الخيرُ والشّر – منشأ الأخلاق عند نيتشه (2/2)

– كيف أصبحت قوّة القوّي تهمةً في أخلاقه؟ –

(للاطّلاع على الجزءُ الأوّل من المقال: هُنا)

نواصل في هذا الجزء الثّاني من المقال، محاولة عرض وشرحِ وصف الفيلسوف فريديرتش نيتشه لثنائيّة النظام الأخلاقيّ، ونشأتها عبر عصورِ التّاريخ وتطوّرات النّفسية الإنسانيّة. فحين جعل نظام أخلاق السّادة نظامًا سابقًا وأصل نشأة الأخلاق، وصفَ أخلاق العبيد بأنّها ردود أفعال انتهجتها الفئاتُ المستضعفة وسيلةً للثأر.



«لقد بدأ تمرّد العبيد في نظام الأخلاق حين أصبحت الضّغينة خلّاقة للقيم؛ هذه الضغينة التي تحرّك كائناتٍ حُرمت من رد الفعل الحقيقي، وحُرمت من الفعل نفسه، فهي لا تجد عزاءَها إلا في ثأر خياليّ. وبينما تنبثق أخلاق النّبلاء من انتصارٍ لنفسها وتأكيد لميزان قيمها، تبدأ أخلاق العبيد بنفي أخلاق الآخر، وبنفي كلّ ما لا ينتمي إليها؛ وهذا النّفي هو تحديدًا ما يشكّل فعلها الخلاّق للقيم.»


(الفقرة 10)

«إنّ مفهوم “الدّنيء” في أخلاق السّادة هو مفهومٌ مُلحق، ولونٌ مكمّل، أمّا ذلك “الشّرير” القابع في مرجل الكراهية التي ليس لظمئها مسدّ هو أصل نظام أخلاق العبيد، والشّر هاهنا هو بداية الفعل، وبداية الحُكم الأخلاقيّ. ما أشدّ تقابل هذين اللفظين: “الدّنيء” و”الشرير”، واللذان يقابلان في الظاهر مفهومًا واحدًا: “الخيّر”. إلّا أن الأمر لا يتعلّق بمفهوم الخير في ذاته، فالأرجح أن نسأل، من هو “الشرير” على الحقيقة في معنى أخلاق الضّغينة؟ وبكل صرامة، علينا أن نجيب: هو بالتحديد “الرّجل الخيّر” في نظام الأخلاق الآخر، هو النبيل، القادر والسائد، ولكن بمعنى محرّف ومؤوّل من خلال منظور العين الحاقدة للضغينة.»


(الفقرة 11)



  إنّ هذه النقطة مركزيّة في فهم نظام أخلاق العبيد، لأنّهم (أي العبيد) لم يعملوا على تطوير أحكامهم الأخلاقيّة إلّا بعد أن وقفُوا على النّتائج الوخيمة التي لحقت بهم حين شيّد الآخرون (السّادة والنّبلاء) نظامهم. وبالتّالي فقد نشأت علاقةٌ تقابليّة صارخة بين النظامين:

   يمكنُ تلخيص ما يشرحه نيتشه هُنا في مخطّط توضيحيّ:

   وأوضحُ ما يُمكن مُلاحظته في النّظامين، هو اشتراكهما في استعمال كلمة ” الخير، الخيّر ” وإنّما بدلالتين متقابلتين كلّيًا. فكلا الفريقين يصفُ أفرادهُ بـ “الخيريّة”، وفقًا لمعاييره التي شيّدها والتي تتوافق مع حالته واقتداره؛ ثمّ يطلقُ على الفريق الآخر وصفًا (يختلفُ في كلّ نظام) يعبّر عن كلّ النّقائص في هذه المعايير التي وضعها.

    من أجلِ تقريبِ فكرته، يستعين نيتشه بأمثولة “الحمل والطّير الجارح”، يذكرها في هذا الاقتباس من كتابه جنيالوجيا الأخلاق (الفقرة 13):

«إنّ للحملان حقدًا على كبار الطّيور الجارحة، وهذا ليس بمستغرب؛ إلّا أنّ هذا الحقد ليسَ سببًا لأن نؤاخذ الجوارح على خروجها في طلب الحملان، وحين تتهامسُ الحملان فيما بينها: “إنّ هذه الجوارح شريرة؛ أما الحملُ الذي هو دونها، بل عكسُ طبيعتها، ألا يجب أن يكون خيّرا؟”، فإنه ليس ثمة ما يلام على مثلِ هذا الحكمِ الأخلاقيّ؛ غيرَ أنّ الجوارح سوف تنظر إلى كل ذلك سُخريًّا، وربما قالت في نفسها: “ليس لنا أيّ حنق عليها، تلك الحملان الطيبة، بل نحن نحبّها، فليس أشهى مذاقا من حمل طريّ.”

    إنّه من غيرِ المعقول أن نطالب القوة ألا تظهر في مظهر القوة، ألا تسعى للغلبة والاستيلاء والسؤدد، ألا تظمأ إلى الأعداء مقاومةً وانتصارًا، وذلكَ كعبثيّة سعينَا لنجعل من الضّعف يتبدى في هيئة القوة (..)

ما أعجب أن تقوم مشاعر الثأر والحقد، المتوهّجة بشكلٍ خفيّ، باستغلال هذا الإيمان لنفسها بحميّةٍ لا مثيل لها، وأن تجزمَ بأن القويّ حرّ في أن يكون ضعيفا، والطير الجارح حرّ في أن يكون حملا. إنّها بذلك تدّعي لنفسها الحقّ أن تتهم الطير الجارح بكونه طيرا جارحا.»

     إنّها أمثولةٌ تعيدنا مباشرةً إلى مفهوم الفضيلة والجودة عند الإغريق، فالطّير الجارحُ خُلق لينقضّ على الحملان ويلتهمها، وهو ليسَ حرّا ليختار أن يؤدّي وظيفته هذه أو لا يؤدّيها، بل هي جزءٌ من طبيعته؛ وبالتالي فهي من معايير “خيريّته”، وأيّ اتهام له على إظهاره للقوّة هو اتّهامٌ عبثيّ لطبيعته.

«فحينما يأخذ الذين سيموا خسفا وداستهم الأقدام وجار الناس عليهم، في نصح أنفسهم، وهم يمكرون مكر العاجز الذي ينشدُ الثّأر: “لنكن شيئًا آخر غير الأشرار، لنكن خيّرين! والخيّر هو ذاك الذي لا يجور، ولا يؤذي أحدا، ذلك الذي لا يعتدي ولا يقتصّ، والذي يكِلُ الثأر للرب، ذاك الذي يقف مثلنا في الخفاء، يعدل عن طريق الشر ولا يبتغي من الحياة إلا نزرا. مثلنا نحن الصابرين، الخاشعين، الحاكمين بالعدل”. إنّ المعنى الحقيقيّ لهذا، متى تدبّرنا فيه بإنصاف: “نحن الضعفاء خُلقنا ضعفاء، ومن الخير لنا ألا نفعل ما لسنا له أقوياءُ كفايةً. (..)

على أن مثل هذا التّفكير الفظّ، (..) بتزييفه وعجزه وسوء نيته، قد أخذ لبوس فضيلة التّنسك والصّبر، كأن ضعف الضعيف في ذاته، أي ماهيته وفعله وحقيقته الدائمة، قد أصبح صنيعا مُرادًا ومختارًا، أتاه طوعا وافتخر به.»


(الفقرة 13)

إنّها فقراتٌ نابضةٌ بالقوّة، تدمغُ كلّ أولئك الضّعفاء الذين يستسلمون لأقدارهم، أولئك العاجزين الذين يفتخرون بعجزهم ويبرّرون له، ويتّهمون الأقوياء الذي تجاوزوا قدراتهم بالشّر والمكر. وعلى هذا المفهوم الأساسيّ لثنائيّة الخير والشّر، يبلور فيلسوف القوّة نيتشه أفكاره حول إرادة القوّة، وتجاوز النّوع الإنسانيّ نحو إنسانٍ أعلى متفوّق.

المراجع:

تدقيق لغوي: بوخزنة منال.

Facebook Comments