أغوتا كريستوف، الكذبة الثالثة -الجزء الثالث من ثلاثية التوائم- لقد خُدعنا.

اسمي كلاوس. هل هذا اسمي؟ منذ الطفولة تعلمت أن أكذب. في مركز إعادة التأهيل هذا حيث كنت أتعافى ببطء من مرض غريب، كانوا يكذّبونني بالفعل. كذبت مرة أخرى عندما عبرت حدود بلدي الأصلي. ثم كذبت في كتبي. بعد سنوات عديدة، عبرت الحدود في الاتجاه الآخر. أريد أن أجد أخي، أخي الذي قد لا يكون له وجود. هل أكذب مرة أخيرة؟

اسمي لوكاس، لكن لا أحد يعرفني بهذا الاسم. منذ اختفى أخي التوأم منذ خمسين عامًا، لم تعد حياتي منطقية. انتظرت فترة طويلة لعودته. إذا هو عاد اليوم، فسيتعين عليّ أن أكذب عليه.

الكذبة الثالثة في هذا الجزء تسرد لنا الحكاية على لسان الشقيقين، بينما كان الجزء الأول “الدفتر الكبير” دون أسماء، هنا في هذا الجزء الأخير تتداخل القصص إذ يفقد القارئ القدرة على تمييز من هو لوكلاس ومن هو كلاوس، وهل فعلا من المهم أن نعرف هذا التفصيل أم أنّ القصة أكبر من تبادلٍ للأسماء.

بداية الأكاذيب والاختلاط الذي يقع في أسامي التوائم سببُه أنّنا ظننا في “البرهان” أن كلاوس ذهب إلى الجانب الآخر من الحدود فيما بقينا مع لوكاس، لكن الكذبة الثالثة تعيد بناء الحكاية من جديد، وتقلب الأدوارَ فيكون كلاوس هو من بقي ولوكاس هو من رحل.

أكاذيب أخرى:

تبدأ الحكاية بسردٍ لقصة لوكاس الذي أودعه أهلُه مركزًا للعناية بذوي العاهات في عمر الرابعة إثر إصابته برصاصة طائشة، تلك المأساة كانت نتيجةً لجريمة قتل حدثت في عائلته، هذه الجريمة ستكون محور كل ما سيحدث لاحقا. مع مرور السّنوات يتعافى ويمكث في المركز بما أنه لم يعد أحدٌ للسؤال عنه، فيغرق في بحر أوهامه وتختلط حقيقته مع أكاذيبه.

في الطرف الثاني توأمه كلاوس الذي بقى عند امرأة كانت هي السّببَ في كلّ المآسي التي حلت على عائلة التوائم، تأخذ على عاتقها رعايتَه كنوع من التكفير عن خطاياها، ليبتعد عنها بعد عودة أمه. يعود كلاوس والأمّ معا ويبقى لوكاس تائهًا في زقاق الحياة ودهاليزها.

مع كل تلك الأوهام والأكاذيب، علق في ذاكرة لوكاس أخٌ توأم اسمه كلاوس، لازَمه كلّ سنوات عمره حتى أصبح في الخمسين، وذكرياتُه معه تعيدنا إلى الجزء الأول “الدفتر الكبير“.

تتجسد لنا مشاهد يكون فيها لوكاس سجينًا يحمل دفترًا كبيرًا يروي فيه قصصا عن حياته وماضيه مع كلاوس ويبدأ في سرد الأحداث لصديقه السّجان؛ يحكي له عن حنينه إلى المدينة التي نشأ فيها، وأمله في العودة إلى منزله والتقائه بكلاوس. هنا تتداخل الحقيقة مع أكاذيب لوكاس حتى نعتقد أنّ كل ما كتب ليس سوى مجموعة من الأكاذيب وأن القصة تعود بنا إلى الجزء الأول “الدفتر الكبير“.

بعد خروج لوكاس من السّجن حاملا دفتره الكبير، روايةَ حياته، نجح أخيرا في العثور على ما كان يبحث عنه؛ يلتقي التوأمان كلاوس ولوكاس بعد سنواتٍ من انفصال، هذا اللقاء شكّل نقطة الصّدمة في الكذبة الثّالثة. بين برود المشاعر وتسارع الأحداث نصل إلى النهاية، نهاية كل شيء، فنكتشف أننا خُدعنا في الدفتر الكبير والبرهان لتكون الكذبة الثّالثة وكأنها برهانٌ على عبثية القدر ومآسي الحروب.

لقراءة: مراجعة الكتاب الأول، مراجعة الكتاب الثاني.

تدقيق لغوي: كرنيف ربيحة.

مراجعة: بشرى بوخالفي.

الصورة الافتراضية
Asma Abadlia
المقالات: 0