الإنسان والتدين – إجابات سؤال الشهر، العدد الأول.

يقول الطبيب والأديب المصري “مصطفى محمود” في مقدمة كتابه “الأحلام”:

“الإنسان تأكله شهوة غامضة خطرة، أخطر من شهوة الجنس .. وأخطر من شهوة الطعام، هي شهوة العقيدة .. شهوة اليقين .. الشهوة إلى شيء يؤمن به ويصدقه وهو في سبيل هذه الشهوة قد يؤمن بحجر أو صنم أو تعويذة أو حجاب أو درويش أهبل .. ليس لأنه ساذج أو مغفّل وإنما لأنه ضعيف، به ميل فطريّ وشوق غريزيّ حاد إلى هدف يرتبط به وكلمة يصدقها وعقيدة يعتقدها”.

من هذا الكلام يتضح لنا جليّا أن الإنسان ومن خلال ما جُبل عليه، يمارس طقوسا دينية بأبسط أفعاله، فبالعقل يبحث ويتحرى ويسأل أسئلة وجوديّة كثيرة على عكس البهائم التي خُلقت من دون عقل ومن دون ما سمّاه “مصطفى محمود” شهوة العقيدة … ويرى بعض الفلاسفة أن الإنسان “حيوان متدين”، فقد ذهب هيغل مثلا إلى أن “الإنسان وحده هو الذي يمكن أن يكون له دين، وأن الحيوانات تفتقر إلى الدين بمقدار ما تفتقر إلى الأخلاق والقانون”. وهذا لأن الدين والعقيدة يدخلان في التركيبة الأساسية للإنسان، بل في ماهيته وأعماق نفسه تماما كالعقل الذي يميزه عن غيره من الكائنات.

كما تصف عالمة الاجتماع الشَّهيرة المهتمَّة بالدِّيانات “كارين أرمسترونج” في كتابها ” تاريخ الإله ” A History of God” الإنسان بأنَّه “كائن روحي”، وتقترح اسمًا آخر للجنس البشري، وهو “الإنسان الدَّيِّن” homo-relegious “، بالإضافة إلى اسمه الذي يُوصف به في علم البيولوجيا، وهو “الإنسان العاقل”، وتؤكِّد د.أرمسترونج أن المفاهيم الدينية فطرية عند الإنسان ومن ثمّ من المستحيل استئصال الدين من النفس البشرية. ويؤكد “روبرت وينستون” رئيس الاتحاد البريطاني لتقدُّم العلوم في كتابه “الفطرة البشرية”: “أن الحس الدينيَّ جزءٌ من بنيتنا النفسية، وأنه مسجَّلٌ في جيناتنا كذلك”.

ومن النظريات الراسخة في علم النفس “نظرية المزاجات والأخلاق الوراثية”، التي قدَّمها د. “كلود كلوننجر” (أستاذ علم النفس والطب النفسي وعلوم الوراثة بجامعة واشنطن)، وتُبيِّن النظرية أن الإنسان “يرث” عددًا من المزاجات والأخلاق التي تُحدِّد ميوله الأخلاقية والروحية فيما بعد، ومن هذه الأخلاق: مصداقية الذات، التعاون والسمو النفسي الذي يشمل إنكار الذات، والبعد عن المادية، والميول الروحية، وتُمثِّل هذه المجموعات الثلاث الغريزية الأساسَ النفسيَّ لفطرة التدين وفطرة المنظومة الأخلاقية في الإنسان، ومن ثَمَّ تقوم التربية بتدعيم هذه التوجُّهات.

من هذا كلّه نستطيع القول بأن الدين والعقل سمتان تميزان الجنس البشري فالإنسان بطبعه يميل إلى أن يكون متدينا وهذا لا يتأتى طبعا إلا بوجود عقل سليم يحفز صاحبه على بدء رحلة البحث التي تقتضيها شهوته العقائدية وهو بذلك يمارس طقسا دينيا هاما فهو بإعمال فكره في الكون الذي هو جزءٌ منه وفي تساؤلاته عن جدوى وجوده وعن خالقه يشبع غريزته الدينية الكامنة في أعماق نفسه ومع كل جواب يجده يشبع فضوله ويتقرب خطوة من خالقه. الإنسان لا يكون إنسانا إلا إن آمن بعقيدة راسخة وصحيحة وهذا الأمر غريزي ومتجذر في أعماق نفسه وبُعده عن الإيمان هو انسلاخ من كينونته ومن آدميته و تدني إلى درجة البهيمية، فالبهائم تفتفر إلى العقل وإلى التدين وهذا ما يجعلها مختلفة تمام الاختلاف عن الكائن البشري الذي يفكر ويتأمل ما حوله ويعتقد بعقيدة تكون نتاج قناعة مبنية على أسس صحيحة ركيزتها إعمال العقل .

المراجع:
– كتاب ” الأحلام ” للكاتب مصطفى محمود.
– كتاب ” الفطرة البشرية ” للكاتب روبرت وينستون.
– كتاب ” تاريخ الإله ” للكاتبة ” كارين أرمسترونج”.

إعداد المقال: ياسين حبيب
تدقيق لغوي: قابة سليم
مراجعة: بشرى بوخالفي

رأي الكاتب لا يعبر بالضرورة عن سياسة النقطة الزرقاء

Facebook Comments