أغوتا كريستوف -الجزء الثاني من ثلاثية التوائم-البرهان

لم أكن سوى طفل، لكنّي ما نسيتُ شيئا.

في زمن الحرب لا مكان للفقد، الحاجة تغلب المشاعر الإنسانية.

النساء يحتجن إلى الخياطة حتّى أثناء سنوات الحرب، يحتجن إلى تحويلِ سروالِ الزوجِ المتوفي إلى تنورةٍ قصيرة، وقميصهِ إلى بلوزة، أما ملابس الأطفال، فأيُّ قطعة قماشٍ تفي بالغرض.

 البرهان؛ الجزء الثاني في ثلاثية أغوتا كريستوف:

رأينا فرار كلاوس وبقاء لوكاس. كان المشهد الأخير من رواية «الدفتر الكبير» مشهد انفصال الطفلين عَبرَ الحدود، ونرى لوكاس ذلك الطفل الذي رجع إلى بيت الجدة هو البطل.  

“حين عاد لوكاس إلى بيت الجدة، استلقى قرب سياج الحديقة تحت ظلّ الشجيرات، ولبث منتظراً. توقفت سيارةٌ من سياراتِ الجيشِ أمام مبنى خفر الحدود. نزل بعض العساكر ووضعوا أرضاً، جسداً ملفوفاً في غطاء تمويهٍ عسكريّ. خرج من البناية رقيبٌ وأشار إلى العساكر بأن يزيحوا الغطاء. قال الملازم زافراً:

لن يكون من السهل التعرف على هويته! على المرء أن يكون أحمق كي يحاول عبور هذه الحدود القذرة، لا بل وفي وضح النهار

 فهل مات كلاوس؟ وبقي لوكاس حبيس وحدته؟ بعد الدفتر الكبير التي كانت روايةً بلا أسماء، تقدم أغوتا في هذا الجزء أسماءً للتوأمين، وتأخذنا لنتابع قصة لوكاس الذي بقي في بيت الجدة وقصصه مع شخصياتٍ جديدة، وما تجابهه النفسُ اليتيمة من الحرب والعنف وغيرها.  

بعد أن كان – في الدفتر الكبير- طفلاً في الخامسة، ها هو لوكاس شابٌ يعيشُ في قريةِ الجدة. ويتعرفُ على ماتياس الطفل المشوه، الذي أنجبته الفتاة ياسمين بعد خطيئةٍ وعلاقةٍ محرمة؛ ماتياس المحكوم عليه بالنبذ وسخرية كل أولاد البلدة، تشكل هذه المعاناة شعوراً لدى لوكاس بأن ماتياس حلَّ محلَ الشقيق المفقود، وعلى إثر ذلك يحاول منح ياسمين عائلة وماتياس مشاعر أبوته.

وما بين مشاعر الشفقة و الحب، يدخل لوكاس في صراعٍ يجعله ينصرفُ عنهما، ليغرقَ مع صديقهِ الجديد، مريضَ الأرق الذي يقص عليه قصص الماضي التي لا تنتهي .  لوكاس لم يكن وحده محركاً للأحداث فقد كان لماتياس حوارات، بالرغم من بساطتها لكنّها حملت الكثير من الرمزية و الإسقاطات؛ فكونه المشوهَ المنبوذ في البلدة أضاف للقصة بُعداً جميلاً، إضافة إلى أنَّ علاقته بلوكاس قد أبدت بعضَ الأمل في حياة لوكاس، كما كان لمريضِ الأرق دورٌ في تحريك القصة ومجرياتها.   

دائماً كانت الحكاية في روايات آغوتا عن تبعات الحرب، وليس الحرب نفسها، فلا وجود هنا لمظاهرِ الحرب المعتادة من دمٍ وجيوشٍ ورصاص؛ حتّى أنّنا لا ندرك الأطراف المتحاربة!

القصة أبسط من كل هذا، هي قصصٌ عن مشوهي الحرب، تُنقَلُ لنا بجملٍ بسيطةٍ المشاعرَ المشوهةَ على لسانِ الأطفال. وبعيداً عن مفهومِ الخير والشر، نقف هنا أمام صورةٍ بالأساس لم تعرف غير الشر. إنّهم المقهورون المهمشون، من شكلت لهم الحرب نقطة تشوهٍ فما عادوا يستطيعون تقبلَ الحياة.

لقراءة: مراجعة الكتاب الأول.

تدقيق لغوي: لوتيس تاصر

مراجعة: بشرى بوخالفي

الصورة الافتراضية
Asma Abadlia
المقالات: 0