ترجمة لأسئلة مختارة من مقابلة مع الروائي الياباني هاروكي موراكامي.

العوالم الخفية لهاروكي موراكامي

هاروكي للصحفية: إنني اتقدم في العمر يوماً بعد يوم، وكلما كبرت أفكر في نفسي على نحوٍ مختلف عن أيام شبابي. في هذه الأيام أحاول أن أكون “جنتلمان”. وكما تعرفين، ليس من السهل أن أكون “جنتلمان” وروائيا. إن الأمر يشبه سياسيا يحاول أن يكون أوباما وترامب. لكن لدي تعريف للروائي الجنتلمان: أولاً، لا يتحدث عن الضرائب التي يدفعها؛ ثانياً، لا يكتب عن عشيقاته وزوجاته السابقات؛ ثالثاً، لا يفكر في جائزة نوبل للآداب. لذلك، لا تسأليني عن هذه الأشياء الثلاثة. سأكون في ورطة. 

Résultat de recherche d'images pour "haruki murakami"
هاروكي موراكامي

-هل فعلا تبقيك الموسيقى على أحسن ما يرام؟
نعم، بشدة. الموسيقى والقطط، لقد ساعداني بكثرة.

– كم عدد القطط التي تربيها؟
-لا أملك أي قطة. أخرج في تمشية سريعة حول منزلي صباح كل يوم وعادةً ما أرى ثلاثة أو أربعة قطط، إنهم أصدقائي. أتوقف وألقي عليهم التحية ثم يأتون إلي؛ إننا نعرف بعضنا البعض جيداً.

-قلتَ: ” عندما أكتب رواية، فإن الواقعية والخيال يمتزجان معاً. إن الأمر ليس وكأنني أضع خطة وأتبعها عند الكتابة، لكنني كلما حاولت أن أكتب عن الواقع بأسلوب واقعي، كلما ظهر العالم الخيالي بثبات أكثر. بالنسبة لي، الرواية كالحفلة. أي شخص يود المجيء يمكنه ذلك، وأي شخص يود المغادرة بإمكانه المغادرة وقتما شاء.”
إذاً، كيف تدعو الأشخاص والأشياء إلى هذه الحفلة؟ أو كيف تصل الى مكان عندما تكتب حيث يمكنهم المجيء بدون دعوة؟

-يخبرني القراء عادةً بأن هنالك عالما غير حقيقي (خيالي) في أعمالي – إذ يذهب بطل الرواية إلى ذلك العالم ثم يعود بعدها إلى العالم الحقيقي.
لكني لا استطيع رؤية الحدود بين العالم الخيالي والعالم الواقعي. لذا، في كثير من الأحيان، يمتزجان معاً. في اليابان، أظن بأن ذلك العالم الآخر قريب جداً من واقعنا، وإذا فكرنا بالذهاب إلى الجانب الآخر فإن الأمر ليس بتلك الصعوبة. لدي إنطباع بأن في العالم الغربي ليس من السهل الذهاب إلى الجانب الآخر؛ عليك أن تمر ببعض المحاولات حتى تصل الى ذلك العالم. لكن، في اليابان، إذا أردت الذهاب الى هناك، يمكنك ذلك. لذا في قصصي، إذا نزلت إلى قاع البئر، فإن هنالك عالما آخرا. ولا يمكنك بالضرورة معرفة الفرق بين العالمين.

-الجانب الآخر عادةً هو مكان مظلم؟
-ليس بالضرورة، إن الأمر أقرب إلى الفضول. إذا كان هنالك باب وكان بإستطاعتك فتحه ودخول ذلك المكان الآخر، فإنك ستفعل. إنه فضول فحسب. ماذا يوجد في الداخل ؟ ماذا يوجد هناك ؟ لذا فإن ذلك ما أفعله كل يوم.
عندما أكتب رواية، أستيقظ في حوالي الساعة الرابعة صباحاً وأذهب الى طاولتي وحينها ابدأ العمل. هذا يحدث في العالم الواقعي. أشرب قهوة حقيقية . لكن، ما إن أبدأ الكتابة، فإني انتقل الى مكان آخر . افتح الباب ، ادلف الى ذلك المكان ، وارى ماذا يحدث هناك . لا أعلم -أو لا أهتم- إذا كان ذلك العالم حقيقي أم خيالي. حينما أركز في الكتابة، أتعمق أكثر فأكثر في نوع من العوالم الخفية .
حينما أكتب، أُقابل أشياء غريبة هناك. لكن عندما أنظر إليهم يبدون طبيعيين في نظري. وإذا كان هنالك ظلام. فإن هذا الظلام يحبو الي، ربما حاملاً بعض الرسائل، هل تعلمين ؟ أنا أحاول فهم تلك الرسائل. لذا أنظر في ذلك العالم وأصف ما أشاهده، وبعد ذلك أعود إلى الواقع .
العودة مهمة جداً، اذا كنت لا تستطيع الرجوع فإن الأمر مخيف. لكنني خبير، لذا بإمكاني العودة.

-وهل تجلب تلك الأشياء معك (أي إلى الواقع)؟
كلا، سيكون الأمر مخيفاً. إني أترك كل شيء حيث هو. إنني شخص عادي جداً عندما لا أكتب. أحترم الروتين اليومي. أستيقظ مبكراً عند الصباح. وأذهب للنوم في حوالي الساعة التاسعة، إلا إذا كانت هناك مباراة للعبة البيسبول. كما أني أمارس الركض والسباحة.
أنا شخص عادي جداً. لذا حين أمشي في الشارع ويراني شخص ما ويقول “عذراً، السيد موراكامي، سعدت بلقائك،” أشعر بغرابة. لست شيئاً مميزاً. لماذا هو سعيد بلقائي؟ لكنني أظن بأني حينما أكتب أكون مميزاً على نحوٍ ما -أو على الأقل غريبا-.

-لقد أخبرتني القصة عدة مرات مسبقاً عن كيف أنك منذ أربعين سنة مضت، خطر لك فجأة حين كنت في مباراة للعبة البيسبول أنك تستطيع كتابة رواية، بالرغم من أنك لم تكن قد حاولت حتى الكتابة قبل ذلك الوقت. وقلت في مذكراتك: “ما الذي أتحدث عنه حينما أتحدث عن الركض،” “بدا الأمر وكأن شيئاً ما رفرف الى الأسفل نازلاً من السماء ثم قمت بدوري بإلتقاطه بين ذراعي” وهذا الشيء كان هذه القدرة على الكتابة -اأو ربما فكرة بأن باستطاعتك المحاولة.
إذا كنت عادياً جداً حسب قولك، فلماذا برأيك أنها أتت إليك، ومن أين؟

كانت أشبه بلحظة وعي أو إدراك.
إني أحب البيسبول، وأذهب إلى الملعب عادةً. وفي عام 1978، حينما كنت في التاسعة والعشرين من عمري، ذهبت إلى ملعب البيسبول في طوكيو لأرى فريقي المفضل (ياكولت سوالوز). كان يوم الافتتاح ويوماً مشمساً جداً. وحينما كنت أشاهد المباراة أتاني الشعور بأني أستطيع الكتابة.
ربما كنت قد أكثرت من الشرب -لا أعلم- لكن الأمر بدا كما لو أنني في تلك اللحظة قد أتاني نوع من الإدراك. لم أكن قد كتبت أي شيء قبل ذلك اطلاقاً. كنت أملك نادي جاز، و منشغلاً جداً بصنع الكوكتيلات والسندويشات، أجيد صنع السندويشات جيداً! لكن بعد تلك المباراة ذهبت إلى محل الأدوات المكتبية واشتريت بعض الأدوات، وبعدها شرعت بالكتابة ثم أصبحت كاتباً.

-قلت بأن كتابة أول كتابين لك كانت سهلة جداً، ثم أصبح الأمر أكثر صعوبة قليلاً. ما الذي تعاني منه؟

عندما كتبت هذين الكتابين -“اسمع غناء الريح” و”بينبال 1973″ – وجدت أنه من السهل علي أن أكتب، لكني لم أكن راضياً عنهما. ولا زلت غير راضٍ. أصبحت طَموحاً أكثر بعد كتابتي لهذين الكتابين.
كتبت رواية “مطاردة الخراف الجامحة ” وهي روايتي الطويلة الأولى (الكتابان الآخران كانا أشبه بأقصوصة)، استغرق الأمر مني وقتاً طويلاً، ثلاث أو أربع سنوات حسبما أذكر، وكان علي أن أبذل مجهوداً كبيراً حتى خرج الأمر بتلك الشاكلة. لذا أظن بأن هذه الرواية كانت نقطة انطلاقي في مهنتي الحقيقية.
إذ كتبت كتبي الثلاث الأولى حينما كنت لا أزال أعمل كمالك لنادي جاز.كنت أنتهي من عملي في حوالي الثانية صباحاً وبعدها أجلس لأكتب على طاولة المطبخ، كان هذا كثيراً علي.
قررت بعد أول كتابين أن أبيع النادي وأتفرغ للعمل في الكتابة. لكن نادي الجاز كان بأحسن حال ونصحني الجميع بأن لا أبيعه.

كتابي هاروكي “بينبال 1973″ و”اسمع غناء الريح” في حلتهم المترجمة للإنجليزية

هل يمر عليك يوم حيث لا تعلم ما الذي سيحدث لاحقاً؟ إذ تجلس ولا تستطيع الكتابة في ذلك اليوم؟

لم أشهد أمراً كهذا من قبل. حالما أجلس على طاولتي، أعرف بطبيعة الحال ما الذي سيحدث لاحقاً. وإذا كنت لا أعرف، أو لا أريد كتابة شيء ما، فإني لا أكتبه. دائما ما تطلب مني المجلات أن أكتب شيئا ما، ودائماً أجيب بالرفض. إني أكتب في الوقت الذي أريده، والمحتوى الذي أرغب فيه وبالطريقة التي تعجبني.

هل تظن بأنك تنسج حبكاتك في منامك؟

-كلا، لا أظن ذلك. أنا لا أحلم. القصص هي قصص والحلم هو حلم. وبالنسبة لي، الكتابة ذاتها تشبه الحلم.
حينما أكتب، بإمكاني أن أحلم. يمكنني أن أبدأ وأتوقف واستكمل في اليوم التالي حسب اختياري. عندما تكون نائماً ومستغرقاً في حلم جميل، مع شريحة لحم كبيرة أو شراب لذيذ أو فتاة جميلة، ومن ثم تستيقظ حينها تختفي هذه الأشياء كلها. لكني أستطيع أن أكمل في اليوم التالي!

-قلت في إحدى المرات أن حلم حياتك كان الجلوس في قاع بئر. ولديك عدد من الشخصيات التي تفعل ذلك الشيء بالضبط. هنالك شخصية في رواية “مقتل قائد الفرسان” -مينشيكي- تفعل الأمر. لماذا؟

-أحب الآبار كثيراً، والثلاجات، والفيلة. يوجد الكثير من الأشياء التي أحبها. حينما أكتب عن تلك الأشياء، أكون في غاية السعادة. عندما كنت طفلاً، كان هنالك بئر في منزلي، وكنت أنظر دائماً إلى أسفله، ونمت مخيلتي.
هنالك قصة قصيرة لريموند كارفر، حول السقوط في بئر جاف. أحببت تلك القصة للغاية.

هل سبق وأن حاولت النزول الى أسفل بئر؟

كلا، كلا، كلا. الأمر خطير جداً كما تعلمين. فعلتها في مخيلتي فقط.
أحب الكهوف أيضاً. عندما أسافر حول العالم وأرى كهفا، أدخل ذلك الكهف. كما أني لا أحب المرتفعات. إنني مهتم جدا بالعالم السفلي.

-قلت في إحدى مقابلاتك منذ سنين قليلة مضت بأن القوة الدافعة لقصصك كانت “الاختفاء والبحث والعثور” هل تعتقد بأن هذا لا يزال صحيحاً؟

نعم. إنها الفكرة الرئيسية لرواياتي. فقدان شيء ما والبحث عنه ثم العثور عليه. غالباً ما تبحث شخصيّاتي عن شيء ما قد فُقد. أحياناً تكون فتاة، وأحياناً أُخرى يكون سبب أو غرض. لكنهم يبحثون عن شيء مهم و معقد تم فقدانه. لكن حينما تجده الشخصية، سيكون هناك نوع من خيبة الأمل. لا أعلم لماذا، لكنه نوع من المجاز في رواياتي -البحث عن شيء ثم العثور عليه، لكنها ليست نهاية سعيدة.

-عادةً ما يكون الرجال الذين تكتب عنهم ضائعين بطريقة ما عاطفياً أو وجودياً. لا يبدون وكأنهم ينتمون إلى مكان ما في العالم.

كما تعلمين، إذا كان بطل الرواية سعيداً، فلن تكون هنالك قصة اطلاقاً.

-تتمحور رواياتك عادةً حول لغز. تحل اللغز أحياناً وتتركه بدون حل في أحيانٍ أُخرى. هل ذلك لإنك تحب أن تترك النهايات مفتوحة للقارئ، أو لأنك أنت نفسك لا تكون دائماً متأكدا من الحل؟

Résultat de recherche d'images pour "haruki murakami and hi wife"
هاروكي يحمل روايته 1Q84

عندما أنشر كتابا خياليا، يتصل بي بعض الأصدقاء أحياناً ويسألونني، ما الذي يحدث لاحقاً؟” وأجيب:”هذه نهاية القصة.” لكن الناس يتوقعون تتمة. بعد نشري لرواية “IQ84” فهمت كل شيء سيحدث لاحقاً. كان بإمكاني كتابة تتمة، لكني لم أفعل. فكرت بأن الأمر ربما سيشبه فيلم “جوراسيك بارك ٤” أو “داي هارد ٨”. لذا احتفظت بتلك التتمة لنفسي واستمتعت بها كثيراً.

-هل تظن بأنك ستكتبها في يوم ما؟
-لا أظن ذلك. أعتقد أنها ستبقى في ذاكرتي. بطل التتمة هي ابنة تينكو في عمر السادسة عشر. إنها قصة ممتعة جداً.
-إذاً فهي ليست ” داي هارد ٨” !
وهناك بادئة للكتاب قبله.
-في ذاكرتك فقط؟
نعم.

-هل تظن بأن أسلوبك يبقى كما هو في الترجمة؟

-نعم. لا أعلم لماذا، لكن عندما أقرأ كتبي بالإنكليزية، أقول نعم هذا أنا. الإيقاعات، أسلوب النثر هي نفسها -تقريباً نفسها.

-أنت نفسك مترجم. لقد ترجمت لـ فرنسيس سكوت فيتسجيرالد وترومان كابوت وريموند كارفر وآخرين لليابانية؛ والآن تترجم لـ جون تشيفر. مالذي شدك للكتاب الذين تترجم لهم؟

الأمر وببساطة أني أترجم ما أحب أن أقرأ. لقد ترجمت كل روايات ريموند تشاندلير. أحب أسلوبه جداً. لقد قرأت “الوداع الطويل” خمس أو ست مرات.

-درس كلا والديك الأدب. هل كانا سعيدين بتوجهك للكتابة؟ هل كانا يودان منك أن تصبح مهندساً أو طبيباً؟

لا أظن هذا. لا أعلم ما الذي توقعاه مني.

-بعد أن نشرت رواية “كافكا على الشاطئ” كان لديك موقع الكتروني حيث يمكن للناس من خلاله أن يسألوا أسئلة حول الرواية أو يخبرونك بنظرياتهم حولها – واستجبت لبعض الأسئلة. لماذا فعلت ذلك؟ لماذا مع هذا الكتاب بالذات؟

كنت أشعر بالفضول. كان موجوداً لمدة محدودة، لكني استقبلت الكثير من الرسائل، لا أتذكر العدد بالضبط – ربما ثلاثون ألفاً – لكني قرأتها كلها حتى آلمتني عيناي! وأجبت ربما حوالي ثلاثة آلاف رسالة. كان عملاً صعباً، لكنني أظن بأنّي حصلت على فكرة غامضة حيال نوعية الناس التي تقرأ كتبي، وماذا كان رأيهم حيال عملي.
سأل بعضهم أسئلة غبية. سألني أحدهم عن مخالب الحبّار؛ للحبّار عشر مخالب، وأراد أن يعرف إذا كانت هذه المخالب أيادي أم أقدام .
لماذا سألني سؤالا كهذا؟ وإجابتي كانت: ضع عشر جوارب وعشر قفازات بجانب سرير الحبّار. فإنه عندما يستيقظ إما سيختار القفازات أو الجوارب وحينها ستعرف الإجابة.
لا أعلم إذا كان الحبار ينام على سرير أم لا …
لكنني استمتعت بمعظم الأسئلة.

-إنه خيال يمكنك نسجه. لكن ماذا لو كان صحيحاً؟ إذا كنا نعرف بأنك تحب القطط، على سبيل المثال، هل سيمكّننا الأمر من فهم أعمالك على نحوٍ أفضل؟
-اسألي زوجتي !

هاروكي موراكامي وزوجته
هاروكي مع زوجته السيدة يوكو تاكاهاشي

-هل تفهم زوجتك أعمالك على نحوٍ أفضل لأنها تعرفك؟
لا أعلم. تقول بأني لست كاتبها المفضّل. لكنها دائماً تنتقد أعمالي بجدية. إنها أولى قُرائي، لذا فإنّي حينما أنتهي من الكتابة أمرّر لها المخطوطة، وتقرأها ثم تعيد لي مسودة بمئات الملاحظات (أكره تلك الملاحظات جداً)، وتقول “عليك إعادة كتابة هذه الأجزاء!”

-إذا طلبت منك إعادة الكتابة، هل تنفذ ما تقول؟
نعم ، ثم أعيده إليها، وبدورها تعيده إلي مع مئة ملاحظة -أقل من المرة السابقة-، هذا جيّد.

المصدر: جريدة النيويوركر

تدقيق لغوي: بشرى بوخالفي
مراجعة: عمر دريوش

الصورة الافتراضية
سماح صلاح
طالبة ترجمة، مهتمة بالأدب وعلم النفس.
المقالات: 36