تأمّلات صوفيّة في حرف “الألف”

    يشكّل علم تأويل الحروف، أهمّ ثوابت وجوانب الكتابات الصّوفية، ولن يبدو الأمر غريبًا حين نلتفتُ إلى أنّ اشتقاق مصطلح “السّيمياء”، بدلالته المتعلّقة بدراسة أنساق الحروف والرّموز، من مصطلح “الكيمياء” أو “الخيمياء” ليس أكثر من إشارة إلى الشبه الوظيفيّ للعلمين: دراسة تحوّلات “الحرف” داخل سياقه مقابل دراسة تحوّل المادّة داخل مجموع حالاتها الطّبيعية.

   أورد الحافظ رجب البرسي في كتابه، مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين، فصلاً عن أسرار الحروف، وفضل حرف الألف:


  وأما علم النقط والدوائر، فهو من أجَلٍّ العلوم، وغوامض الأسرار، لأن منتهى الكلام إلى الحروف، ومنتهى الحروف إلى الألف، ومنتهى الألف إلى النقطة، والنقطة عندهم عبارة عن نزول الوجود المطلق الظاهر بالباطن، ومن الابتداء بالانتهاء، يعني ظهور الهوية التي هي مبدأ الوجود التي لا عبارة لها ولا إشارة.

ولما كان سر الله مودعًا في خزانة علم الحروف وهو علم مخزون، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، ولا يناله إلا المقربون، لأنه منبع أسرار الجلال، ومجمع أسماء الكمال، افتتح الله به السور، وأودعه سر القضاء والقدر (…)

والألف منها [أي الحروف] أول المخترعات، ومنها سائر مراتب العالم، وجميع الحروف محتاجة إليه وهو غني عنها لأن سائر الأعداد لا يستغنى عنه، وهو لا يحتاج إليها، ومن عرف ظاهر الألف وباطنه، وصل إلى درجة الصديقين، ومرتبة المقربين، لأن له ظاهراً وبطون.

الحافظ رجب البرسي

   أي أن علم الحروف هو نظامُ دراسةٍ يسمح بمقاربة تنزيهيّة رمزيّة (دون تشبيه أو تجسيم) للتجليّات العلويّة الإلهيّة، محصورٌ على فئة ضيّقة من العلماء والعارفين الذين قاموا على تطهير أنفسهم ورياضتها. ويرى رجب البورسي أنّ حرفُ الألف هو سرّ الكلام ورمز العقل.

 كان الحكيم التّرمذي يسمّي علم الحُروف بـ “علم الأولياء”، وقد أولى الشّيخ الأكبر محي الدّين ابن عربيّ رمزيّة الحروف العربيّة وتأويلها من المنظور الصّوفي جزءً كبيراً من كتابه “الفتوح المكّية”، وذلك في إطار أهمّ ظواهر اللغة الصّورية والرمزية في المعاني الصوفية، وكذا في تأملاته المعروفة بـ “مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية”.

تأمّلات صُوريّة في حرف الألف:

    وقد تركّزت أغلب تأمّلات الصّوفية وكلامهم في علم الحروف على حرف الألف وحده، واستُعين غالباً بهيئته (خط عموديّ نحيف ورفيع) كمجازٍ لوصفِ المكانة الرّفيعة وجلال المحبوب (أي الذّات الإلهيّة).

قال الخواجه حافظ الشيرازي في ديوان غزلياته:

  على لوح القلب ليس سوى “ألف” قدِّ حبيبي
ماذا أفعل، ومعلمي لم يعلمني حرفا سواه

حافظ الشيرازي

    يُكتب حرف “الألف” بشكلٍ منفصل، ولا يُمكن أن يتصّل بأيّ حرفٍ من بعده؛ فهو رمزٌ للجوهر المتسامي المطلق ولأهل الروح الطليقة من المتصوفة الذين بلغوا مقام الشهود. كما تشير انحناءة الحرف السّفلى إلى مسار جميع تجلّيات الوجود الكونية من أسماها إلى أدناها.

يمثّل حرف الألف الرّقم “واحد”، ويرمز إلى وحدانيّة الرّب الجليل وتفرّده، كما ينفرد بالقيمة الأهمّ لكلّ حروف الأبجديّة الأخرى. ولكونه أوّل الحروف العربيّة فهو رمزٌ للإنسان الأوّل آدم، وبشكلٍ أقّل تواترًا إلى حوّاء أيضًا.

   هذه الإشارة المباشرة للوحدانيّة الإلهيّة التي يستند إليها حرف الألف، تُكسبه مكانة رمزيّة مقدّسة؛ فقد ورد أنه:

« إذا تمكّنت من حفظ هذا الحرف البسيط وتذكّره، فلن تحتاج لحفظ أيّ شيءٍ آخر.” وقد استرسل الشّاعر الصّوفي فريد الدين العطّار في مثل هذه القراءة التصويريّة لحرف الألف، “وبيّن كيف نشأت الحروف منه، بل وحتّى كلّ الأرقام المختلفة، فقال:

   عندما انحنى نشأت “دال”، ثم نشأت “الرّاء” بانحناءة أخرى، وعندما انثنى طرفاه نشأت “باء” وعندما أخذ طرفاه شكلا سبكيا نشأت “نون”، وبنفس الطريقة نشأت كل الأشكال المخلوقة على اختلافها من الوحدة الإلهية. »1

فريد الدين العطار

يرى مولانا التّاج ابن عطاء الله السّكندري أن كلمة “ألف” مشتقة من الألفة، لأنّ الحرف يجمع ويصل بين جميع الحروف الأخرى، وكتب الشّيخ الصّوفي عبد العزيز الدّباغ عن هذا الحرف قائلاً: “أنّه يتوافق مع الطّاعة والإذعان، التي تتمظهر في انحناءة الحرف الطفيفة وطريقة ترخيمه2 أثناء النطق.”

من جهة أخرى، يمكن للألف أن يرمز لإبليس، الذي لم يذعن ويسجد كما أمره ربّه. قال أبو عبد الله الحارث المحاسبي:

إن الله تعالى لما خلق الأحرف دعاها إلى الطاعة، فأجابت حسب ما حلاها خطاب واليها، وكانت الحروف كلها على صورة الألف؛ إلا أن الألف بقيت على صورتها وحليتها التي ابتدأت بها.

الحارث المحاسبي

   وستزيد عبارة الشّيخ محمد بن عبد الجبّار النفري هذا المعنى اتّساعاً ورحابة:

” الحروف كلها مرضى إلا الألف، أما ترى كل حرف مائل، أما ترى الألف قائماً غير مائل، إنما المرض الميل وإنما الميل للسقام، فلا تمل !

محمّد النفري

     وفي إحدى “مشاهد” ابن عربيّ، وبعد أن طُلبَ منه أن يرفع رأسه وينظر للأعلى، ليرى ما كُتب فوق وعلى كلّ شيء، قال: ” رفعت رأسي، فرأيت في كلّ شيء “ألفا” “، أي أنّه رأى دليل الواحديّة مختوماً على كلّ شيء.

   تأمّلات صوتيّة في حرف الألف:

  الألف هو مبدأ كلّ الحروف، واللبنة الأساسية لبنائها الصّوتي (اسم الحرف ونطقه ومخرجه الصوتي) والصّوري (طريقة رسمه)، إمّا بشكلٍ واضح: كحرف “الواو” الذي يُكتب: واواً (و)، ألفاً (ا) ثمّ واواً أخرى (و)، أو أقلّ وضوحًا كحرف “النّون” مثلاً: نون (ن)، واو (و) تحتوي على ألف داخلها، ونون (ن) أخرى.

  إذ يقول الشيخ الأكبر، في مشهدٍ آخر من تأمّلاته: ” الألف صامت والحروف ناطقة، والألف ناطق في الحروف وليست الحروف ناطقة في الألف؛ والحروف مدبّرة عن الألف والألف مستصحب لها وهي لا تشعر. الحروف موسى والألف عصا“.

  وصمتُ الألف كنايةٌ عن مخرجه الهوائيّ الذي لا صوت فيه، ودفقة الهواء المستمرّة هذه هي في الوقت ذاته سببٌ لناطقيّة الحروف الأخرى، كما أنّ رمزيّة نبيّ الله موسى “الكليم” و”عصاه الصّامتة” (وهي سببٌ سخّره الله لإظهار معجزته) إشارة مباشرة لعلاقة الألف “الصّامت” و “المحرك الصّوتي” لباقي الحروف.
  « وكذلك وجود الحق مع الموجودات، لولاه لم يظهر شيء منها؛ ولا يُقال لولاها ما ظهر، فهو مُظهرها وهي لا تظهره لاستغنائه عنها. »3

   وينهي ابن عربيّ هذا المشهد بنصيحة جامعة:

إن صمتَّ اهتدى بك كلّ شيءٍ، وإن تكلّمت ضلّ بك كلّ شيءٍ. فاطّلع، تكشف.

وعلى هذا، وفي حضرة الألف، سنتوقّف ونلتزم الصّمت.

تدقيق لغوي: محمد عيسى


ترجمة بتصرّف عن مقال The sufi interpretation of the letter Alif

الهوامش:

(1): آن ماري شميل، الأبعاد الصوفية في الإسلام.

(2): يقصد بـ التّرخيم في السّياق معناه اللّغوي، وهو رقّة نطق حرف الألف ولينه، خلافًا عن المعنى الاصطلاحي.

(3): عبد الباقي مفتاح، الشرح القرآني للمشاهد.

قائمة المراجع:

  • أحمد بن المبارك السجلماسي، الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز الدباغ، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
  • آن ماري شيمل، الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوّف، ترجمة محمد السّيد ورضا قطب، منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا.
  • الحافظ رجب البرسي، مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين، منشورات مؤسسة الأعلى للمطبوعات، ط10، بيروت، لبنان.
  • خواجه حافظ الشيرازي، أغاني شيراز، ترجمة إبراهيم أمين الشواربي، الجزء الثاني، المركز القومي للترجمة، القاهرة، مصر.
  • خواجه حافظ الشيرازي، مجموع الديوان، ترجمة علي عباس زليخة، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، سوريا.
  • ست العجم بنت النفيس البغداديّة، شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
  • عبد الباقي مفتاح، الشرح القرآني لكتاب مشاهد الأسرار القدسية، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
  • مصطفى بن كمال الدّين البكري، الضياء الشمسي على الفتح القدسي، الجزء الأول، كتاب ناشرون، بيروت، لبنان.

– F.C. Belfour (et al.), The life of Sheikh Mohammed Ali Hazin written by himself, The oriental translation Fund, London, 1830.

الصورة الافتراضية
أميرة بوسجيرة
مهندسة كيميائيّة.. شغوفةٌ باللّغة والأدب والتّرجمة
المقالات: 24