناً فوق حزن حتى نصبح غير قادرين على التحمل أكثر” 

نقل لنا الكاتب وقائع المشهد الأفغاني الحديث بآلامه، آهات شعبه، وأحداثه المرعبة نقلا صادقاً واقعياً، انطلاقا من الغزو السوفييتي الذي هزَّ أركان الدولة وتحكم فيها بكل وحشية، محولاً الشعب الأفغاني من شعب حر إلى شعب مستعبد يقبع تحت رحمة السوفييت.

هذا الشعب رفض الخنوع، فجاءت ردة فعله في شكل جهاد طويل توحدت من أجله الصفوف، وتعاضدت السواعد واتّحدت الأقطاب على اختلافها تحت عباءة واحدة هي عباءة الوطن … لتتفرق بعدها حين سطع بريق السلطة، ويعود فتيل الحرب للاشتعال لكن هذه المرة بين إخوة الأمس، أعداء اليوم، ويعود معه دوي المدافع ليصدح مجدداً في سماء أفغانستان، لتُهدم بيوت مجدداً، وتُزهق أرواح جديدة وتتفرق أسر وتتشتت من ويلات الحرب.

وسط كل هذا الدمار، تخرج “طالبان”، التي جاءت بفهم خاطئ لمفهوم الرسالة، وتفسير محرَّف لأحكام الشرع لتزيد الطين بلة، لتغرس السكين عميقاً في جراح بعدُ لم تندمل، فتقمع، تأسِرُ، وتروِّع الشعب وكل من يخالف قوانينها، أكثر، معيدة بذلك شلالات الدماء لشوارع لم تكد تجف منها ولم يكد اللون الأحمر يغادر أراضيها ليكتسحها مجدداً.

هذه الأحداث كلها بُنيَت حول حكاية نطفة من نزوة عابرة أثمرت طفلة بريئة (مريم)، لا المجتمع اعترف بها فأسماها بنت حرام، ولا رحمتها التقاليد التي اعتبرتها وصمة عار وجب التخلص منها، ولا حل أنجع في هكذا حالة من زوج يكون خلاصًا لأهلها من مأساة حلت بهم، هي التي لاذنب لها سوى أنها وُلدت.

في ذلك الوقت، لم تفهم مريم. لم تعرف ما معنى هذه الكلمة ( ابنة حرام ) … ولم تكن كبيرة كفاية لتدرك عدم العدالة في ذلك ولترى أن مخترع هذه الكلمة هو ابن الحرام الذي يستحق اللوم، وليس ابن الحرام، الذي كان ذنبه الوحيد انه ولد

تزوجت مريم برشيد صانع الأحذية، لتغادر معه هيرات نحو كابول، آملة في بداية جديدة تنسيها ما مرت به من آلام، لكن هذه الزيجة لم تزد مريم سوى مأساة أخرى فوق مآسيها، وجرحاً آخر يضاف لجراحها، وكأن بالحياة تآمرت ضدها ورفضت أن تنصفها ولو لمرة، لتزيد آلامها ألما آخر، فتضطرها لتقاسم مخدع الزواج مع طفلة أخرى “ليلى”، تلك الفتاة الحالمة بمستقبل مزهر دمرته الحرب قبل أن يرى النور، وسرقت منها أهلها، وأبعدتها عن صديق طفولتها وشريك قلبها “طارق” الذي -وبسبب وضع البلد المضطرب- اختار الهجرة نحو إيران.

مريم التي كرهت ضرتها ليلى، أجبرتها مآسي الحياة ووحشية رشيد أن تتآلف وتنسجم معها، لتمرا بعدها بأحداث عديدة ومحن تجاوزتاها معاً، فقد كانت كل واحدة منهما تجد في الأخرى ملجأها وملاذها واليد الحانية التي تربت على كتفها.

الرواية، وإضافة لبعدها التاريخي، فهي ملحمة نسائية، سلطت الضوء على مشاكل الحياة التي تمر بها كل نسوة العالم، لكنها في أفغانستان تصبح مشاكلاً يصعب احتمالها، خصوصاً عندما تكون في مجتمع تحكمه جماعة أعطت نفسها حق تقرير مصيرك بدلا عنك، وخوّلت لها نفسها أن تقيِّم إيمانك، بل وحتى أن تسيرك وفق قوانينها هي لا رغباتك أنت.


“إن كل ندفة ثلج هي تنهيدة تطلقها امرأة مكروبة في مكان ما في العالم، إنّ كل التنهيدات تنجرف إلى السماء وتتجمع في سحابات ثم تتشظى إلى قطع ضئيلة تسقط بصمت على الناس بالأسفل”

لم تكن ألف شمس مشرقة حكاية “مريم” و”ليلى” فقط، بل لخصت في تفاصيلها وحكاياها مآسٍ أخرى لنسوة أفغانستان جميعًا، لتنقل للعالم أجمع صورة لمعاناة نساء أظهرن من الصبر والجلد وقوة التحمل ما لا يمكن لامرأة غيرهن تحمله، صورة المرأة الأفغانية الحالمة رغم السواد المنتشر، المرأة العاشقة، المناضلة والمكافحة وهي التي تتخبط بين مطرقة المجتمع وسندان الحرب.

…كما إبرة البوصلة تشير إلى الشمال، فإن إصبع الرجل يجد دائماً امرأة ليتهمها…

امرأة أفغانية

(1) الآراء المذكورة بخصوص حركة طالبان تخص الكاتب ولا تُمثل رأي المبادرة ولا مُعد المراجعة.

تدقيق لغوي: قابة سليم.

مراجعة: آية الشاعر

Facebook Comments