مراجعة رواية (حَمَامُ الدّار) لسعود السنعوسي

بطاقة فنية عن الكتاب:

عنوان الرواية: حمام الدار (أُحجيةُ ابن أزرق)

الكاتب: سعود السنعوسي

عدد الصفحات: 180

الطبعة الأولى: 2017م

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون

بطاقة تعريفية بالكاتب:

سعود السنعوسي. كاتب وروائي كويتي، عضو رابطة الأدباء في الكويت وجمعية الصحفيين الكويتيين. فاز عام 2013م بالجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها السادسة عن روايته (ساق البامبو) التي حصدت جائزة الدولة التشجيعية في دولة الكويت عام 2012م. وقد سبق أن نشر قصة (البونساي والرجل العجوز) التي حصلت على المركز الأول في مسابقة القصص القصيرة التي تجريها مجلة العربي الكويتية بالتعاون مع بي بي سي العربية. أصدر روايته الأولى (سجين المرايا) عام 2010م، وقد فازت بجائزة ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية في دورتها الرابعة. كما أصدر رواية (فئران أمي حصة) التي تتناول موضوع الطائفية في الكويت وقد مُنعت الرواية لاحقًا من قِبَل الجهاز الرقابي في بلد الكاتب.

تُرجمَت بعض أعماله إلى الإنجليزية والإيطالية والفارسية والتركية والصينية والكورية والرومانية.

عن الرواية:

كلُّ من عاش في الدّارِ يصيرُ من أهلها؛ حمَامُ الدَّار لا يَغيب، وأفعى الدَّار لا تَخون.

تلك تعويذةُ الرّواية التي أطلقها الكاتب في كلّ الفصول تقريبًا، وجعل الشخصيات تتناقلها ما بين مؤمنٍ بها أو كافر.

هي قصة مؤلفٍ يكتب قصة مؤلفٍ آخر ويُسقِط عليه معاناته وعُقَده العديدة، وحالاته النفسية، لكنّه يعجز عن اختيار النهاية المناسبة لروايته، وتصيبه حالة من العجز عن التأليف والكتابة، مما يضطره لاستحضار “ساعة تأمّل” يستدعي فيها شخصياته، ويُجري حوارًا بينها للوصول لنهاية مُرضية، ونسج أحداث تُكمل الرواية، فهل يتحقق له ذلك أم سيكون مصير نَصّه المكتوب أن يُلقى في الدُّرج السفلي، كباقي الكتابات التي فشل في إتمامها؟!

الرواية تنقسم إلى قِسمين رئيسيين:

الأول، هو “العهد القديم” تضمّن صباحات عِرزال بن أزرق، عنوانُه: “نصٌّ لقيط“؛ لأنه ولد بغير فكرة، وهو نص جرى في عقل الكاتب، ولكنه عجز عن إتمامِه ووَضعِ النهاية التي تناسبه. هو عبارة عن خمسة صباحات متتالية لـ عرزال بن أزرق، وهذا الأخير كهلٌ مُضطرِب مُمل رتيب، يصحو كل يوم على جزء من كابوس متقطع غير مفهوم، ثم يقضي بقية يومه في متابعة الحمامات الغاديات والرائحات من نافذة غرفته المُطّلة على البحر، يطلق عليها أسماء مختلفة، وينسج لها قصصًا متنوعة.

ذلك النص الذي سرعان ما يجده القارئ أحجية تحتاج لحل، ورموزًا تستدعي فك شيفرتها لفهم الرواية.
عرزال الذي كان اللون الأزرق في حياته يعني الفقد والخوف والغياب، فوصفه الكاتب قائلًا:

هو يَمقت الأزرق. يمقتهُ بَحرًا، يمقته سماءً، ويمقته أبًا. تُربكه الألوان في ذاكرتِه منذ أصبح لكل لونٍ حدثٌ يلازِمه. وحده الرَّماديّ يُشبهه، لونٌ لا لونَ له وَلا ذاكرة. يُشبهُ تمثالًا صارَه بإرادتِه، لونُ النهايات، لونُ الدّخان والرّماد وحُطام البيوتِ والرُّفاة، لونُ العَدَم.

أمّا النص الثاني، “العهد الجديد” فقد تناول صباحات (مِنوال بن أزرق)، وعنوانه: “نصٌّ نَسيب“؛ لانتسابه لفكرة معينة.

يتحدث فيه عن صباحات مِنوال التي تشبه صباحات عِرزال كثيرًا، لكن هذا النصّ تضمّن فكّ الأحجية، وحل ألغازِها واحدًا تلو الآخر، بل إنّ العبارات المفتاحية ذات الدلالة -التي كانت تتصدر كل فقرة في الأحجية التي تمّت في النص اللقيط– تتكرر ذاتها في النص النسيب، لكن الفقرات في النص الأخير أكثر تفسيرًا وتوضيحًا وتمحيصًا! 

كما يفصل بين القسمين فصل خارج النص، ويدور أثناء ساعة تأمل الكاتب، وهو عبارة عن حوار بين شخصيات الرواية الرئيسية، تكشِف فيه بعض رموزها وتفاجئ القارئ بتفسيرات عديدة، كما تتمرد الشخصيات فيه على كاتبها، وتتفاعل مع مؤلفها.

تناولت الرواية موضوعات الفقد والغياب والوحدة وآثارها، الشك واليقين، الخوف والأمان، الوجود والعدم.
الحوار كان معظمُه داخليًا، وهذا يناسب الحالة النفسية للبطل الذي يعاني الوحدة والاكتئاب والفقد.
اللغة فصيحة جزلة، والكلمات مدقَّقة ومُشكّلة، وهذا يتناسب تمامًا مع شخصية البطل وعمله؛ فهو مؤلف له أعمال أدبية وفنية ناجحة خلال مشواره الأدبيّ الذي يقارب ثلاثين عامًا.
أما الأسلوب فيخرج عن أسلوب الرواية التقليدية المعتاد، وهو سهل ممتنع يحمل رمزية عالية، يوجهه الكاتب للقارئ الصبور ويُشركه معه في حل أحجيته العجيبة، فيفك رموزها شيئًا فشيئًا، حتى تتضح له الصورة، رغم تعمّد الكاتب عدم تقديم الأحداث جاهزة للقارئ، بل يترك له فسحة للتفكير والتأمل والاستنتاج.
اعتمد الكاتب أيضاً على عامل الاسترجاع في أحداث روايته. وتنوّعت الفصول بين أحداث جَرَت في الماضي البعيد، والماضي القريب، وبين ماضٍ وحاضر.

بالإضافة إلى العديد من اللوحات التشكيلية التي زينت فصول الرواية وزادتها ثراءً، ومنحتها لمسةً الجمالية، وكأنها تدعم شخصية البطل الفنّان!

أبدع الكاتب في اختيار أسماء شخصياته الرئيسية، فرغم غرابتها إلا أنها وصفت أصحابها بدقة؛ فمِن معاني عِرزال: موضع يتخذه النّاطور فوق أطراف النّخل والشّجر، يكون فيه فرارًا وخوفًا من الأسد، وسيُدهش القارئ حين يتعرف على الرابط العجيب بين شخصية عِرزال الهارب من أزرق، والناطر للحمام الغادي والرائح!
 أزرق: بالإضافة لعلاقته بلون السماء والبحر، فله علاقة بالمؤثرات التي ترمز للقوى الخارقة كالجنّي، ومن دلالاته النفسية الوحدة والانطواء.

و”منوال” كذلك سواء، كان معناه “الحائك نفسه” أم المتكرر الموتور. 
أمّا “بصيرة” العجوز الضريرة، فلا يحتاج اسمها لتفسير؛ فهي تدل على الإيمان واليقين وقوة الإدراك، وإن كان القارئ شديد الملاحظة؛ سيفهم دلالة موت تلك العجوز، وتوقيت موتها.

ما يؤخذ على الرواية:

الطابع السردي فيه بعض الملل والتكرار، والتأويلات المختلفة لبعض معاني الرواية؛ مما يجعلها غير مفهومة لجميع القرّاء أو فهمها بشكل خاطئ.

ملاحظة أخيرة للقارئ:

تحتاج لقراءة الرواية أكثر من مرة، وإن لم تكن من هواة حل الألغاز، فيمكنك أن تقرأ يوميات (عِرزال) و(مِنوال) في آنٍ واحد، فتبدأ بأحجية عِرزال، ثم تقرأ تفسير الأحجية في يوميات (منوال) دون أن تسعى لإيجاد الحلول.

إعداد: آية الشاعر & ماريا حسام

تدقيق لغوي: كرنيف ربيحة.

الصورة الافتراضية
آية الشاعر
المقالات: 15