مراجعة كتاب (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) للرافعي

بطاقة فنية عن الكتاب:

العنوان: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية.
الكاتب: مصطفى صادق الرافعي.
عدد الصفحات: 350.
الطبعة التاسعة: 1393هـ -1973م.
الناشر: دار الكتاب العربي (بيروت- لبنان).

عن الكاتب:

مصطفى صادق الرافعي (1880-1937).
سوري الأصل، مصري المولد، إسلامي الوطن. اشتهر بأصالة الفكر وجزالة اللغة وقوة البيان حتى لُقب “معجزة الأدب العربي”. ألّف كتباً عديدة منها: (وحي القلم)، (تاريخ آداب العرب)، (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية)، (تحت راية القرآن)، (المساكين)، (على السفود)، (ديوان النظرات)، (السحاب الأحمر)، (حديث القمر)، و(أوراق الورد).

عن الكتاب:

يقول الرافعي واصفًا القرآن:

آُغلِقت دونه القلوب.. فاقتحمَ أقفالها، وامتنعت عليه أعراف الضمائرِ فابتزّ أنفالها. ألفاظٌ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تَذكرُ الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها، ومعانٍ هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان.

صدر هذا الكتاب عام 1912م، وهو الجزء الثاني من الكتاب الشهير (تاريخ آداب العرب) الذي صدر عام 1911م، ولأن إعجاز القرآن باب في تاريخ الأدب، فقد أفرد له الكاتب كتابًا شاملًا حاول أن يُلّم به ما استطاع، مستندًا لكتب البلغاء والعلماء السابقين، ومحاولًا بناء مذهب جديد واستنتاجات أصيلة، يقدمها في لغة جزلة، ثرية، وأسلوب يمتاز بالقوة والصلابة، وكثرة المجازات والاستعارات، والتفنن في ابتكار الاشتقاق من الأفعال، والذهاب بها كل مذهب في فضاء البيان الرّحب.

قد يتوهم القارئ من عنوان الكتاب أنه سيجد فيه الكثير من الآيات مفصلات، وأنه سيُلاقي شرح الإعجاز بأنواعه في كل آية، لكن الكتاب ليس كذلك! بل يغلب عليه قلة الشرح والتفصيل، وعدم التوسع في ذكر الأمثلة القرآنية، ويبرر الكاتب ذلك بأنه تجنب الإطالة وآثر الاقتصار على غرض الكتاب؛ مؤجلًا شرح الآيات وتفصيل إعجازها لكتابٍ كان قد عقد النية على إتمامه، وعازمًا على إطلاق اسم (أسرار الإعجاز) عليه، لكن الظروف التي مرّ بها، وقلة ذات اليد حالت دون ذلك، فعاجلته المنية قبل إتمام ذلك الكتاب. (1)

الموضوعات التي يتناولها الكتاب:

  • تحدث الكتاب في تاريخ القرآن، وجمعه وتدوينه ووجوه قراءته، ثم انتقل للكلام في لغته وبلاغته ووجوه الإعجاز فيهما.
    فكأنّ هذا الكتاب باب من فلسفة اللغة يتحدث في أسرارها، ومحاسنها، ويتناول القرآن من حيث بلاغة نظمه واتّساق أوضاعه.
  • وتحدث الكتاب عن آداب القرآن وأخلاقه، وأثرها في النفس الإنسانية، والروح البشرية، وكيف جعلت من العرب ملوكاً وسادة الأرض، وقد كانوا من قبله: (ما بين داع للصنم وراعٍ للغنم، وعالِمٍ على وهم، وجاهلٍ على فهم)..

آداب القرآن ترمي في جملتها إلى تأسيس الخلق الإنساني المحض الذي لا يضعف معه الضعيف دون ما يجب له، ولا يَقوى معه القوي فوق ما يجب له، والذي يجعل الأدب عقيدةً لا فِكرًا، إذ تبعث عليه البواعث من جانب الروح، ويجعل وازع كلّ أمرٍ في داخله، فيكون هو الحاكم والمحكوم، ويرى عين الله لا تنفك ناظرة إليه من ضميره. (2)

  • ثم ينتقل من آداب القرآن إلى علومه، مبينًا أثره في العِلم والنهضة الإسلامية؛ لأنه حثّ على طلب العلم والنظر والاعتبار والاستنتاج، وجعل شعار دعوته: “قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ”. (3)
  • ويشير لنشأة العلوم وتمحيصها وغايتها وعلاقتها بالقرآن:

ذلك وأنّ من أدلة إعجاز هذا الكتاب الكريم أن يخطئ الناس في بعض تفسيره على اختلاف العصور؛ لضعف وسائلهم ولقصر حبالهم أن تُعلّق بأطراف السماوات أو تحيط بالأرض، ثم تصيب الطبيعة نفسها في كشف معانيه؛ فكلما تقدم النظر، وجُمعت العلوم، ونازعت إلى الكشف والاختراع، واستكملت أدوات البحث، ظهرت حقائقه الطبيعية ناصعة حتى كأنه غاية لا يزال عقلُ الإنسان يقطع إليها، حتى كأن تلك الآلات حينما توجه لآيات السماء والأرض توجه لآيات القرآن أيضًا:  “وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون”َ. (4)

  • يتحدث عن نشأة الجنسية العربية، وكيف ألّفَ القرآن بين مذاهب الفطرة اللّغوية للعرب، ثم عمل على التوفيق بين قلوبهم بالدّين الطبيعي الذي جاء به، والتوفيق بين ألسنتهم بفصاحته ومعناه العربيّ، وساوى بين نفوسهم، فلولا القرآن ما بقيت العربية، ولا فروعها ولتفرق أهلها وما عرفوا أصولهم.
  • ثم تناول كتب الإعجاز والمصنفات التي تناولها العلماء السابقون، جامعًا آراء المعتزلة والمتكلمين والشيعة وغيرهم، وقام بالردّ على قول كل فرقةٍ منهم، ممحصًا جَيّد حسن الآراء من رديئها.
  • تناول نظم القرآن بوجهاته الثلاثة: في الحروف والكلمات والجُمَل، من حيث ائتلاف مخارج الحروف، وتناسق ألفاظها، والموسيقى اللغوية لها، وساق بعض الأمثلة على كلمات قرآنية محللًا حروفها وموضعها البياني، ودلالتها الحسية واللفظية.
  • في فصل البلاغة النبوية،(5) يتحدث عن فصاحة النبي ﷺ، وصفاته ومنطقه وبلاغته، وعن تأثيره في اللّغة، وبعض دعائم البلاغة النبوية، ويذكر أحاديث قليلة مبينًا بلاغتها، ودقة ألفاظها.
    وفي وصف النبي محمد ﷺ وسياسته في تعامله مع قومه، يقول:

ثم هو على هذا كلّه من أمره وأمرهم لا يتأتّى إليهم بالتمويه، ولا يداخلهم بالنفاق ولا يتآلفهم على باطِلهم، ولا يَنزل في العقيدة على حُكمِهم، ولا يُداهن في خِطابهم، ولا يَرفقُ بِهم فيما يَتخيلون وما يَعبُدون، ولا يحكم ذلك الأمر من ناحية الدهاء والمخاتلة، فيُقِرّهم على طباعِهم وعاداتهم، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويمد لهم في الغيّ مدًا من أمر ما أعجبهم ومن شأن ما استخفهم، كما يَصنعُ دُهاة السياسة وقادة الأمم، وكما صَنع داهيةُ أوروبا (نابليون)؛ الذي اِنتحل الكثلكة في حرب الفنديين، وأَسلمً في مصر، وجَهر بِعصمةِ البابا في حرب إيطاليا؛ وقال مع ذلك: لو كنتُ اَحكُمُ شعبًا يَهوديًا لأعدتُ هيكل سليمان!

لكن يؤخذ على الكتاب:
التكرار في بعض المواضع في الأفكار والكلمات، وبعض التفصيل في موضع والإيجاز في غيره، مما يؤدي لتشتيت القارئ أحيانًا وملله أحيانًا أخرى.

مِن آراء الأدباء والنّقاد في الكتاب:

  • قال عنه يعقوب صروف: يجب على كل مسلم عنده نسخة من القرآن، أن تكون عنده نسخة من هذا الكتاب.
  • وقال عنه سعد باشا زغلول: كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم.
  • أما عباس العقاد فيقول: الكتاب معرض يعرض به الرافعي مبلغ اجتهاده في ثقيل عبارات البدو، وتأثر أساليب السلف، لهذا يحسن أن يُقرأ ويُقتنى، أما إنه مبحث في بيان إعجاز القرآن، ولا سيّما إن كان القارئ من غير المسلمين، فتلك نيّة للرافعي يُثاب عليها كما يُثاب الإنسان بالنيات! (6)

الهوامش:

(1) للمزيد راجع كتاب رسائل الرافعي لمحمود أبي رية، وكتاب حياة الرافعي لمحمد العِريان.
(2) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص96.
(3) سورة يوسف، آية 108.
(4) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص129.
(5) يمكنك الحصول على معلومات أكثر عن هذا الفصل في مقال للرافعي، في كتابه (وحي القلم، الجزء الثالث).(6)ورد رأيه هذا في كتابه (ساعات بين الكتب)، ولعل القارئ يعرف الخصومة الشديدة بينه وبين الكاتب!.

تدقيق لغوي: بوخزنة منال.

Facebook Comments