الإنسان كائن ديني – إجابات سؤال الشهر، العدد الأول.

الثابث أن الإنسان منذ ولادته وحتى هذه اللحظة، تتحكم به قِوى أكبر منه تجعله خاضعًا وراكعًا لطقوسها وقوتها -أو هذا ما يعتقده فطرياً- وفي المقابل تجعل منه إنساناً!

إذ لا يمكن للإنسان التحرك في عالمه الدنيوي دون اقتناعه بوجود شيء يدفعه لذلك، وهذا الشيء هو الدين؛ فهو المتحكم في سيرورة حياته ومنظّمها، وهذا ما عبّر عنه المؤرخ والفيلسوف “ميرسيا إلياد” في مقدمة كتابه “تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية”، حينما قال:

إننا إذا عُدنا إلى أقدم مستويات الثقافة، نجد أن العيش ككائن بشري هو بحدّ ذاته فِعل ديني؛ إذ أنّ الغذاء والحياة الجنسية والعمل لها قيمة قدسية، وبتعبير آخر: لأن نكون بشرًا يعني ذلك أننا كائن ديني.

أما المتغير فهو جوهر هذا المقدّس ماهيته وطقوسه، وإذا ما تأملنا قول (إلياد) فسنجد أن مفهوم الدين قد اختلف من عصر لآخر كما يختلف من ثقافة وحضارة لأخرى! وعلى ضوء هذا نتساءل عن أقدم مفاهيمه؟ وكيف تطور مع مرور الزمن؟ وما مدى تغيّره؟ وأخيرًا، ما هي طبيعة العلاقة التي تربطه بالإنسان؟!

إننا إذا ما عدنا إلى تاريخ الأديان من أكثرها بدائية إلى الأكثر ارتقاءً، نجده عبارة عن تراكمات لظهور العديد من الحقائق المقدسة، إذ ليس هناك انقطاع لما هو إلهي منذ الإنسان الأول، والذي يتلخص مفهوم الدين لديهم في الأسطورة؛ وهي قصة مقدسة تتكون من أفعال قامت بها كائنات عليا، فأصبحت مرتبطة ارتباطًا مباشراً بسلوكيات البشر وعدم تجاوزهم لها، واحترامهم لهذه القيم القدسية التي تنشأ من الأسطورة؛ ولذا كان الإنسان الأول إنساناً ديّناً بامتياز.

أما إذا تقدمنا خطوة للأمام فسنجد أن هذا المفهوم قد زال مع الأوّلِين؛ فبينما كانوا يؤمنون بمخلوقات خارقة للطبيعة، أصبحوا يؤمنون بوجود إله واحد، وآخرون بالعديد من الآلهة.

ومهما تعددت واختلفت الديانات -من سماوية ووضعية- ومفاهيمها، يبقى إيمانهم (البشر) المطلق، وحاجتهم لهذه القِوى أمراً ضرورياً لسيرورة حياتهم بشكل طبيعي؛ فالدين أصبح مع الإنسان حاجة بيولوجية، والدليل على هذا أنه يمارسه ويمارس طقوسه بشكل عفوي، غير مدرك أن الدين أصبح ملازمًا له في شتى مناحي حياته؛ فالمقدس عنصر في بنية الشعور وليس مرحلة في تاريخ على هذا الشعور. [1]

ولعل هذا هو إثباث آخر أن المقدس، هو إيمان داخلي يستوطن باطن الإنسان منذ الأزل.

إن التحدث عن العلاقة التي تجمع بين الإنسان والدين تدعونا -دون شك- لذكر مفكرنا مالك بن نبي؛ الذي يؤكد على ضرورة الدين في بناء الحضارات، لأنه ثابث من ثوابث الشخصية الإنسانية، وأنه المسؤول على كل التحولات التي شهدتها البشرية حيث يقول:

يبدو الدين ظاهرة كونية تحكم فكر الإنسان وحضارته، كما تحكم الجاذبيةُ المادةَ، وتتحكم في تطورها. والدين على هذا يبدو وكأنه مطبوع في النظام الكوني، قانونًا خاصًا بالفكر، الذي يطوف في مدارات مختلفة، من الإسلام الموحِّد إلى أحط الوثنيات البدائية. [2]

فمن الواضح أن مالك بن نبي يتناول مفهوم الدين من وجهة نظر عقلية، إذ يعتبره سنة فطرنا الله عليها، وأنه المكون الحقيقي للقيم الحضارية، اي ينفي عليه صفة القداسة فقط وعدم اعتباره مجرد نسق من الأفكار الغيبية، وإنما هو قانون يحكم فكر الإنسان ويوجه بصره نحو أفق أوسع.

إن المتتبع لحركة سيرورة الدين منذ ظهوره مع الشعوب البدائية حتى هذه الساعة، يجده يختلف في ماهيته وجوهره ويتفق في طقوسه؛ فهناك بعض الأفكار والمعتقدات التي حافظت على قدسيتها، فالغذاء والحياة الجنسية والعمل هي نشاطات إنسانية بسيطة يقوم بها البشر بشكل مستمر ودائم، غير أنها تحمل في طياتها قيمة القداسة، وإنّ القيام بهذه النشاطات يعني أن تقوم بممارسة الطقوس الدينية؛ مما يجعل الإنسان إنساناً ديّنًا، واستحالة قيامك بهذه الطقوس إثباث ودليل على أنك بشري (أي إنسان ديّن)!

ولعل طبيعة البشر في حب الاكتشاف والاطّلاع، وكشف الغموض والبحث والتنقيب من المهد وحتى اللّحد؛ هو أحد الأسباب التي جعلته يدركُ هذه القِوى، يقول الشيخ عبد الله دراز:

إنّ الحقيقة التي أجمع عليها مؤرّخو الأديان هي أنه ليست هناك جماعة إنسانية أو أمة كبيرة، ظهرت وعاشت ثم مضت دون أن تفكر في مبدأ الإنسان ومصيره وفي تعليل ظواهر الكون وأحداثه، ودون أن تتخذ لها رأيًا معينًا في هذه المسائل، حقاً أو باطلاً، يقينا أو ظنًا. [3]

أي أن الإنسان يجعل من البحث في أسرار الكون والوجود هدفًا من أهدافه الحياتية. وفي نهاية المطاف ننتهي الى أن الدين -وعلى الرغم من اختلاف مفاهيمه وأشكاله واختلاف بسيط بشكل لا يلاحظ في ممارسة طقوسه- إلا أنه ظل محافظاً على قدسيته وقدسية طقوسه وأهميته في حياة البشر سعيًا منه لجعلهم كذلك (إنسانا ديّنا)، وذلك بالنظر إلى كونه أصلاً متجذرًا في النفس البشرية.

قائمة المراجع:

1-رضا زيدان: الإجماع الإنساني، ص166.

2-مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية، ص291.

3-عبد الله دراز: الدين لدراز، ص39.

إعداد: مروة سباغ
تدقيق لغوي: آية الشاعر

رأي الكاتب لا يعبر بالضرورة عن سياسة النقطة الزرقاء

Facebook Comments