هل يجب علينا التدخل لإبطاء عجلة التقدم التكنولوجي؟

تخيل أنك ترغب في الحصول على شهادة في مجال الأعمال، وبدأت في أخذ دروسٍ عبر الإنترنيت، حيث يتوجب عليك أن تشاهد محاضراتٍ على شكل فيديوهات ومن ثم تجيب على مجموعة من الأسئلة في نهاية كل فيديو.

لكن هذه ليست محاضرات تقليدية، وأنت لا تشاهد المحاضرات فقط، فهي تشاهدك بدورها أيضا، وفي كل مرة يعتقد فيها “نظام التعرف على الوجوه” أنك مشتت أو تشعر بالملل، يقوم بتسجيل ملاحظةٍ بذلك. وبعد نهاية كل محاضرة تكون كل الأسئلة منحصرة على ما ورد في أثناء هذه اللحظات بالذات!

في الواقع هذا ليس مجرد نظام افتراضي، إنما هو نظام حقيقي تقوم شركة “نستور” للذكاء الإصطناعي بنشره، فإذا شعرت بالانزعاج مما قد يقوم به النظام بخصائص كهذه، فأنت لست وحدك فهذا النظام لم يعجب الطلاب أيضًا.

عندما سَألتُ المستثمر الفرنسي “مارسيل سوسي” الرجل المسؤول عن تطوير هذا النظام، عمّا يشعر به الطلبة وهم يعرفون أنه تتم مراقبتهم أقر أن هذا الوضع لم يعجبهم، وتملكهم إحساس بأن خصوصيتهم قد انتُهكت وأنه يتم التجسس عليهم، لكنه أنكر أي سوء فعل من قِبله وقال: “الكل يقوم بهذا، إنه أمر جديد ومثير للصدمة لكن لا يمكننا أن نقف ضد قوانين التطور الطبيعية”.

كمراسلة صحفية تقوم بتغطية أخبار المستقبل والتكنولوجيا، دائما ما أسمع هذه الجملة حينما يحاول خبراء التكنولوجيا تفسير أعمالهم بإسقاط نظرية التطور لتشارلز داروين عليها.

يقولون لي أن هنالك تقدم دائم في مجال التكنولوجيا، وحركة أكبر من أي شخص أو مدير تنفيذي لشركة ما، وأنهم محاصرون في مد التقدم هذا ولا يمكنهم مقاومة الموجة، وأن هذا التقدم يدفعهم بشكل حتمي نحو “تقنية التعرف على الوجوه” و”السماعات الذكية” التي تقوم بتسجيل محادثاتك الحميمية وغيرها من التقنيات.

يقولون أنه لا يمكننا لوم هذه الشركات على تآكل الخصوصية أو الديمقراطية، أو الثقة في المؤسسات العمومية، كل هذا كان سيحدث عاجلاً أم آجلاً.

ويتساءلون “إلى متى سنتمكن من حبس الجني في الفانوس؟” ويجادلون أن شراء الناس لهذه الأشياء دليل على رغبتهم بها، فالشركات في هذه الحالة حسبهم تستجيب فقط لعملية “الانتقاء الطبيعي” التي يقوم بها المستهلكون، ولا أحد يجب أن يُلام، فهذا أمر “طبيعي” تماماً مثله مثل الجاذبية.

ربما لا يصرح أحد بهذا الاعتقاد بشكل أوضح من المخترع راي كورزويل في كتابه الصادر سنة 2005 بعنوان “التفرد قريب”: “إن التسارع المستمر للتكنولوجيا هو النتيجة الحتمية لما أسميه قانون العائدات المتسارعة، والذي يصف تسارع وتيرة ونمو تضاعفي بشكل أسي للمنتجات الناتجة عن عملية تطورية.”

في الحقيقة، عالمنا شُكِّل من قبل الناس الذين يقومون باتخاذ القرارات، وشركات التكنولوجيا تخضع لنفس المبدأ، الإدعاء بأن هذه الأجهزة هي نتاج لعملية تطور طبيعية، لا يعبر عن سوء فهم للطريقة التي يعمل بها التطور الطبيعي فحسب، بل يفترض أن كل شيء بدءاً بالأسلحة البيولوجية وانتهاءً بشركات ناشئة احتيالية كثيرانوس (شركة تقنية ادّعت القدرة على القيام بثورة في مجال سحب وتحليل الدم، قبل أن يفتضح أمرها كشركة احتيالية وتعلن إفلاسها) أمراً ضرورياً وحتى طبيعياً.

على الرغم من أن هذه الإبتكارات تتنوع وتختلف من الاختراعات الخطيرة للاختراعات السخيفة إلّا أنها تشترك في أمر واحد: لاشيء حولها “طبيعي”، لا توجد عملية طبيعية يمكن أن ينتج عنها مشط شعر ذكي، أو خفّ ذكي أو واقٍ ذكري ذكي أو محمصة خبز مزودة بتقنية البلوتوث أو عملة مشفرة إلكترونية من شركة آلات تصوير أو معطر جو موصول بالإنترنت.

التطور مقاربة خاطئة لتفسير التقدم التكنولوجي

رغبة خبراء التكنولوجيا في تشبيه عملهم بالتطور الطبيعي خاطئةٌ في جوهرها، فالتطور الطبيعي تدفعه الطفرات العشوائية ــ الأخطاء وليس المخططات ــ (على الرغم من أن بعض الاختراعات قد تكون بالفعل ناتجة عن حوادث عرضية لكن قرار شركة ما بتسجيل براءة اختراع هذه الإبتكارات وإنتاجها وتسويقها هو ناتج الرغبة وليس الخطأ) التطور الطبيعي لا يعقد اجتماعات حول السوق، البيئة المحيطة أو قاعدة الزبائن.

إنّ التطور الطبيعي لا يسجل براءات اختراعٍ أو يقوم بمجموعات دراسة، ولا ينفق ملايين الدولارات من أجل الضغط على الكونغرس لضمان أن خططه سوف تمر دون قيود.

في بعض الأحيان لا يمكننا إرجاع جني التكنولوجيا للفانوس، لكن يمكننا التدخل لضمان أن لا يتجاوز هذا الجني بعض القواعد والحدود.

هناك قوانين واضحة حول ما يمكن ولا يمكن للشركات القيام به في مجال الأسلحة البيولوجية. تضمن إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية اختبار الأدوية للتأكد من فعاليتها وسلامتها قبل بيعها، وتضمن وزارة الزراعة الأمريكية إجراء الأبحاث الغذائية الجديدة بعناية. لا نسمح لأي شخص بالتنقيب عن النفط أو إنشاء محطات للطاقة النووية في أي مكان يحلو له. لا نسمح لكل من هب ودبّ بتصنيع وبيع السّيارات أو الطائرات أو البنادق.

إذاُ فإن الإدّعاء بأن شركات التكنولوجيا لا يمكن تقييدها لمراعاة المصلحة العامة، هو كالادعاء أن هذه الشركات مغايرة تماماً عن نظيراتها في الصناعات الأخرى، وهم في واقع الحال متشابهون.

لماذا يستمر هذا الأمر في الحدوث؟

في نواحي عدة، حينما يلقي قطب التكنولوجيا الأمريكية باللوم في خياراته على بعض القواعد غير المكتوبة للابتكارات فهو ببساطة يحاكي القاعدة الأخلاقية التي قامت عليها الولايات المتحدة الأمريكية: التقدم بأي ثمن. لطالما رأى الرجال والنساء الذين احتلوا أمريكا التقدم كمسيرة مستمرة للأمام في كل الأوقات، لا يمكن التشكيك فيها أو إبطائها، كتب بنيامين فرانكلين (مخترع وأحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية): “التقدم السريع الذي يحققه العلم الآن يجعلني أندم أحيانا أنني ولدت قبل الأوان، إنه لمن المستحيل تخيل التقدم الذي يمكن أنه يحققه الإنسان في الألف سنة القادمة”.

محاولة إبطاء أو لا سمح الله عكس مسيرة التقدم هذه، تبدو غير أخلاقية للنسيج الذي بنيت عليه أمريكا، عندما يقول أنثوني ليفاندوفسكي المهندس السابق في شركة “أوبر “ما حدث سابقا لا يهم، لا تحتاج أن تعرف التاريخ لتبني على ما تم صنعه في الماضي، في التكنولوجيا كل ما يهم هو الغد فهو يردد ما نادى به الآباء المؤسسون للولايات المتحدة.

يقول لوك ستارك الباحث المختص بدراسة السلوك والحوسبة بمخبر مايكروسوفت مونتريال “هذه الحجج التي تقول بتفوق الشركات والتقدم التكنولوجي منغرسة في عمق العقل الأمريكي، إنها مرتبطة بما يسمى بالقدر الأمريكي، وأيضا بتاريخها الإستيطاني” العقلية السائدة هي أن لا مجال لنا سوى السير للأمام، وبعقيدة غربية بغض النظر عما يقف في طريقنا، العودة للوراء ليست خيارا.

حتى أولئك الذين يخشون من سيطرة كلّية للشركات يعتقدون أنه علينا نحن كمستهلكين أن نمضي قدما بشكل أسرع وأن نكون سباقين، بدل أن نقوم بإبطاء عجلة التقدم التكنولوجي، وفي مقابلة له مع مجلة التايم يقول المؤرخ وصاحب كتاب Sapiens: A Brief History of Humankind يوفال نوا هراري:” ما أحاول التركيز عليه ليس إيقاف التقدم التكنولوجي، بل محاولة الركض أسرع منه”.

هذا السباق المتعب واللانهائي هو ما يحرك سلوك المستهلك أيضًا، فعلى الرغم من أن “الحلم الأمريكي” – الأمن والسلامة والازدهار – يبتعد عن متناول الأمريكيين العاديين يوما بعد يوم، فإن الفكرة القائلة بأنهم سيتمكنون من تحقيقه عما قريب، فقط لو استمروا في المحاولة بما يكفي، تدفعهم لشراء هذه المنتجات.

يعتقد الناس أنهم لو امتلكوا أحدث التطبيقات فحياتهم ستكون أسهل وسيمتلكون المزيد من وقت الفراغ، ويمضون وقتا ممتعا أكثر؛ الإعلانات الدعائية تعدهم بالمزيد من حفلات الشواء تحت الأضواء البراقة، وحفلات أعياد ميلاد مفاجئة بمساعدة مصابيح كهربائية مرتبطة بالإنترنت.

وعندما نقوم بشراء هذه المنتجات ترى الشركات هذا الأمر كضوءٍ أخضر ليستمروا في طريقهم “الحتمي”، مقتربين أكثر نحو عالم تعرف فيه شركة أمازون ما نقوم به أو نفكر فيه أو نشعر به، ربما حتى قبلنا. يقول لوك ستارك: “الأمر كله عبارة عن حلقة. هذا ما يحاصر الناس في هذا الوضع، يعتقدون أنه يحق لهم الحصول على كل شيء، في الحقيقة لا يمكنهم ذلك، والتكنولوجيا تعمل كعازل من نوع ما للتأقلم مع هذا الوضع”.

لربما يظهر هذا جلياً في سوق الأطفال للأجهزة عالية التقنية حيث يوجد: حفاضات بتقنية البلوتوث، أجهزة مراقبة أطفال مربوطة بالانترنت، سوار يراقب كل تحركات طفلك ودقات قلبه وتقلبات درجة حرارته. في بلد شبكة أمنه الاجتماعي آخذة في التآكل، يتم تسويق أجهزة المراقبة هذه للوالدين تحت غطاء الإهتمام والحب مع جرعة ارتياب صحية.

وكما يقول لوك ستارك في ورقته البحثية عن المستهلكين الذين يتجسسون على أحبائهم: “دائما ما يتم تذكير الوالدين (خصوصا الأم) من قبل الدعايات الإشهارية أن أبنائهم في خطر ــ ابتداءً بالتهديدات الخارجية وسوء التغذية والنبذ الاجتماعي إلى غاية إخفاقات الأم في دورها كوالدة ــ وأن طريقهم الأضمن لحماية أطفالهم وتخفيف حدة قلقهم (الذي زرع بداخلهم حديثاً) من هذه المخاطر هو الاستهلاك.

شراء هذه الأجهزة حتى ولو كانت بعض خصائصها مثيرة للريبة، تظهر أنك شخص مُراعي ووالد جيد، ولأن الأباء يتم دفعهم للشعور بالخجل والعار حتى يقوموا بشراء أجهزة المراقبة تلك، فالمزيد والمزيد منها يظهر في السوق، عمليات الشراء هذه هي ما يساويه خبراء التكنولوجيا بعملية “الانتقاء الطبيعي”. لكن يكاد من المستحيل على الكثير من الناس الخروج من هذا الوضع.

مع الكثير من القوى تأتي الكثير من المسؤوليات

غالبا ما يجد المستهلكون أنفسهم مغلوبين على أمرهم ولا يملكون سيطرة حقيقية على قدرتهم في الإختيار، أولئك الذين يديرون تجارات صغيرة يجدون أنه من شبه المستحيل التوقف عن استخدام الفيسبوك، إنستغرام، يلب (موقع تقييمات للأعمال)، إيتسي (موقع لبيع الأعمال اليدوية) وحتى أمازون.

كما يفرض أرباب العمل غالباً على عمالهم استعمال تطبيقات معينة أو أنظمة كـ زووم، سلاك، أو غوغل دوكس. يقول رومان شودري عالم بيانات بشركة أكسنشر:” فقط الذين يمتلكون الكثير من الامتيازات هم من يستطيعون القول أنهم لا يستعملون مواقع التواصل الإجتماعي أو أنهم سيمنعون أطفالهم من استعمال هذه التطبيقات، لكن يتوجب عليك أن تشعر بالكثير من الإرتياح في وضعك المميز هذا لتتخذ هذا القرار.  

إذاً فنحن عالقون في عالم تقني يدعي أنه مدفوع برغباتنا، على الرغم من أن هذه الرغبات نابعة عن قرارات لا يشعر المستهلكون بالرضا عنها، هنالك فجوة آخذة في الإتساع بين الشعور الذي يتملّك المستخدم العادي عن التكنولوجيا من حوله من ناحية، وكيف تقرر شركات التكنولوجيا ما يجب صناعته من ناحية أخرى.

وعلى الرغم من هذا، تدّعي شركات التكنولوجيا أنها تضع مصلحتنا في عين الإعتبار ويقولون أن ليس بإمكانهم التراجع أو ايقاف” التطور الطبيعي للتكنولوجيا”، لكن التطور الطبيعي للتكنولوجيا لم يكن أبداً حقيقياً، وقد آن الأوان للتساؤل عما يعنيه “التقدم” حقاً.

تدقيق لغوي: محمد عيسى

مقال لـ : Rose Eveleth.
نشر يوم: 08/10/2019  على موقع Vox الإخباري تحت عنوان:
The biggest lie tech people tell themselves — and the rest of us
 رابط المقال على الإنترنت
الصورة: Zoë van Dijk

كاتب

الصورة الافتراضية
Elaguab Oussama Bachir
المقالات: 0