فيروس كورونا: كيف يُغيِّر مفاهيمنا عن أنفسنا؟

لا أتّفق مع الاعتقاد السّائد لدى بعض المتدينين، من الإسلاميين وغيرهم، القائل بأن فيروس كورونا سببه المعاصي واتّباع الشّيطان وأهواء النفس، أو أنه انتقام إلهي ضد الصينيين الملحدين الذين نكّلوا بالمؤمنين ”الإيغور“، كما كان التّفسيرُ سائدًا أوّلَ أيام انتشار الفيروس، مثلما لا أتفق مع بعض القراءات اليسارية المتطرفة التي تُحمِّل الحكومات الرأسمالية وهوس المجتمعات الاستهلاكية مسؤوليةَ الفيروس الوبائي، أو تُرجع السّببَ إلى مؤامرة ما!

فهذه وتلك منظورات إيديولوجية، تحيُّزية، شمولية، ذات طابع غائيّ، تريد أن تُرجع فيروس كورونا إلى سبب واحد، شاملٍ ومتعالٍ عن الوقائع والتقارير الطبية، في حين أنه من الصواب أن يكون البحث في أسباب كورونا بحثا تفصيليا وعلميا يتعامل مباشرة مع الوقائع كما هي، وليس من خلال أحكام جاهزة ومتعالية.

الواقع أن فيروس كورونا مسألة طبيّة في الأساس، ومع ذلك فهذا الحدث الذي أضحى قضية رأي عالمي يهم البشرية بأكملها، يمكن أن يُنظر إليه من زوايا متعددة، ترنو في نهاية المطاف إلى البحث عن مخرج للبشرية، وضمان مستقبل آمن صحيا، ففي الوقت الذي تستنفر فيه مخابر البحث الطبي أطقمها بحثا عن علاج ناجعٍ وشافٍ من الفيروس، تتحرك كثير من الدوائر السياسية والإعلامية والثقافية والأكاديمية من أجل محاولة فهم هذا الوافد الفتاك.

الفهم السليم للتحدي الراهن يدعونا ابتداءً إلى توفير حدٍّ كافٍ من المعرفة بشأن هذا الفيروس، من أجل مكافحته والتغلب عليه، على اعتبار أنه لا يمكن للبشرية أن تحارب عدوّا مجهولا، تعجز عن فهم طبيعته وعوامل تأثيره، لأن الأمر سيكون أشبه بتلك الأفلام السينمائية التي كانت تعرض عن نهاية العالم بفعل الأمراض الوبائية وما ينتج عنها كشخصيات الزومبي، ومصاصي الدماء، أو بفعل الغزاة الفضائيين، أو غيرها من الكوارث، ففي نهاية المطاف العجز عن المعرفة والفهم يحيل مباشرة إلى الهزيمة والضياع.

وحتى لا يغرق بنا قارب النجاة الذي تحيا عليه البشرية، من الضروري أن تكون ثمة مبادرات فعلية للتضامن العالمي، تماما مثلما تصوره لنا الأفلام السينمائية وهي تتحدث عن خطر وشيك يداهم كوكب الأرض ويهدد البشرية بالإبادة، فتغدو حينها الخلافات التافهة بين الناس أمرا هامشيا، ويتحرك فيهم ضمير جمعي، يجعلهم متضامنين، يعملون معا على مواجهة التحدي المشترك، وهذا الأمر نفسه يمكن أن يكون في الحياة الواقعية إذا ما حصد فيروس كورونا مزيدا من الأرواح في الشرق والغرب، فحينها قد يضطر البشر، فعليا، إلى الاتحاد والتضامن.

هذا التضامن العالمي المطلوب، يجب أن يكون بعيدا عن تلك البارانويا العصبية التي تلمّحناها في أول الأمر عندما أُعلن أن سبب الفيروس في ووهان الصينية قد يكون متعلقا، على الأرجح، بالقذراة وقلة النظافة وأكل ما هب ودب من حساء للخفافيش والصراصير والكائنات البحرية إلى القطط والكلاب والخنازير.

لقد كانت تلك، بالفعل، أحد عيوب المجتمع الصيني التي طالما أشار مفكّروه وفلاسفته إليها، وقد عبّر عن ذلك المفكر الصيني ”بو يانغ“ في كتابه: ”الصيني البشع وأزمة الثقافة الصينية“ The Ugly Chinaman and the Crisis of Chinese Culture، المنشور عام 1992، عندما لخص عيوب المجتمع الصيني والثقافة الصينية في ثلاث نقاط: القذارة، اللامبالاة والضجيج، حتى صار يُضرب المثل بالصينيين، فيقال:”الصينية والقذارة لا يتنافران“.

لكن ذلك لا يمنحنا الحق، كونَنا مجتمعات «غير قذرة»، في أن نفقد حسنا الأخلاقي تجاه عشرات الآلاف من الصينيين الذين قضوا نتيجة الوباء لحد الآن، وإن كان الصينيون متخلفين بشأن هذه المسائل، فهم قد حققوا نهضة عظيمة على المستوى المادي والاقتصادي، وتوفير سبل العيش الرفيه، ويكفي أن نعرف، في هذا الصدد، أن الصين تنتج الكثير من المستلزمات التكنولوجية والألبسة والأدوية وماكنات الفلاحة والزراعة… وغيرها من المستلزمات التي يتم استيرادها في أغلب الدول، وبالتالي فالصين تمثل الرئة الاقتصادية بالنسبة للعالم، وتأثر اقتصادها سلبا، بفعل فيروس كورونا، سيؤثر حتما على الاقتصاد العالمي ككل.

فضلا عن ضرورة التضامن العالمي الذي يجب أن يخلقه هذا التحدي الجديد الذي يواجه البشرية، من الضروري أن نعيد النظر إلى أنفسنا باعتبارنا ”كائنات حية“، تشترك في الكثير من التفاصيل مع غيرها من الكائنات الحية الأخرى، على اعتبار أن الفيروسات الوبائية باتت سمة من سمات مجتمعات الإنسان المعاصرة، فمنذ نهاية القرن التاسع عشر، تاريخ اكتشاف الفيروسات بالمعنى الطبي الحديث، وإلى اليوم شكلت هذه الأمراض الوبائية المعدية بديلا عن الأمراض التقليدية، وباتت معضلة حقيقية تؤرق المجتمعات الإنسانية.

إن فيروس كورونا من شأنه أن يعيد هندسة الصورة التي نحملها عن الواقع المحسوس، وعن أنفسنا ككائنات حية، بطريقة مختلفة، تأخذ بعين الاعتبار أن “اللامرئي”، الفيروسات مثلاً، باعتباره جزءا لا يتجزأ من كينونة الإنسان ووجوده وتفاعلاته ومن الضروري الانتباه إليه والتعامل معه بطريقة مختلفة، فضلا عن ضرورة أن يتواضع الإنسان عندما يتحدث عن نفسه باعتباره الكائن الأكثر مثالية من غيره من الحيوانات، أو أنه كائن منفصل عن عالم الحيوان، فالإنسان كان وسيظل حيوانا بمعنى من المعاني، يشترك في الكثير من الخصائص مع غيره من الحيوانات، ويكفي هنا أن نعرف أن فيروس كورونا، كما أشارت منظمة الصحة العالمية حيواني المصدر، أي أنه ينتقل بين الحيوانات كما ينتقل بين البشر أيضا، كما لا ننسى أن كلّا من فيروس إيبولا وفيروس أنفلونزا الخنازير، وفيروس أنفلونزا الطيور كلها حيوانية المصدر انتقلت إلى الإنسان، فجعلته قلِقا إزاء مخاطر لم يختبرها من قبل.

إن فيروس كورونا لا يفرق بين الناس في القارات الخمس، لا يفرق بين أبيض أو أسود، كبير أو صغير، متدين أو ملحد، كما لا يفرق بين غني أو فقير، والمفارقة أنه لا يميز بين كونك إنسانا أو حيوانا، إنه فيروس ديمقراطي مثلما وصفه نائب وزير الصحة الإيراني، إنه فقط يتعامل مع كونك كائنا حيا تخضع للشروط نفسها التي تخضع لها الكائنات الحية الأخرى، وبالتالي فإن كل ادّعاء إيديولوجي أو عرقي أو تحيزي لا بد وأن يتكسر على صخر الواقع الصّلد*.

*الصَّلْدُ: الصُّلْبُ الأَملَسُ الشديد/ الصخرة العريضة الملساء. حَجَرٌ صَلْدٌ : صَلْبٌ.
الصورة الافتراضية
Rezig Rabah
المقالات: 0

اترك ردّاً