حوارٌ مع «دان براون».. ورواية «ملائكة وشياطين»

-استوحيت فكرة رواية «ملائكة وشياطين» من موقع غريب، هل لكَ أن تحدّثنا عمّا حصل؟

    في الواقع، لقد كنت بمدينة الفاتيكان ضمن جولة سياحية داخل ممر il passetto، وهو ممر تحت أرضيّ استعمله الباباوات للفرار من هجمات أعدائهم. ووفقاً لما قاله المرشد السياحي، فإن الأخويّة السّرية المعروفة بالمتنوّرين أو الطّبقة المستنيرة كانت من أخوف أعداء الفاتيكان، وهي جماعة العلماء الطّبيعيين الأوائل الذين تعاهدوا على الانتقام من الفاتيكان؛ لأجل الجرائم التي ارتكبت في حقّ علماء سابقين مثل غاليليو وكوبرنيكوس.

لقد كنت منبهراً بصورة هذه الأخوية السّرية المعادية للدين والتي كانت تختبئ داخل سراديب روما العميقة. وحين أضاف المرشد أن العديد من المؤرخين المعاصرين يعتقدون أن الطبقة المستنيرة لا تزال واحدة من أرسخ القوى المخفية النّشطة التي تتحكم في مجرى السياسة العالمية، علمت أنه لا بدّ أن أكتب رواية حول الطبقة المستنيرة.

-لماذا لا يعلم معظمنا شيئا عن هذا السرّ؟ عن أخويّة الطّبقة المستنيرة؟

      لأنّ المنظمات السرية مثل الطبقة المستنيرة تعتمد وسائل عديدة لتبقي على سريتها. ورغم كلّ التقارير الاستخباراتية التي أنجزت حولها، فإن ما ينشرُ منها هو القليل فقط. تشمل هذه الوسائل، حسب ما تزعم نظريات المؤامرة، التّسلل إلى البرلمان الإنجليزي والخزينة الأمريكية، المعاهدات السّرية مع جماعة البنائين الأحرار (الماسونيين)، التورّط مع طوائف ذات طقوس شيطانية، وخطط لإقامة نظام عالمي جديد؛ وذلك لحفظ عهدهم القديم السّاعي لتدمير الفاتيكان.

إن فرز الحقائق المتعلقة بهذه الطبقة عن كلّ هذه الخيالات عمليةٌ معقدة نظرا لكمية المعلومات المغالطة التي ينشرها أفرادها أنفسهم بهدف التشويش على المعلومات الحقيقية التي قد تظهر على السطح. تعرف تقنية الإخفاء هذه بـ “بذر المعلومات” وهي تستعمل عادة من طرف أجهزة المخابرات الأمريكية.  

– اشتملت رواية «ملائكة وشياطين» عناصر صورية غير عادية، لم يسبق أن استعملت من قبل في روايات الخيال. ماذا يمكن أن تخبرنا عنها؟

  آه نعم، إنها الرموز المتناظرة (ambigrams). كتب إليّ الكثيرون يسألونني كيف ظهرت هذه الرّموز. إنها تقنية فنّية قديمة لكتابة كلمات لكي تُقرأ بشكل متناظر عند إدارتها بزاوية 180 درجة، ظهرت بشكل ملفت للنظر في ألغاز الرّواية. إنها رموز مشوّشة بالفعل لمن يراها لأوّل مرّة، وأعتقد أن أغلب من رأى غلاف الرواية، قد تمعّن فيه بدهشة لدقائق وهو يديره بين يديه.

حسنًا، سأقول أنه سواءٌ أكنت من محبّي روايات التّشويق أم لا، فإن مجرّد لمحةٍ لغلاف الرّواية ستدفعك نحو جولةٍ بين رفوف أقرب متجرٍ للكتب.

– انطلقت أحداث الرواية من مركز سيرن السّويسري للأبحاث العلمية، هل يمكن أن تحدّثنا عنه؟

   تعتبر منظمة سيرن (CERN–Conseil Européen pour la Recherche Nucléaire- المنظمة الأوروبية للأبحاث النّووية) أكبر منشأة للأبحاث العلمية في العالم. تقع في جنيف بسويسرا، وتجمع بين أكثر من 3 آلاف باحثٍ من خيرة الباحثين في العالم. يضمّ المركز أضخم مصادم نوويّ قابعٍ في نفقٍ بعمق 175 مترٍ تحت الأرض، ويمتدّ عبر 27 كيلومتر إلى غاية الحدود الفرنسيّة. وعكس ما هو متوقّع، فإن اختراع شبكة الإنترنت العالميّة كان داخل جدران مركز سيرن. لقد نوّهت بالفعل إلى هذا في بداية الرّواية، ويبدو أن الكثير من الأمريكيين سيتفاجؤون بالأمر! وبعيدًا عن الإنترنت، فإن أكبر شهرةٍ للمركز تحقّقت بفضل سبقه المذهل نحو تصنيع أكثر المواد تطايراً من بين كلّ ما عرفه الإنسان من قبل: المادة المضادة.

هذه المادة المضادة.. لعبت دورًا رئيسيُّا في سير أحداث الرّواية، وهي تبدو مخيفة فعلًا. هل هي حقيقيّة؟

   بالتّأكيد. المادة المضادة هي أعظم مصادر الطّاقة حاليّاً. فبينما لا تتجاوز فعالية الانشطار النّووي 1,5 %، تعتبر المادة المضادة فعّالة بنسبة كاملة 100 %، وأقوى مئة ألف مرّة من وقود الصّواريخ.

ولنبسّط الأمر، يمكن أن نتخيّل أن غراما واحدًا من هذه المادة يحتوي على طاقة عشرين ألف طنّ من القنابل الذريّة كتلك التي ألقيت على مدينة هيروشيما. تكمن خطورتها في أنها غير مستقرّة إطلاقاً، وأي تلامس بينها وبين المادة، بما فيها الهواء، يتسبّب بانفجارها مباشرة. وتتمّ عمليّة حفظها وتخزينها داخل أوعية مفرغة من الهواء، “معلّقة” بين قطبي حقل مغناطيسيّ.

فإذا انقطعت طاقة هذا الحقل، وسقطت المادة المضادة فإن ما سيحدث هو تحولّ كاملٌ وتفاعل بين المادة والمادة المضادّة”، يدعوه الفيزيائيون بـ “الإفناء”. حالياً، لا ينتج مركز سيرن غير كميات صغيرة من المادة المضادة لأغراض بحثية عن المصادر المستقبلية للطاقة. إنها مادة واعدة حقّا، فهي تنتج طاقة نظيفة وخالية من أي إشعاع، ويمكن لقطرة واحدة منها أن تمدّ مدينة نيويورك بالطاقة ليوم كامل. ومع تراجع أنشطة استغلال الوقود الأحفوري، فإن الآفاق الواعدة للتحكم بهذه المادة ستحدث تغييراً كبيراً في مستقبل الأرض، وذلك رغم كلّ الصّعوبات التي تطرح مخاوف عديدة. عما إذا كانت المادة المضادة ستنقذ الكوكب، أم أنها ستصبح أفتك الأسلحة التي صُنعت يوماً؟

هل حظيت فعلاً بلقاء مع البابا حين كنت تعمل على الرواية؟

نعم، رغم أنني لم أكن لأستعمل كلمة “لقاء”، فأنا لم أجلس مع الرّجل وأتناول كوبا من الشّاي. لقد كنت محظوظاً بما فيه الكفاية لأحضر لقاء نصف مفتوح مع البابا، في غرفة مخصصة داخل مدينة الفاتيكان. فقد دخل البابا وألقى خطابه أمام مجموعة صغيرة منا لنصف ساعة، ثمّ دعا لنا وباركنا.

أتذكر أنني لاحظت قبل دخولي إلى الغرفة، أن الحرس السويسري كانوا يفتشون الزائرين؛ بحثاً عن شيء آخر غير الأسلحة.. عن أوعية وأكواب للماء. ثمّ علمت فيما بعد أن أي ماء يتواجد داخل غرفة يتلو فيها البابا دعاءه يصبح “ماءً مقدّسًا”، وبالتأكيد فإن الكنيسة لن ترغب أبدا أن يستفيد الزائرون من ذلك ويبدؤون في تهريب هذا الماء وبيعه.

 ذكرت في الرواية شيئاً “عن هرم وعن عينٍ ترى كل شيء” على ظهر عملة الدولار. ما علاقة هذين الرمزين بالولايات المتحدة الأمريكية؟

لا توجد علاقة على الإطلاق، وهذا ما جعل ظهور هذين الرمزين في العملة النقدية للولايات الأمريكية أمراً غريباً. يعتبر الهرم رمزاً سحريّاً عند المصريين القادمين لتمثيل السّعي والتقارب نحو المصدر الأعلى للتنوّر. أما العين داخل المثلث فهي رمز وثني استخدمته الطبقة المستنيرة للدلالة على قدرتهم على التسلل ومراقبة كل شيء. بالإضافة إلى أن المثلث (حرف دلتا delta اليوناني) هو رمز للتغير والانتقال.

يعتقد الكثير من المؤرخين أن هذا المثلث المتألّق يعبّر عن رغبة الطبقة المستنيرة لتحقيق التنوّر والانتقال من خرافات الدين وأساطيره نحو الحقائق العلميّة. كما أن الاعتقاد بأن الختم الأمريكيّ العظيم قد تم اعتماده من طرف الطبقة المستنيرة، يؤيّد المعنى الذي يتبادر من عبارة ” Novus Ordo Seculorum ” (*) في إشارة إلى الدعوة لتبني نظام علمانيّ مدنيّ لا دينيّ.. وهذا ما يتعارض بشكل صارخ مع عبارة “نؤمن بالله”.

ولكن كيف وصلت هذه الرّموز السحرية إلى أقوى عملة نقديّة في العالم؟

لطالما كان وجود هذا الرّمز السحري على العملة مصدرًا للقلق بين علماء الرّموز المعاصرين. لقد تم تقديمه إلى الخزينة الأمريكية من طرف “تشارلز طومسون” في أربعينيات القرن العشرين، حين انتشرت الطبقة المستنيرة بشكل واسع في أمريكا وأصبحت على صلة بأخوية البنائين الأحرار.

كان الماسونيون حينها قد تمكنوا من مناصب رفيعة المقام داخل الحكومة. لقد كان نائب الرّئيس “هنري والاس” واحدًا منهم، ويعتقد معظم الباحثين أن “والاس” هو من قدّم تصميم ختم الدولة الأعظم للرئيس “فرانلكن روزفلت” وأقنعه باستعماله، سواءً أفعل ذلك بسبب انتمائه للطبقة المستنيرة أم تعاطفا معها فقط. في العادة، يحبّ مؤيّدو نظرية المؤامرة التّذكير بأن “فرانكلن روزفلت” كان ماسونيّا ذا درجة عالية، من أجل تفسير مقنعٍ لوجود هذه الرّموز على الورقة النّقدية.

– تناولت كلا من روايتي «الحصن الرّقمي» و«ملائكة وشياطين» تفاصيل عن مواضيع سرية؛ كوكالات التجسس، نظريات المؤامرة، التكنولوجيات السرية. كيف تستطيع الحصول على مصادر معلوماتك؟

   لقد كنت على الدّوام مندهشاً من كمية المعلومات “السرية” التي يمكنك الحصول عليها، فقط حين تعرف كيف تبدأ البحث. في الواقع، تعتبر وثيقة “قانون حرّية الوصول إلى المعلومات – The Freedom of Information Act” مصدراً عظيماً؛ لأنها تقودك إلى أشخاص مطّلعين ومتمكّنين في مجالاتهم، لا يُمانعون أن يجيبوا على أسئلتك.

بالطّبع، فإنّهم غالبًا ما يفضّلون أن تبقى أسماءهم مجهولة لأسباب مفهومةٍ تمامًا. بينما يحبّ آخرون، اعتماداً على ما حدّثوك عنه، أن يروا أسماءهم في الصّفحة الأولى من الرّواية. في غالب الأحيان، تتعلق عملية البحث بإيجاد مصادر موثوقة ومطبوعة. فقد اعتمدت، على سبيل المثال، في وصف التفاصيل المذكورة في “ملائكة وشياطين” عن الخلوة الانتخابية في الفاتيكان (طريقة نظم أوراق الاقتراع على شكل عِقد، خليط المواد الكيميائية المستعمل لحرق أوراق الاقتراع، ..) على كتاب نشره عالم يسوعيّ في جامعة هارفارد، قام بمحاورة أكثر من مئة كاردينال، وهذا ما لم أكن لأحظ بالوقت ولا بالفرصة لأقوم به.

– وُصفت حبكة الرّواية بأنها ” انتقامٌ عمره 400 سنة” هل يمكن أن تشرح لنا معنى هذا؟

   بالفعل. لأنّ موضوع الانتقام الذي تعاهد عليه أفراد الطبقة المستنيرة ضد الفاتيكان في القرن السابع عشر حقيقةٌ تاريخيّة. لقد قام الفاتيكان بنفي بعض المتنورّين الأوائل الذي عاشوا في عهد غاليليو من روما وقُتل الآخرون بوحشية. أمّا من تبقّى منهم، فقد هربوا إلى بافاريا بألمانيا واختلطوا مع بقية اللاجئين الذي فرّوا من عمليات التطهير الكاثوليكي: المتصوّفون، الخيميائيّون، العلماء، السّحرة، المسلمون واليهود.

فيما بعد، ظهرت جماعة أخرى مثّلت فكر التّنوير. وقد كانت طائفة وحشية، معادية للمسيحية، حصلت على قوة ونفوذ كبيرين تمكنت بهما من التسلل واختراق بنى قويّة. كما تميّزت بطقوس غامضة، وأسرار محفوظة يتعاهدون على حفظها إلى الموت، ومنها ذلك العهد القديم للانتقام من الكنيسة الكاثوليكية.

“ملائكة وشياطين” هي رواية عن الظهور المنتظر منذ أمد للطبقة المستنيرة والانتقام من مضطهديها.. ولكن، وبشكل أساسيّ، هي رواية عن عالم الرموز بجامعة هارفارد، روبرت لانغدون الذي وجد نفسه عالقاً في وسط هذا الكوم من الألغاز.

– تناولت روايتك السّؤال عما إذا كانت التكنولوجيا ستنقذنا أم ستدمّرنا. ماذا تعتقد أنت؟

   أنا أؤمن أن العلم سينقذنا، رغم أنني أحاول أن أكون متفائلاً. من الواضح أن العلم يحمل إمكانيات مذهلة للتحكم في الأمراض، لاختراع وتصميم مصادر وقود وطعام جديدة، بل وحتى لاكتشاف عوالم أخرى.

لكن المشكلة تكمن في أن كل التكنولوجيا هي سلاح ذو حدين. فبينما يمكن للمركبات الفضائية أن تحمل معدات وآلات للسفر، فهي تستطيع أن تنقل أسلحة حربية فتاكة. كما يمكن للتقدم الطبي في مجال هندسة الجينات أن يبيد أمراضاً، أو يستعمل لإفناء الجنس البشري، فالسؤال لا يتعلق بقدرة العلم على مواكبة احتياجات الإنسان المتزايدة، ولكن عن النضج الكافي للفلسفة والأخلاق التي يمكن أن يصل إليهما الإنسان ليتمكّن من استيعاب حجم المسؤولية التي ترافق كل هذا التطوّر.

وصفت بعضاً من التجارب المثيرة للاهتمام في مركز سيرن، هل قاموا بها هناك فعلا؟

    نعم، تمامًا. وقد كانت النتائج مذهلة؛ ففي السنوات الأخيرة، وجد الباحثون أنفسهم أمام حقائق أجبرتهم على إعادة التفكير في مسلّماتهم حول الكون الذي نعيش فيه، في مجال الفيزياء والطبيعة، وحتى على مستوى الفلسفة والدين.

كانت بطلة الرّواية “فيتوريا فيترا” واحدة من علماء سيرن، متخصصة في “علم التشابك” عند الأحياء البحرية. يعتني هذا الحقل التخصصي بدراسة التواصل الداخلي بين الموجودات.

بلا شكّ، فإنّ العديد من التجارب البحرية التي ذُكرت في الرواية وقامت بها البطلة هي تجارب حقيقية أجريت في السنوات الأخيرة. وكما سيلاحظ كل من قرأ الرواية، فإن النتائج التي تحصّل عليها الباحثون مربكة حقًّا، لقد دفعت بعضاً منهم للاعتقاد أن العلم سيتوصّل يوما إلى إثبات وجود الله. على كلّ حالٍ، فإن العلماء قد بدأوا يعانون بالفعل من إلحاح بعضٍ من أعمق الأسئلة الروحية، تلك التي كانت دوماً من اختصاص رجال الدين. فالتحدي الآن أصبح في إيجاد جوابٍ لهذا السؤال المربك: العلم أو الدين؟

– كتبت روايات عن وكالات الاستخبارات، وعن الجماعات السرّية. هل تستهويك الأسرار إلى هذا الحدّ؟

   إنّها تستهوينا جميعاً، أليس كذلك؟ بالنسبة لي، فالكتابة عن المواضيع السرية تبقيني ملتزماً بمشروع الرواية الذي قد يمتدّ إلى عام كامل. لذلك، فأنا بحاجة لما يحفظ شغفي بما أكتب، والنبش داخل هذه الأسرار يزيدني شعوراً بمتعة التجسس على العوالم الخفية ويحمّسني لأكتب وأوفر للقارئ مثل هذه المتعة.

كتب إليّ الكثيرون بعد صدور رواية “الحصن الرّقمي” مندهشين لكون “وكالة الأمن القومي الأمريكية” منظمة حقيقيّة. كما بدأت في تلقّي رسائل إلكترونية مشابهة عن “ملائكة وشياطين”. يبدو أنّ الناس مصدومون باكتشاف تلك الحقائق عن أخوية الطبقة المستنيرة، عن تكنولوجيا المادة المضادة، وعن إجراءات الانتخابات البابوية في الفاتيكان. لطالما كان هدفي أن أجعل من شخصيات الرّواية وحبكتها عناصر جذّابة، تخفف من وطأة المعلومات التي يتلقاها القارئ كلّما تقدّم في الرواية.

– كشفت رواية «ملائكة وشياطين» جانبا مظلمًا من أسرار الفاتيكان، هل تخشى بعضا من تداعيات ذلك؟

   لابدّ من بعض الجدال الذي لا مفرّ منه، بالتّأكيد. ولكن من الضروري أن أؤكّد أن “ملائكة وشياطين” هي رواية إثارة، وقصة حب. وهي ليست كتاباً معادياً للكاثوليكية، ولا حتى كتاباً دينياً.

معظم أحداث الرواية جرت داخل أسوار الفاتيكان، هذا صحيح، كما أن بعضاً من المعلومات الحقيقية كانت صادمة؛ لكنني أعتقد أن النّاس يعلمون أن منظّمة بقوّة وعراقة الفاتيكان لم تكن لتصل إلى هذا النفوذ دون أن تخفي داخل أقبيتها بقايا من ضحايا الصّراع الذي دخلته عبر التاريخ. أعتقد أن سبب كل الضّجة التي سببتها الرّواية أنها كشفت بعضاً مما كان مخفياً بين جدران الفاتيكان، والذي لم يكن يعلم الناس بوجوده. في النهاية، لا شكّ عندي في أن الرواية حملت رسالة إيجابيّة للقرّاء.

– طرحت بعض الشخصيّات في الرّاوية مسائل أخلاقيّة، خاصّة ذلك الصّراع بين العلم والدين. برأيك، من الذي سيكسب المعركة؟

  إنّه سؤال معقّد حقاً، لأنني، ومن جوانب كثيرة، أرى العلم والدين شيئاً واحداً. كلّ منهما تعبير لسعي الإنسان لفهم المقدّس. فالدين يطوّر الأسئلة، بينما يسعى العلم لتطوير الجواب. إنني أرى أن العلم والدين لغتان تحكيان نفس القصّة، ومع ذلك لا يزال الصّراع قائماً بينهما منذ عقود. وليس الجدل القائم في المدارس بين تبنّي نظريّة الخلق أو نظريّة التطوّر الدّاروينية لتقديم الدّروس إلّا مثالا واضحًا على هذا.

إننا نعيش في عصر مذهل؛ لأننا ولأوّل مرة تمكنا من تقليص الجدار بين العلم والدّين. إذ لا يزال علماء فيزياء الجسيمات الذين يعملون على مستويات تحت ذريّة يشهدون اتّصالا حميمًا بين كلّ شيء وقد بدؤوا باختبار تجارب دينيّة شخصيّة. بينما أصبح الرهبان البوذيون يقرؤون في كتب الفيزياء عن تجارب تؤكّد ذلك الإيمان الذي يسكن قلوبهم والذي ظلّ مستعصياً عن التّكميم والحساب.

– ماذا بعد «ملائكة وشياطين»؟

  إنّني بصدد العمل على الرواية القادمة بالفعل. فبعد أن كتبت حول وكالة الأمن القومي، وأخوية الطبقة المستنيرة، وجدت نفسي مدفوعاً لأعمل حول مواضيع أكثر سرّية. فقد حالفني الحظّ حين اكتشفت وكالة استخباراتية أخرى أكثر تخفيا من وكالة الأمن القومي، ستكون موضوع الرواية القادمة. وإلى ذلك الحين، فليس لديّ غير الصّمت.


________________
(*): الترجمة الإنجليزية الصحيحة لعبارة ” Novus Ordo Seclorum” هي: ” New order of the ages ”  أي “نظامٌ جديدٌ للأزمان” وهو شعارٌ لاتينيّ وُضع في القرن الثامن عشر، بينما ظهرت عبارة “نظامٌ عالميّ جديد” باللغة الإنجليزية خلال القرن العشرين. ويبدو أن المؤلّف اختار أن يرجّح الترجمة الثانية للإشارة إلى نية التحول إلى النظام العلمانيّ. (المترجمة).

________________

المصدر الأصليّ للحوار: هنا
المراجع: 1

تدقيق لغوي: سماح قاسم

الصورة الافتراضية
أميرة بوسجيرة
مهندسة كيميائيّة.. شغوفةٌ باللّغة والأدب والتّرجمة
المقالات: 24