واقع وجماليّات العامّية الدزيرية: حوار مع الأستاذ مهدي براشد.

عن الأستاذ مهدي براشد

أستاذ مهدي براشد، كيف تحب أن تعرف بنفسك؟

مهدي براشد جزائري من أبناء حي “القصبة” العتيق بالعاصمة الجزائرية أو ما كان يعرف قديما باسم مدينة “دزاير”، أو “بلاد سيدي عبد الرحمن” الولي الصالح الذي أعطى بعدا روحيا لهذه المدينة فحوّلها من مدينة القبيلة إلى مدينة الإمارة. من مواليد أكتوبر 1965، درس الأدب واشتغل بالصحافة على مدى 33 سنة. انصب اهتمامه على الثقافة الشعبية ليس بمعنى الابتذال، بل باعتبارها مقابلا للثقافة الرسمية، من منطلق أن الثقافة الرسمية لا تعبر عن حقيقة الشعب والمجتمع، لكن هذا الاهتمام ركّز على ثقافة وتراث مدينة الجزائر، كونها مدينتي وأعرفها جيدا، وألذ البحث هو البحثُ فيما تعرف، إنه يكفل لك أن “تكتشف العادي”، على حد تعبير الشاعر عمار مرياش، وحين تكتشفه تجد أن ليس هناك شيء اسمه “عادي.”

بطبيعة الحال، هناك أسباب موضوعية ترتبط بما تعرضت له هذه المدينة من صدمات عبر كامل تاريخها، حتى بعد الاستقلال، صدمات أثرت في عمق ذاتها وشكّلتها في آن واحد، مثلما شكّلت ذوات أبنائها، ومهدي براشد واحد منهم.

على هذا، كان أول عمل لي هو إنجاز مُعجم عن عامية أهل هذه المدينة عنونته «معجم العامية الدزيرية، بلسان جزائري مبين». كما أنجزت سيرة عن حياة فنان أغنية “الشعبي” الفنان الراحل “عمر الزاهي”، هو جاهز وينتظر الطبع، وأعكف على عمل آخر حول «عرس الشعبي في مدينة الجزائر باعتباره طقسا دينيا«.

بالموازاة حضرت، مؤخرا، لشهادة ماستر في الأدب الشعبي حول «قصائد الحجامة والوشم في الشعر الملحون المغاربي وعلاقته بالجسد وبالفنون التشكيلية» في مقاربة فنية وأنتروبولوجية.

        تُعتبر دراسة اللغة العامية ميدانًا، لنقل، غير مألوف كثيرا في الأوساط العامة والثقافية، بالرغم من غلبتها على الفصحى، كيف تقيم واقع هذه الدراسة ومآلاتها وأنت المشتغل فيها لسنوات؟

مجال البحث في العامية ليس جديدا في البحث اللغوي العربي، وإن كان [موجودًا] بشكل متناثر في الحقل المعجمي حين تحدث المعجميون العرب عن المولد والمعجم والدخيل في العربية، وفي الحقل الصرفي حين تحدث النحاة عن القياس والسماع، وعن لغات القبائل العربية في اللسان العربي.

غير أنه اختفى في اللحظة التي لبست اللغة ثوب المقدس بإشاعة مقولة “العربية لغة أهل الجنة” فأغلقوا عليها الأبواب بدعوى صفاء اللغة، إلى أن جاءت حركة الاستشراق واهتمام المستشرقين بالعالم الإسلامي، فأعادوا فتح المجال. لعل العمل الذي قام به المستشرق الهولندي “رينهارت دوزي” «تكملة المعاجم العربية» مثال جميل على ذلك الاهتمام باللغة العامية. ثم العمل المعاكس الذي قام به المعجميون العرب في القرنين الماضيين والعمل على “رد العامي إلى الفصيح”.

لا يعني هذا أن العمل في هذا الحقل أصبح مفتوحا، إذ مازال يصطدم بنوع من اللغويين الأرثودوكس عن حسن نية أو سوئها، من منطلق أن البحث في العامية لصيق بالبحوث الكلونيالية والاستعمارية بهدف ضرب اللغة العربية.

أعتقد أنه مازال هناك الكثير الواجب عمله في هذا المجال، فالتنوع اللغوي حتى داخل اللغة الواحدة ثراء، وهو يشبه إلى حد كبير التنوع الإيكولوجي، وغياب لغة عامية يعني غياب ثقافة تحملها هذه اللغة، وهذا تهديد للتنوع باعتباره أحد أسس نواميس الطبيعة.

بين الفصحى والعامية

    لعل أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن العامية، هي ثنائية اللغة الفصيحة واللهجة العامية، ما الفرق الجوهري بينهما؟ أو بعبارة أخرى، متى يمكن اعتبار العامية لغة مستقلة بذاتها، على قياس اشتقاق الكثير من اللغات الأوروبية اليوم من اللاتينية؟

علميا لا وجود لفرق بين اللغة الرسمية التي نسميها تجاوزا “العربية الفصيحة” وبين “العامية”. فتعريف اللسانيين للغة على أنها نظام صوتي يكفل التواصل بين الناس، وإذا ما توفر ذلك فهي لغة. وهذا كلام الأولين أيضا، ابن خلدون مثلا يقول إنه “لا علاقة للإعراب بالفصاحة”، ويقصد أن احترام قواعد النحو من رفع ونصب وجر لا علاقة له بالفصاحة. بدليل أن الشعر الشعبي وهو شعر قيل بأداء معين للغة العربية لا يحترم قواعد النحو إلى درجة أن البعض قال إنه سمي “ملحون” لأن أصحابه يلحنون، ومع ذلك فهو على قدر كبير من الفصاحة والجمال، وهناك قصائد لا تضاهيها قصائد في الفصيح.

  على هذا الأساس، فإن العامية الجزائرية هي أداء مميز من أداءات اللغة العربية، مع الأخذ بعين الاعتبار ما اقترضته من اللغة الأمازيغية ولغات الأقوام الأخرى مثل البونيقية واللاتينية والعبرية والفارسية والتركية ولغات أخرى مثل الإسبانية والإيطالية والفرنسية، وحتى بعض المفردات من أقوام إفريقية سوداء (لغة السودان القديم ومملكة غانا).

في هذه النقطة أريد أن أشير إلى أنني من الرافضين لفكرة أن اللغة “المغاربية” هي من أصول بونيقية مثلما يقول بذلك الباحث “عبدو اليمام”. وأرى أنه أسس لنظريته بطريقة جد متعسفة، وتحكمها اعتبارات أيديولوجية أكثر منها اعتبارات علمية. وليس المقام هنا مقام مناقشة نظريته.

أما مسألة اعتبارها لغة مستقلة بذاتها، كما هو الشأن بالنسبة إلى الكثير من اللغات الأوروبية اليوم المشتقة من اللاتينية، أمر فيه تعسف نوعا ما، لأن العربية الرسمية “العربية المدرسية” اليوم ليست هي عربية الشعر الجاهلي، عربية الشعر الجاهلي اليوم عربية غريبة جدا عن الإنسان العربي المعاصر، خاصة قاموسها.

        هل هناك قواعد نحوية تحكم العامية الجزائرية بمختلف لهجاتها، هل يمكن وضع قواعد جامعة لها؟

قلت في البداية إن اللغة عبارة عن نظام، أي قواعد، ولا يمكن أن تكون هناك لغة دون قواعد مطردة هي مفاتيح فك شفرتها لتحقيق التواصل. بالطبع هناك قواعد تحكم العامية الجزائرية، هناك قواعد عامة تحكم كل العاميات الجزائرية، وهناك قواعد خاصة بكل لهجة. الأمر لا يختلف عما كانت عليه لغات القبائل العربية بالنسبة إلى اللسان العربي.

هناك قاعدة فقهية في اللغة تقول “إن اللغة وليدة السماع”، يعني أن تقنين اللغة، أي وضع قواعد لها، إنما هو في الأول وصف لحالها وانتظامها ووضعه في قوانين ثابتة. هذا لم يمنع أن النحاة وجدوا حالات معينة لا تستجيب للقواعد العامة التي استنبطوها فاضطروا للتأويل ولي عنق القاعدة والاجتهاد فيها.

على هذا فإنه أمر ممكن جدا أن توضع قواعد لهذه العامية. لكن حذار ! فمن شيمة العامة أنها لا تؤمن بقواعد ثابتة، وهي أكثر حيوية من اللغة الرسمية، وبالتالي فهي متحولة باستمرار، ولا يمكن للتقنين اللحاق بها. متى قننت وفرضت قوانينها، فمعنى هذا أنها تحولت إلى لغة رسمية، مثلما حدث مع اللغة الفرنسية الحالية التي هي في الأصل لهجة الباريسيين.

       عملت على معجم للعامية الجزائرية، كيف تصف القاموس العامي الجزائري، وما مدى تأثره بقواميس الشعوب التي احتك بها والتي يحتك بها اليوم بالفتح التكنولوجي الرهيب؟

القاموس العامي الجزائري ينقسم إلى قسمين، قسم يمتد إلى غاية الاستقلال وقسم آخر من الاستقلال إلى الآن. وعلى عكس ما أشيع من أن الاستعمار الفرنسي فرنس الجزائريين، خاصة في المدن الكبرى، فإنه إلى غاية الاستقلال استطاع الجزائريون أن يحافظوا على قاموسهم.

                لم أسمع في طفولتي يوما في محيطي العائلي استعمالهم للقاموس الفرنسي إلا ما تعلق بأشياء لا معادل لفظي لها في لهجتنا. وأنت تقرأ المعجم ستكتشف أن اللفظة الفرنسية تأتي في آخر الترتيب بعد العربية والأمازيغية والتركية والفارسية والإسبانية والإيطالية واليونانية والمالطية.

أتحدى أيا كان أن يحقق أن لسان مدينة الجزائر إلى غاية سبعينات القرن الماضي كانت تحتوي على 10% على أكثر تقدير من الألفاظ الفرنسية، وحتى الألفاظ التي نعتقد أنها فرنسية إنما هي ألفاظ إسبانية أو إيطالية أو يونانية.

العاصمة مثلا لم “تُفَرْنَس” أيام الاستعمار الفرنسي الذي عجز على مدى 132 سنة عن إدخال لغته إلى البيت الجزائري والحي الجزائري، فيما استطاع الاستقلال أن يفعل ذلك وببراعة في أقل من خمسين سنة”

حتى الذين يقولون بأكذوبة “اللغة الفرانكا” لا يستطيعون أن يأتوا بدليل واحد على أن هذه اللغة تجاوزت حدود الميناء إلى داخل المدينة. بدليل أن شعراء شعبيين من مدينة الجزائر على ما نعرف عن هؤلاء من ارتباطهم بلغة المتلقي في نظمهم، لا نجد في قصائدهم ألفاظا من هذه اللغة المفترضة، وأحسن مثال على ذلك الشيخ محمد بن إسماعيل، وهو شاعر له قصائد كثيرة في مدح الأولياء الصالحين، وعلى رأسهم الولي الصالح الذي تنسب الجزائر العاصمة إليه سيدي عبد الرحمن الثعالبي وشارك في التحالف العثماني الفرنسي البريطاني والإيطالي ضد الإمبراطورية الروسية في حرب القرم (1853-1858)، ولا نجد لفظة واحدة من هذه اللغة الفرانكا. والشاعر العالم مصطفى بن محمد الكبابطي، أيضا عمل مدرّسا في مساجد الجزائر (العاصمة)، ثم تولى التدريس في الجامع الأعظم (1824)، ولن نجد في شعره لفظة من قاموس اللغة الفرانكا. أعتقد أن الأمر، في هذه اللغة الأكذوبة يتعلق بمسألة اقتراض لا أكثر.

     هل تظن أن غلبة العامية في القطاعات الشعبية له تأثير سلبي على الفصحى؟ وهل غلبتها تسبب عجزا في اللغتين العربية والفرنسية؟

 لا إطلاقا، لا بالنسبة إلى العربية ولا بالنسبة إلى الفرنسية. لنأخذ العربية الرسمية التي نسميها “الفصحى” في حالتها اليوم، إنها مليئة بالمولد والأعجمي والعامي كذلك، اللغة العربية فيها الفارسي، والأرامي والعبري، مثلما فيها ألفاظ من لغات فرنسية وإنجليزية، الأمر نفسه بالنسبة إلى اللغات اللاتينية أخذت عن العربية وغيرها من اللغات. أستغرب حين أسمع البعض يهلل أن الفرنسية فيها كذا من لفظة في قاموسها من أصل عربي، ثم يدعون إلى صفاء اللغة العربية، الاقتراض في اللغة غنى وليس فقر. الفرنسية اليوم هي لغة تتحدث بها أغلبية غير فرنسية، فرنسية الجزائريين لا تشبه فرنسية فرنسا، لكنها أثرتها كثيرا.

من هذا المنطلق يمكن للعامية أن تثري اللغة الرسمية وبشكل كبير. اللغة ليست قاموسا ونحوا فقط، إنها القدرة على الاتساع لمحمولات فكرية وفلسفية وعلمية جديدة.

العامية: بين العنف والجماليّات

أين تتمظهر جماليات اللغة العامية في الحياة الاجتماعية والثقافية والفنية؟

قبل الحديث عن جماليات العامية، علينا أن ننتبه إلى قدرتها على الإيصال من حيث كونها إبداع المتكلم بها، العامية جزء من شخصية الجزائريين، هم لم يتعلموها في المدارس بل هي تمظهرهم وكينونتهم اللغوية، لذلك فهم يتحدثون بها بشكل عفوي وتلقائي مثلما يمارسون نشاطاتهم الأخرى من أكل وشرب. وهم في ذلك لا يبذلون جهدا إضافيا مثلما هي الحال بالنسبة إلى حديثهم بلغة أخرى غير اللغة الأم.

كانت جدتي ودون أن تنتبه تستعمل لفظة “حل” في حالات معينة و”افتح” في حالات أخرى، حين تتبعت هذا الاستعمال الشائع عند الدزيريين وجدتهم يستعملون “حال” حين يتعلق الأمر بالأشياء المادية “حل الباب”، “حل التاقه”، “حل القمجه”. ويستعملون “افتح” عندما يتعلق الأمر بالجانب المعنوي “افتح مخك”، “تفتح الورد”، “الفاتحة”، “ربي يفتح عليك بيبان الخير”. لاحظ، لأن الأمر يتعلق باب معنوية قالوا ” يفتح” ولم يقولوا “يحل”.

العامية لغة وجدانية، لذلك فهي أقرب وأكثر نجاعة وكفاية في التعبير عن وجداننا، كل الجزائريين في لحظة الغضب أو الفرح يستعملون العامية لا اللغة الرسمية، لا أحد يمكنه أن يشعر بالارتياح، حتى وإن كان علامة في اللغة عربية أو فرنسية، إلا إذا شتم بالعامية، حتى الكلمات “النابية” لا نتحرج من استعمالها بالفصحى أو الفرنسية، ونعتبرها “طياح” إذا كانت بالعامية. تصور لو استعملنا العامية في درس علمي عن الجهاز التناسلي للإنسان. المسألة تتعلق بمحمولات ثقافية ليس للغة الرسمية قدرة عليها.

       تظهر العامية في الأعمال الأدبية، الروائية خاصة، تتباين الآراء والحجج بين القبول والرفض، ما رأيك في الموضوع؟ وما رأيك عموما في صناعة المحتوى باللغة العامية؟

مثلما هناك شعر شعبي راق باللغة العامية (الملحون) تجاوز بكثير بعض النصوص الفصيحة، مبدئيا لا وجود لأي مشكل في كتابة نص سردي راق بالعامية. الآن عمليا، علينا أن نعي أن الرواية اليوم ليست هي رواية القرن الماضي، والرواية التي تحمل الهم الفلسفي والوجودي لروائي اليوم هل بإمكان العامية أن تستوعبها؟

غير أنني أرى أن الحوار داخل النص السردي يمكنه أن يكون بالعامية وبالحجم الذي يجب ضاق أم اتسع.

على كل حال، فإن النصوص التي حولت إلى أفلام ومسلسلات أبانت على أن العامية لغة سيناريو راقية جدا بل وتتحدى الفصحى، خارج الأفلام التاريخية. لا أحد ينكر رقي لغة مسلسل الحريق، ولا رقي لغة فيلم “أولاد نوفمبر” أو “الأفيون والعصا”، الأمر نفسه بالنسبة إلى النصوص التي تحولت إلى مسرحيات على الركح. من يمكنه أن يقول إن نص “حافلة تسير” أو “القراب” أو “بابور غرق” أو “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” نصوص ضعيفة؟

     باعتبار اللغة أداة التفكير، هل تظن أن العشرية السوداء فخخت المخيال الشعبي بقاموس عنيف، ينعكس أو يتجلى في حياته اليومية؟

أمر طبيعي، الواقع العنيف يلد لغة عنيفة، الواقع البذيء يلد لغة بذيئة. في مقدمة قاموسي عن “العامية الدزيرية” أشرت إلى أنه لو كانت لدينا مخابر سوسيو-لسانية تترصد الأداء اللغوي للجزائريين لكنا أدركنا أننا نتجه نحو عنف مادي من خلال العنف اللغوي الذي اعترى اللغة العامية. هذه الخاصية غير موجودة في اللغة الرسمية، لأنها لغة تتحرى المراجعة والتعديل وتنصاع للأطر والاعتبارات القيمية المسبقة.

      على عكس ثورات الربيع العربي، نطق الحراك الشعبي الجزائري منذ 22 فيفري، بلغة عامية في شعاراته، هل تظن أن هناك علاقة بين استعمال العامية ومفهوم الهوية؟

لعل من حسنات الحراك الشعبي الذي تعرفه الجزائر، منذ 22 فبراير، أنه أبان عن الواقع اللغوي للجزائريين، بعيدا عن أحكام القيمة التي تتحكم فيها وتحددها الانتماءات الفكرية والإيديولوجية ومآرب أخرى، هو واقع موجود ويفرض وجوده علينا شئنا الاعتراف به أو لم نشأ.

الحسنة الثانية لهذا الحراك أنه أكد المقولة اللسانية المعروفة التي لا يريد أن يسلم بها البعض أن “الفرق بين اللغة واللهجة أن الأولى لها سلطة تكفل لها أدوات فرضها وحمايتها والدفاع عنها.”

من هذا المنطلق أظهر الحراك أن لغة الجزائري اليومية ليست العربية الرسمية (الفصحى) ولا الفرنسية، بل هي دارجة فيها من العربية والأمازيغية وقليلا من لغات أجنبية أخرى، على رأسها الفرنسية طبعا. لكن كل هذه اللغات التي اقترضت منها الدارجة، سواء على مستوى القاموس أو على المستوى الصوتي “La phonétique” أو على مستوى بنية الجملة تمت جزأرتها.

في اللحظة التي استعاد فيه الشعب الفضاء العام وأسقط السلطة التي كانت تحتكره تحولت “اللغة العامية” أو “الدارجة” من “الهامش” غير المعترف به إلى المركز وأصبحت هي “اللغة الرسمية” للحراك.

ما لاحظناه خلال الحراك الشعبي أن الشعارات والهتافات التي رفعها الجزائريون خلال مظاهراتهم طغت عليها اللغة العامية (الدارجة)، ولم تستطع الشعارات والهتافات التي رفعت باللغة “الرسمية” العربية أو الفرنسية أن تصمد أمامها. حتى المنتوج الإبداعي في الأغاني كان منتوجا شعبيا. ولم يظهر، إلى حد الساعة، منتوجا ثقافيا أو فنيا باللغة الرسمية فرنسية أو عربية.

هكذا لم تستطع، في اليوم الأول من الحراك (22 فبراير)، شعارات من قبيل “جزائر حرة ديمقراطية” ولا “يونا مار دو سو بوفوار” (سئمنا من هذا النظام) ولا حتى نشيد “من جبالنا” كان يرددها مناضلو الآرسيدي أمام المقر الولائي بشارع ديدوش مراد أن تصمد كثيرا أمام شعار “جيبو البياري جيبو الصاعيقه… ماكاش الخامسة يا بوتفليقة”. كما لم تصمد أمامه حتى شعارات الإسلاميين التي اعتقد الكثير أنها تجذرت في مخيال عامة الجزائريين.

أكثر من ذلك، فإن اللغة العامية تصدرت، من خلال شعارات الحراك، واجهات الصحف دون أن يثير ذلك حتى أرثدوكس العربية “الفصحى”، بل إن المتعلم والمثقف الذي كان يستعمل اللغة الرسمية بشكل واسع لمقتضيات نشاطه العلمي أو الثقافي أصبح يقول: “الشعب حررنا” وكأنه ليس من الشعب. إنه الشعور بأن الحراك الشعبي قد حرره من الرسمي وأدواته اللغوية والثقافية.

الحراك في لحظة تمظهره حالة وجدانية انفعالية، ومن ثمة فهي حالة لن تجد قاموسها في اللغة الرسمية بل في اللغة اليومية التي يعيش بها الجزائري ويتعامل بها، يحب بها ويكره بها، يمدح بها ويشتم بها. ولا يمكن أن تكون هناك لغة مواتيه لهذه الحالة الوجدانية أحسن من اللغة الأم اللغة العامية.

ليس الأمر جديدا على الجزائريين، فهم لم يغيروا لغة التواصل بينهم والتعبير عن أنفسهم بين ليلة وضحاها. هي لغتهم اليومية، كل ما في الأمر أنها انتقلت من الفضاء المغلق المظلم الهامش إلى الفضاء المفتوح المضيء المركز. بعبارة أدق انتقلت من ملاعب كرة القدم باعتباره فضاء هامشا لمجموعة هامشية هم الأنصار إلى الساحات العمومية والشوارع الرئيسية للمدن باعتباره فضاء عاما للمواطنة. لذلك استلذ الشباب الجزائري الحراك إذ وجد فيه رحابة واتساعا أكبر للتعبير وأمام حضور أكبر يعطي أهمية لتظاهره ويرد له الصدى وبالإعجاب، فلم يكن له استعداد في العودة إلى الهامش مرة أخرى. قد تكون هذه الحسنة الثالثة للحراك.

لقد وجد الجزائريون على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والطبقية في الدارجة اللغة الصادقة غير المداهنة لغة راديكالية رفعت سقف المطالب بشكل أحرج السلطة. لقد كانت عبارة “يتنحاو قاع” التي تجاوزت الحدود ودخلت حتى مهرجان كان السينيمائي، منعرجا هاما في تطور الحراك الشعبي وضح أن مطلب الملايين الذين خرجوا إلى الشارع في جمعات متتالية إنما هو إقلاع النظام من جذوره وليس تغيير سطحي لا يؤثر في الأشياء مهما اتسع على السطح وطال البيادق وغيرها دون أن يغير في قواعد اللعبة.

الصورة الافتراضية
عمر دريوش
مدون ومترجم، محب للفلسفة والتصوف.
المقالات: 35