أصل المقدّسات والمحرمات

ما الذي يدفع الهندوس إلى تقديس البقر؟ ولماذا قام الأوربيون في العصور الوسطى بحرق الساحرات؟ ولماذا لا يأكل المسلمون واليهود لحم الخنزير؟ هل هناك تفسير عقلاني لكل هذا أم أنها مجرد مجموعة عادات ظهرت نتيجة لقلة المعرفة في ذلك الوقت وسيطرة الخرافات على العقل البشري، أم أنها تطبيق لأوامر إلهية لا يمكن للبشر إدراك الغاية منها؟

يجادل مارفين هاريس في كتابه “أبقار وخنازير وحروب وساحرات: ألغاز الثقافة”، أن الكثير من الأنماط الحياتية والثقافية الموجودة لدى بعض الشعوب، والتي قد تبدو غير عقلانية، ولا تستند على أي منطق، وتساهم في بعض الأحيان (حسب وجهة النظر الغربية) في عجز هذه الشعوب على التقدم، ليس لها تفسيرٌ منطقيٌّ وعقلانيٌّ فحسب، بل وساهمت في فترة ما في الحفاظ على هذه الشعوب من الزوال.

ومن أجل أن يثبت وجهة نظره، يقدم لنا هاريس الكثير من الحالات أو كما سماها هو ألغازا، تلك التي تبدو غريبة وشاذة على من يعيشون بعيدا عن هذه مجتمعات التي تتبنّاها، ومن ثَمّ ينطلق في دراسة وتقديم سبب منطقي لوجود هذه الحالات، والتي عند أخذها في نطاقها الحقيقي يظهر أنها تخدم غرضا حقيقيا ومهما، فالنمط الثقافي الغريب لمجتمع ما، إنما ظهر حسب هاريس للحماية من تهديد حقيقي.

البقرة الأم 

لا يجد المسلمون واليهود حرجا في أكل البقر، فيما يعتبر الهندوس قتل البقر من كبرى المحرمات والتي أدت لقيام مناوشات دامية بين المسلمين والهندوس في الهند، لكن في الوقت نفسه، لا يجد الهندوس حرجا في تربية وأكل لحم الخنزير، التفسير البديهي لهذا هو الاختلاف في الديانة، فالديانة الهندوسية تدعو لتقديس البقرة فيما الإسلام يعتبرها من الحيوانات التي يحل أكلها، لا ينكر هاريس دور كلتا الديانتين في هذا الاختلاف لكنّه يقدم تفسيرا إضافيا متعلقا بالمكان الذي نشأت وتطورت فيه كلتا الديانتين. 

في الفصل الأول من الكتاب المعنون بـ البقرة الأم، يوضح لنا هاريس الحد الذي قد يذهب إليه الهندوس في الدفاع عن معتقدهم بقدسية البقر، ووجوب حمايته من الذبح، خصوصا من الأقلية المسلمة التي تمثل 13% من سكان البلاد ولا تجد حرجا في تناول لحم البقر، فالهجماتُ على قرى المسلمين من أجل منع قتل الأبقار راسخةٌ في تاريخ الهند، وزادت حدة هذه الهجمات بعد اعتلاء نارندرا مودي الهندوسي المتشدد رئاسة الوزراء في الهند، ووفقا لمنظمة هيومن رايتس ووتش، بلغ عدد ضحايا هذه الحوادث 44 قتيلا. ومن هنا ينطلق هاريس لإيجاد تفسير منطقي حول ما يجعل البقر مقدسا لهذه الدرجة لدى الهندوس، والذي يجده في النظام الغذائي للمجتمع الذي نشأت فيه الديانة الهندوسية. إن المجتمع الهندي مجتمع زراعي بدرجة أولى، حيث يعتمد 60% من سكان الهند على الزراعة لتأمين عيشهم، وتعتبر البقرة مهمة جدا بالنسبة للمزارع الهندي؛ فهي توفر الحليب الذي يعتبر مصدر غذاء رئيسي للكثير من العائلات، وقد يكون بالنسبة للعائلات الفقيرة الغذاء الوحيد المتوفر، فيما يعتمدون على الثيران في حرث مزارعهم، حيث تعتبر الجرارات من الرفاهيات غير المتوفرة، ويعتمدون على الروث الذي تنتجه الأبقار إما كسماد طبيعي أو كوقود للطاقة بعد حرقه، أو حتى لتغطية الأرضيات الترابية كبديل رخيص للإسمنت، ومن هنا تأتي فكرة تقديس الهندوس لأبقارهم، فهي تقدم لهم الكثير وهي حية، أكثر مما قد يستفيدون به من خلال ذبحها والاستفادة من لحمها، فيما تربية البقر من أجل لحمه لا يعود بفائدة غذائية كبيرة على مجتمع يعيش على حافة الفقر، ويقدم هاريس مجمل خطر ذبح البقر بالنسبة للهندوس: 

يحتمل أن يكون التحريم الواقع على ذبح وأكل العجل نتاج اصطفاء طبيعي يتّفق وحجمَ الأجساد الصغيرة لسلالات الأبقار الدربانية وإمكان تعافيها المذهل. وقد يخاتل المزارعين في فترات الجفاف والمجاعة إغراء لا يُقاوم بقتل ماشيتهم أو بيعها، وهؤلاء الذين يخضعون لهذا الإغراء يحفرون قبورهم بأيديهم، فحتى إذا نجوا في تمرير فترة الجفاف ريثما تأتي الأمطار، فإنه لن يكون بمقدورهم حرث حقولهم، وكي أكون أكثر تشديدا: إن الذبح الجماعي للقطيع تحت وطأة المجاعة يشكل تهديدًا على الرفاه الكلي أشد هولًا من أي حساب خاطئ محتمل يجريه بعض المزارعون فيما يتعلق بجدوى حيواناتهم ضمن الأحوال العادية، إن المزارع يفضل أكل بقرته على أن يتضور جوعا لكن واقع الأمر أنه سيتضور جوعا إذا أكلها.

إن تحريم ذبح البقر (على عكس الاعتقاد الشائع، لا يعبد الهندوس البقر) في الديانة الهندوسية نابع من مصلحةٍ جماعيةٍ وحمايةٍ للفرد الهندوسي من أي حساب خاطئ قد يتخذه من أجل حماية عائلته من جوع مؤقت قد يندم عليه لاحقا.

محبو الخنزير وكارهوه 

في الفصل الثاني من الكتاب المعنون بـ محبو الخنزير وكارهوه، ينتقل هاريس لحيوان آخر معروف بتناقض علاقته مع البشر باختلاف المكان الذي يتواجدون فيه، فهو إما مجرد حيوان يُؤكل كما تؤكل باقي الحيوانات، أو حيوان مقدس تُعقد على شرفه أشهى الولائم، أو حيوان شديد البغض، أيّا كان موقفك من الخنزير يراهن هاريس أن لموقفك تفسيرا علميا بحتا ويخدم غرضا مهما في حماية النظام البيئي للمكان الذي نشأت فيه ديانتك.

في البداية ينفي هاريس أن يكون سبب تحريم أكل لحم الخنزير لدى المسلمين واليهود يعود للأمراض التي يمكن أن تتسبب فيها الخنازير، فالخراف والماعز والأبقار والدجاج تحمل أمراضا أشد فتكا بالإنسان من الأمراض التي قد تنقلها الخنازير للبشر، إنما تحريمه يأتي من البنية الجسدية للخنزير نفسه، فالخنزير على عكس باقي الحيوانات التي استأنسها سكان المنطقة، يحتاج لبيئة باردة ورطبة، فهو لا يمتلك نظاما للتعرق، ولا يمكنه التكيف مع الحرارة العالية للمنطقة، لذلك فهو يتطلب الكثير من المياه، والتي يعتبر موردا نادرا في هذه المنطقة من العالم، كما أنه غير مفيد من أي ناحية أخرى بالنسبة للبشر، فعلى عكس الأبقار التي يمكن الاستفادة منها في عدة نواحي، فالخنازير تنافس البشر على مواردهم الغذائية، فهي تحتاج لتناول غذاء مشابه لغذاء البشر، ولكنها لا تقدم أي فائدة سوى في لحومها، الشيء الذي يعتبر ترفا لا يمكن تحمله في منطقة قاسية بيئيا. إن تربية الخنازير في بيئة كهذه يستنزف قدرا عاليا من الموارد المهمة، ومن هنا يأتي دور التحريم الإلهي:

كما في تحريم أكل لحوم الأبقار، كلما ازداد الإغواء، تزداد الحاجة إلى تحريم إلهي. هذه العلاقة مقبولة على العموم من حيث أنها مناسبة لتفسير السبب في أن الديانة دائما ما كانت مهتمة بمكافحة الإغراءات الجنسية. وأنا هنا أقارب الأمر من جهة الطعام المغري، الأفضل أن تحظر استهلاك لحم الخنزير بشكل كلّي، وأن تركز على تربية الماعز والأغنام والأبقار. للخنازير مذاق لذيذ، لكن كان من المكلف للغاية أن تؤمّن لنفسها الطعام وتحافظ على برودة أجسامها.

لكن في منطقة أخرى من العالم، توجد قصة مختلفة تماما للخنزير:

 يتضمن حب الخنزير تربية الخنازير لتصبح من أفراد العائلة، ينامون إلى جوارها، يتحدثون إليها، يمسدونها ويلاطفونها وينادونها بالاسم، يقودونها بطوق العنق إلى الحقول، يبكون عندما تمرض أو يصيبها أذى، ويطعمونها أطايب الطعام عن مائدة العائلة. لكن بخلاف حب الهندوس للبقرة، يتضمن حب الخنزير أيضا التضحية به وتناوله في المناسبات الخاصة

هذه المنطقة هي غينيا الجديدة شمال أستراليا، وسكانها من قبيلة المارينغ (Maring)، ينقل لنا هاريس عن دراسة قام بها الباحث (روي رابابورت) من جامعة ميتشيغان الأمريكية وقدمها في كتابه خنازير للأسلاف: الشعائر في أوساط شعب غينيا الجديدة، تكلم فيها عن مهرجان يعرف باسم الكايكو (Kaiko)، يقام مرة كل اثني عشرة سنة، ولمدة سنة كاملة، تقوم فيه عشيرة من عشائر المارينغ بذبح العدد الأكبر من مجموع الخنازير التي جهدوا في تربيتها سنين طويلة، ومع انتهاء الكايكو تدخل في حرب مع العشائر المعادية والتي دائما ما تنتهي إما باكتساب أراضٍ جديدة أو فقدان أراضيها، وكإعلان لانتهاء الحرب وحلول السلام تقوم عشائر المارينغ بغرس نبتة الرمبيم في الأرض، وطالما كانت هذه النبتة موجودة على الأرض لا يمكن لهذه العشائر أن تتقاتل وتحل فترة سلام مدته اثنا عشرة سنة أخرى وحتى يُقتلع الرمبيم ويحل موعد كايكو آخر.

 يقدم هاريس تفسيرا لكل هذا، تفسيرا مرتبطا بالغذاء والنظام البيئي لغينيا الجديدة، فالغابة توفر منطقة رعوية ممتازة للخنازير، حيث يمكن للخنازير الاقتيات على كل ما توفره الغابة من أعشاب وجذور ونباتات وفواكه وحشرات وحتى قوارض وأسماك، بالإضافة إلى وفرة المياه والطقس البارد فتربية الخنازير تصبح أمرا استراتيجيا ونافعا حتى ويصبح التحريم الكلي للخنازير “أكثر الممارسات اللاعقلانية واللا اقتصادية”، وتعود حاجة المارينغ للخنزير لخلو نظامهم الغذائي من أي مصدر آخر للبروتين الحيواني، فلا وجود للحليب أو البيض أو الأجبان لديهم.

لكن النمو الكبير في عدد الخنازير سيهدد بمرور الوقت المصدر الغذائي للبشر، وهنا يأتي دور الكايكو في المساعدة على القضاء على هذا التهديد وإعادة عدد الخنازير لعدد معقول ومن ثم البدأ من جديد، ومن ثم تأتي الحرب من أجل تقليص عدد السكان، وعلى قدر ما يبدو الأمر من الوحشية، إن اثني عشرة سنة من السلام تؤدي لانفجار ديموغرافي هائل في منطقة ذات مساحة صغيرة بموارد محدودة، تدفع البشر للقيام بما يجيدون القيام به أكثر من أي شيء أخر، الحرب.

تدقيق لغوي: كرنيف ربيحة.



الصورة الافتراضية
Elaguab Oussama Bachir
المقالات: 0