الشّعر بين التّذوّق والنّقد – حوار مع هارولد بلوم.

قبل ثلاثة أيام (الرابع عشر من أكتوبر، 2019) توفي الكاتب والناقد الأدبي الأمريكي الشهير هارولد بلوم – Harold Bloom، عن عمر ناهز التاسعة والثمانين عاما، بعد مسيرة أكاديمية طويلة حافلة بالإنجازات والكتابات المثيرة للجدل. لعلّ من أبرز تداعياتها في حياته، هو ذلك الهجوم الذي تعرّض له صاحب قلق التأثير (1973) [ليس فقط في المجلات العلمية والندوات، بل وأيضا في الصحف، التلفزيون والإذاعة] بعد إصداره لكتاب كتاب ي – The book of J عام 1990، الذي كان ضمن الكتب الأكثر مبيعا لذلك العام.

الكتاب الذي جادل فيه بلوم أن “اليهوي” المشار إليه عادة بـ “ي” (بالإنجليزية J-writer)، أحد أهم المصادر الرئيسية للتوراة وأقدمها (المُؤلّف بين حوالي 950 و900)، ليس موجودًا فقط [وهي مسألة كانت قيد المناقشة بين مؤرخي الكتاب المقدس في القرن الماضي]، بل إنه على وجه التحديد، امرأة، كانت تنتمي إلى نخبة سليمان وكتبت في عهد رحبعام ابن سليمان، منافسة مؤرخَ المحكمة وقتها.

جاءت الهجمات من دارسي الكتاب المقدس والحاخامات والصحفيين، وكذلك من المصادر الأكاديمية المعتادة، ولم يكن بلوم، من حينها، أكثر عزلة في آرائه أو أكثر أمانًا فيها أبدا.

وفي هذا السياق، جاء الحوار المترجم في الأسفل. في حالة أصبح فيها بلوم، كما وصف نفسه “مخلوق قديم، متعب حزين وإنساني”.

أُجريت المقابلة في المنزلين الذين تُشاركهما فيه زوجته جين، في نيوهافن ونيويورك – أحدهما مليء بالأثاث والكتب المتراكمة على مدى أربعة عقود كاملة، والآخر شبه فارغ، إلا من أكوام الأعمال قيد الإنجاز وأوراق الطلبة المتناثرة في كليهما.

لما لم تكن المحادثة ثقيلة جدًا، كان بلوم يشغّل الموسيقى، الباروك في أحيان، وموسيقى الجاز في أخرى. كان الهاتف يرن بلا توقف. مع زيارات من الأصدقاء، الطلاب السابقين والزملاء. يقول الصحفي أونطونيو وايس أيضا عن المقابلة، أن بلوم تحدّث كما لو أن الجمل جاءت إليه من صفحة مطبوعة، معقدة نحويا، متشابكة في بعض الأحيان. لكن يتم إيصالها بحيوية مدهشة، سواء أكانت ثقيلة أو مبهجة.

ولأنه تعلم اللغة الإنجليزية من خلال القراءة فقط، فإن لهجته خاصة به إلى حد كبير، مع بعض انعكاسات نيويورك، كما شرح ذلك قائلا:” تحاول تعلم اللغة الإنجليزية في كل أسرة يديشية في شرق برونكس من خلال نطق كلمات نبوءات بليك”. واليديشية هي لغة يهود أوروبا، فهارولد بلوم ولد في عام 1930 في برونكس شرق مدينة نيويورك، لعائلة أرثوذكسية يهودية مهاجرة من روسيا.

بدأت رحلته الأدبية مع الأشعار اليديشية، ولكنه سرعان ما اكتشف أشعار ويليام بليك، ت. س. إليوت، كراين هارت وشعراء آخرين. تخرّج من جامعة كورنيل سنة 1951، ثم درس في كامبريج بمنحة فولبرايت. وبعد حصوله على درجة الدكتوراه من جامعة ييل، تزوج من جين سنة 1958، وأكمل التعليم هناك إلى قبيل وفاته بأسبوع، كما صرّحت بذلك زوجته، تاركا وراءه حوالي 20 مؤلفا، وتراثا نقديا قلقا، وهو القائل: “إن القصيدة القوية هي إنجاز القلق”.

الحوار:

أنطونيو وايس: ما هي ذكرياتك عن فترة الطّفولة؟

هارلود بلوم: أوه، لقد كان ذلك منذ مدّة طويلة. لقد بلغت الستين من العمر الآن، ولا أتمكّن من تذكّر طفولتي. ترعرعتُ في عائلة يهوديّة أرثودوكسية1 من أوروبا الشرقية، تتحدّث اللغة اليديشية2 . كانت والدتي متديّنة للغاية، بينما كان والدي أقلّ من ذلك. لا زلتُ أطالع الشّعر اليديشيّ وأستمتع بتذوّقه.

– وماذا عن ذكرياتك عن الحيّ الذي نشأت فيه؟

– لا شيء تقريبا. كلّ ما أتذكّره أنّني اضطررتُ، مع أصدقائي، لخوض معارك الشّارع ضد عصابات إيرلنديّة مُشاكسة، واقعة تحت تأثير فكرٍ نازيّ لمنظمّة إيرلندية-أمريكيّة تُدعى “القمصان الفضّية – Silver Shirts “. لقد كان ذلك في بداية الثلاثينات. كنّا نعيشُ في حيّ يهوديّ بجوار حيّ إيرلنديّ في برونكس الشّرقية، وهذا ما جعل وجودنا مستفزًّا لهم، وبدأوا بمهاجمتنا من جهة الجادة الجنوبيّة للحيّ وافتعال معارك دامية. كان الأمرُ جادّا، فقد استعملنا الزجاج المكسور ومضارب البيسبول. لا زلتُ أقول أنّها كانت فترةً سيّئة للغاية، رغم أنّني كبرتُ وأرى أنّ كثيرين من أصدقائي المقرّبين إيرلنديون بالفعل.

– هل تظنّ أن خلفيّتك ساهمت في تشكيل مسارك المهنيّ ؟

– من الواضح أنّها دفعتني إلى قراءاتٍ منهجيّة، ووجهّتني نحو قراءة الكتاب المقدّس كنصٍّ نهائيّ وحاسم. وبذلك فقد وجدتُني مهوسًا بالتّفسيرات المحتملة للنّص. وبينما يكتسبُ التراث اليهودي ثراء أكبر مع كلّ تأويلٍ جديد للنّص، فإنّ منظومة “التّفسير النصوصي” تفرضُ نفسها بشكلٍ طبيعيّ. لم أكن أتبنّى معتقدات دينيّة أرثودوكسية منذ طفولتي المبكّرة. ولطالما متشكّكا بشأن المنظومة الأرثودوكسية للمفاهيم الرّوحية. أمّا الآن، فإنني أعتبر أنّ النظرة المعيارية لليهوديّة هي نتيجة قراءات خاطئة للكتاب المقدّس العبريّ تمّ تبنّيها في القرن الثّاني بهدف تلبية احتياجات الشّعب اليهوديّ في فلسطين في ظلّ الاحتلال الرّوماني. ولم يعد لكلّ ذلك علاقة بالقرون الثّمانية اللاحقة. وعلى كل حالٍ، فإنّ تجربتي المهمّة في مجال القراءة لم تتكوّن من نصوص الكتاب العبريّ وحسب، وإنّما تعزّزت بشكلٍ أكبر بعد قراءة الشّعر المكتوب باللغة الإنجليزيّة، الذي لا يزالُ تأثيره عليّ شبيها جدًّا بما فعله الكتاب المقدّس. كانت قراءة شعر “هارت كراين3” و”ويليام بلايك4” لأوّل مرّة تجربةً ساحرة.

– كم كان عُمرك حينها؟

– كنتُ في بداية سنوات المُراهقة، عشرًا أو إحدى عشرة سنة. لكنني لا أزال أتذكّر ذلك التّنوير الهائل الذي وهبتني إيّاه قوّة شعر “كراين” و”بلايك”، وخاصّة بلاغة “بلايك” في قصائده الطّويلة، رغم أنّه لم أبدُ أنني كنتُ أفهم ما يعنيه. ودون أن أخطّط لذلك، كنتُ قد التقطتُ ديوان قصائد “هارت كراين” من مكتبة برونكس المركزية. لا تزال تلك اللحظة النّورانية خالدة في ذاكرتي حين قرأتُ: “أيَا عجبًا شُيّد من الفولاذ، وقفز بالوعي نحو فجر الأبد”5. لقد كنتُ مأخوذًا بتلك البلاغة على طريقة “مارلو”6، ولا زلتُ أحتفظ بوقع القصيدة في ذاكرتي. وبعد ذلك، أصبح هذا الدّيوان أوّل كتابٍ أمتلكه، حين أهدته لي أختي بطبعته الأنيقة السّوداء والذهبية في عيد ميلادي سنة 1942، والذي يحتفظ بمكانه في الطّابق الثّالث من شقتي.

لماذا كان عليّ أن أدخل خضمّ هذه التجربة الاستثنائية وأنبهر بعنف بنوعية عظيمةٍ من الشّعر؟ وكيف وجدتُ نفسي مدفوعًا بقوّة غامضة نحوَ ما كنت عاجزًا عن فهمه في تلك المرحلة؟ وبينما تتجسّد الشّخصية الشّعرية في أعماق البعض، جعلتني هذه التّجربة أستمدّ إجاباتي من منظومة النّقد. أفترض أنّني سأسمحُ لنفسي -سرًّا- أن أرفع هارت كراين إلى مكانة أعلى من “ييتس7” و”ستيفنز 8“، لأنّه مات في عمر الثّانية والثّلاثين، ولا يمكن لأحدٍ أن يعلم ما الذي كان قادرًا على فعله حقّا. كانت وفاته خسارةً كبيرة، بقدر ما كانت وفاة “شيلي” في التاسعة والعشرين أو “كيتس” في الخامسة والعشرين. لقد توجّب على كراين أن يقدّم كلّ ما لديه في سبع أو ثمان سنوات فحسب.

– هل كُنت تقرأ حكايَا وقصص الأطفال؟

– لا أذكرُ أنّني فعلت. كنتُ أقرأ الكتاب المقدّس، وهو، في نهاية المطاف، حكاية طويلة. لم أقرأ أيّ شيءٍ عن أدب الأطفال إلى غاية بداية مرحلتي الجامعيّة.

– هل كتبت أيّ أبيات شعريّة في طفولتك؟

– رغم اهتمامي بالشّعر، لا يبدُو أنّه خطر لي ذلك. لعلّ هذا كان بسبب التّبجيل والخشوع الذي لطالما غمرني حين كنتُ أقرأ الشّعر، وربّما كان سحر “كراين” و”بلايك” منذ البداية. لم أفكّر أن أصبح شاعرًا، ورسخ لديّ على الدّوام أنّه منالٌ بعيد وعتبةٌ تحرسها الشّياطين. كنتُ سأعتبر محاولتي لكتابة بيتٍ شعريّ تعديًّا وقحًا، وهذا ما لا أزال أعتقده حقّا إلى الآن.

– كيف كانت رؤية عائلتك لهذا المسار الذي اخترته لنفسك؟

– لا أعتقد أنّه كانت لديهم أدنى فكرة عمّا كنتُ سأصبحه، ولعلّني خيّبت آمالهم. لقد كانوا يهودًا مهاجرين من أوروبا الشّرقية بأفق ضيّق ومنحصر. ربّما تمنّوا لو أنّني درستُ الطّب أو القانون أو جراحة الأسنان، ومن المؤكّد أنه لم تسنح لهم الفرصة من قبل ليعلموا ماهي مهنة ” أستاذ الشّعر “. أفترض أنّهم كان سيتفهّمون اختياري لو توجّهت نحو دراسة التّلمود وأصول اللاهوت اليهوديّ، لكنني لا أظنّ أنهم يأبهون للأمر على أية حال.

في طفولتي، حين كنتُ مدمنًا على قراءة القصائد الشعرية دون أي شيء آخر، سألني أحد أعمامي الذي كان يحتفظ بمحلٍ لبيع الحلوى في بروكلين عما أنوي فعله مستقبلا من أجل كسب لقمة العيش، أجبته: ” أريد أن أقرأ الشّعر”. أخبرني حينئذ أن هناك أساتذة شعر في جامعتي هارفارد و ييل، وكانت تلك المرّة الأولى على الإطلاق التي سمعت فيها عن هاتين الجامعتين، أو عن أساتذة الشّعر. بطموح فتى في الخامسة أو السّادسة من عمره قُلت: “سوف أصبحُ أستاذا في الشّعر هناك ! “. الأمرُ الطّريف هُنا، هو أنّني، وقبل ثلاث سنوات، كنتُ أستاذًا للشّعر في من قسم “تشارلز إليوت نورتون” في هارفارد، وأستاذا للعلوم الإنسانيّة في جامعة ييل. يبدُو أنّني خُلقت لهذه المهنة منذ أمد. حين أطيل التّفكير في الأمر، أدرك أنّ هذا هو الفرق بين عملي، وعمل كلّ النّقاد الآخرين: لقد وصلتُ إلى المجال مبكّرا جدّا، ولا زلتُ إلى الآن راسخًا فيه.

– لطالما عُرفت بذاكرتك الاستثنائيّة منذ الطّفولة، هل كان ذلك نتيجة لولعك بالكلمات نفسها، أم أنّه كانت هناك عوامل أخرى؟

– أوه لا ! تلك كانت هبةً فطريّة، تمّ تعزيزها على الدّوام بالتّعرض المستمرّ للنصوص ولعناصرها الجماليّة. تعلّمت في وقتٍ مبكّر، أنّ اختبار جودة قصيدة ما هو أن أتمكّن من تذكّرها بشكلٍ تامٍّ وبدون كبير مجهود. بعد ذلك، أعتقد أنّ التغير الوحيد الذي طرأ عليّ بشأن هذه النظرية كان تحت تأثير نيتشه ورؤيته الجمالية. فقد أدركتُ أنّ علاقة جودة القصيدة وحتميّة تذكّرها دون جهد لم تكن غير نتيجة للذة عارمة كانت تنبع من الألم أثناء القراءة؛ وهذا ما يعني أنك تتعلم من نيتشه أن هناك بعض الألم داخل المعنى نفسه. عادةً ما يكون ألم الصّعوبة والتّعقيد، وأحيانا هو ألم التّطلع إلى أهدافٍ بعيدة لا يمكنُ نيلها.

– هل خطر لك من قبل أن الانغماس في القراءة قد يكون هروبا من الواقع ومن التجربة الحيّة؟

– كلا ! كان محرّكي الأساسي يتغذّى من الغضب العارم أو الشغف الجارف. ولطالما كان هذين هما هاجسي المُطلق. لا أعتقد أنّ كلّ ما يقال عني يمكن أن يقنعني أنني كنتُ أحاول استبدال حياة أخرى أكثر مثاليّة بتلك التي كان ينبغي عليّ أن أعيشها. لقد كان عشقًا ! لقد وقعتُ في حبّ قراءة الشّعر، ولم يعد هناك أيّ داعٍ لي ولا لأيّ أحدٍ آخر يحاول أن يجعل من هذا الشّغف شيئا مثاليا. لا زلتُ أحبّ قراءة الشّعر حين أجد قصيدة تستحقّ ذلك.

   مؤخّرا، وللمرّة الأولى منذ سنواتٍ طويلة، عكفتُ أقرأ ” ترويلوس وكريسيدا” لـ “شكسبير” في جلسةٍ واحدة. لقد وجدتُ أنها كانت تجربة مذهلة وقوية، دون خفوت أو نقص. لا شكّ أن ذلك كان راجعًا لقيمتها وحقيقتها الساطعة الذّاتية، دون أن نُرجع ذلك لسببٍ آخر تحت أيّ مسمّى؛ بينما كان فرويد سيودّ أن يختزلها في الفكر الجنسي، أو بالأحرى، الماضي الجنسيّ. لكننّي موقنٌ أكثر من أيّ وقتٍ آخر، أن الأدب، وخاصة شكسبير – وهو الأدب نفسه هو منظومة تذوّق وإدراك أكبر من أن تختزل داخل قوالب التحليل النفسي.

– من هم الأساتذة الذين كانوا فارقين في تكوينك الجامعيّ؟ وهل درست عند أتباع مدرسة النقد الحديث في جامعة ييل؟

– كلا، لم أدرس عند أي منهم، باستثناء ويليام ك. ويمسات. كان لقد كان ناقدا متمرّسا من مدرسة النقد الشّكلي. ومنذ أن دخلت معه أوّل دروس نظريّات الشّعر، بدا أنه كان مهتمّا بي. حين قرأ أوّل مقال لي، علّق بقوله: ” هذا نقدٌ على طريقة لونجينيوس، وهذا بالتّحديد ما لا أحبّه ولا أريده”. لقد كان محقّا، لأنّه كان أرسطيًّا. أما بالنسبة لي، فلطالما كنت مقتنعا أن مفاهيم أرسطو لم تقدّم شيئًا لمدرسة النقد الأدبي الغربية منذ البداية، وساهمت في تأخرها. بينما لم يبدأ النقد الأدبي فعليا إلا مع مدرسة لونجينيوس. من الواضح أننا كنا سنختلف حول هذه المواضيع؛ لكنه، وبقدر ما كان أستاذا مذهلا، فقد تمكّنا فيما بعد من تكوين علاقة صداقة قويّة. إنني أشتاق إليه كثيرا.  إذ كان رجلا عظيما وآسرًا، وكاثوليكيا قويا متعصّبا لعقيدته، لكنه احتفظ على الدّوام بأفقٍ عادل ليضع الأشياء في مواضعها. شاركنا فيما بعدُ شغفًا واضحًا تجاه الدّكتور “صموئيل جونسون9 “. لا أعتقد أن تأثيره عليّ كان سيصبح كما وصفته بـ ” قلق التأثّر بـ بيل”، لو لم تكن ردة فعلي الأولى نحوه عنيفة وصادمة.

    لا زلتُ أحتفظ بحرصٍ بملاحظته التي كتبها يوم قدمت له واحدة من أولى النسخ من كتابي: إنني أجدُ هذا التّفاني مفاجئا، لكنني أفترض أنّ نزعتك الأفلوطينية تخوّلك مكانة إيمرسون من أفلاطون، فيما بتعلّق بالرومانسية الأمريكيّة الحديثة؛ وهذه عقيدة لا تروق لي على الإطلاق”. من الواضح جدّا أنّنا احتفظنا دومًا بمشاعرنا المتضاربة تجاه الشّعر.

– كيف كانت تبدو مقالاتك الأولى؟

– لا أتذكّر أنني كتبتُ أيّ مقالات إلى غاية التحاقي بجامعة كورنيل. ولكن، بعد سنوات قليلة، أرسل لي “بوب إلياس”، أحد أستاذتي هناك مقالًا كنت قد كتبته من قبل عن “هارت كراين” ونسيتُ أمره تماما، حين كنتُ طالبا مبتدئا في السادسة أو السابعة عشر من عمري. لم أتمكّن من قراءته، وسارعتُ إلى تمزيقه. لم يكن عليّ فعل ذلك على أيّة حال. كان ينبغي أن أنتظر إلى أن أتمكّن من تحمّل قراءته دون حكمٍ مسبق. لا زلتُ أتساءل كيف كان يبدو ذلك المقال.

– هل كانت هناك شخصيّات أدبيّة أخرى اهتممت بها من قبل؟

– كان “جورج ويلسون نايت 10“، الذي لم يتحدّث عنه الكثيرون، من المفضّلين لديّ ضمن النّقاد المعاصرين، والذي أعتقد أنّه أثّر علي بشكلٍ كبير. لقد كان صديقًا قديما، هائجا جدّا. لقد جعل كلّا من كينيث بيرك وهارلود بلوم يبدوان هادئين ومعتدلين. توفّي في عمرٍ مبكّر، وكان مهتمّا جدّا بالرّوحانيات، وبحياة ما بعد الموت. لطالما أخبرني أنه يؤمن بذلك حرفيًّا. أذكر أنّ هناك جزئية خلال حديثنا موضوع النّهضة المسيحيّة، أعتبرها من أروع اللحظات وأكثرها جنونا. كان يستشهد بأحد الشّعراء الرّوحانيين “فرديريك ويليام هنري مايرز”، ويقتبس أثناء حديثنا بعض ما نشره مايرز. إلى أن ذكر اقتباسا زعم أنّ مايرز عاد من موته (منذ 1901 !) قاله عبر وسيط في تجربة استحضار روحية، وسمعه منه، وسأنقل لك ذلك حرفيًّا: « إنّ اقتباسات ف.و.هـ. مايرز هذه المتشابهة جدّا، التي كتبت قبل وبعد موته “الأرضيّ”، تشمل من الحكمة ما يعجز عصرنا عن استيعابنا ». يبدُو هذا صريحًا جدّا ! وعلى أيّة حال، لا شكّ أن الكتب التي ألّفها ويلسون نايت قبل ذلك كانت جيّدة فعلا. لقد كان واحدا من أهم شخصيّات النّقد الأدبيّ في القرن العشرين التي تمّ نسيانها الآن.

الهوامش:

(1) مصطلح “الأرثودوكس” يتمّ استعماله في سياق “التنوير والتجديد الدّيني”، ولم يبق محصورًا لوصف عصر التّنوير المسيحيّ الكاثوليكي.

(2) لغة يهود أشكناز في أوروبا، تنتمي للغات الهندو-أوروبية وتستمدّ نظام كتابتها من الحروف العبريّة.

(3) شاعرٌ حداثيّ أمريكيّ (1899- 1932)، اشتهر شعره بالصّعوبة والتّميز لتوجّهه نحو وصف عناصر المدنيّة الأمريكيّة.

(4) شاعرُ ورسّام إنجليزي (1757- 1827)، يعتبرُ من أهمّ شعراء العصر الرّومانسي في إنجلترا.

(5) البيت الأصليّ:

O Thou steeled Cognizance whose leap commits
The agile precincts of the lark’s return

 وهذه أوّل ترجمةٍ عربيّة للبيت، أخذنا فيها اعتبار المفاهيم الحضريّة في شعر هارت كراين، ورمزيّة عناصر الاستعارة.

(6) كريستوفر مارلو ( 1564- 1593) شاعر وكاتب مسرحي من العصر الإليلزابيثي في إنجلترا، ويعتبر من آباء البلاغة الإنجليز الكبار.

(7) ويليام بولتر ييتس (1865- 1939) شاعر إيرلندي وأشهر شخصيات أدب القرن العشرين.

(8) والاس ستيفنز (1879 -1955) شاعر حداثيّ أمريكيّ، كان صاحب أسلوب مميّز بمعان غامضة وتعبيرات صعبة.

(9) كاتب، شاعر ، ناقد أدبيّ ومنظّر أخلاقي إنجليزي (1709 -1784)، أسهم بأعمال مهمّة في الأدب الإنجليزي.

(10) أكاديمي وناقد أدبيّ إنجليزيّ (1897- 1985)، عُرف بأعماله التّفسيرية لعناصر الميثولوجيا في الأدب، ومجموعة  تعليقاته على مسرحيات شكسبير ( كتاب “عجلة النّار“).

المصادر: 1، 2.

الصورة الافتراضية
أميرة بوسجيرة
مهندسة كيميائيّة.. شغوفةٌ باللّغة والأدب والتّرجمة
المقالات: 24