على هامش جائحة كورونا: الوحي مازال مستمرًّا..!

بالنسبة للعقلية السلفية في المجتمعات العربية والإسلامية، يعد فيروس كورونا مظهرا من مظاهر جنود الله، لكن تفسيرهم لهذا المظهر يتسم بكثير من التشاؤم، بحيث أن الأمراض والأوبئة من منظورهم لا تكون إلا إذا كان ثمة معاصٍ وآثام يقترفها الناس ليلا ونهارا، لكنهم لا يستطيعون تقديم إجابة عن سؤال: لماذا أودى الطاعون بحياة عشرات الآلاف من المسلمين في عهد عمر بن الخطاب؟ وكان فيه ممن ماتوا جماعة من خيرة صحابة الرسول، مثل أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم.

بالنسبة لهؤلاء التخلص من كورونا لا يعتمد على العلم والتجربة والطب، إنما يعتمد على الدعاء والتوبة. وهذا منظور ضيق الأفق، ذو طابع إيديولوجي وليس معرفيّا، إنه منظور غائي يُرجع سبب الفيروس والشفاء منه إلى سبب واحد شاملٍ ومتعالٍ عن الوقائع والتقارير الطبية، إنه حكم جاهز ومعلب.

في المقابل يتحيّن كثير ممن يدّعون إيمانهم بالعصر ومنجزات الحضارة المعاصرة، فرصةً كهذه، للسخرية من هذه التفاسير، واشهار مطارق النقد الذي يفصح عن عقدة، وعن صراع إيديولوجي، أكثر من كونه موقفا معرفيًّا يعبر عن نية صادقة للبحث عن الحقيقة كما هي، لا كما تريد أهواءهم وأنفسهم الموبوءة.

الحقيقة أن رسائل الله إلى البشر لم تنقطع ولن تنقطع إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، لأن الله هو الضامن الأساسي لهذا الوجود، صحيح أن الوحي بصيغته التقليدية، الوحي إلى الأنبياء والرسل، قد توقف مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكنّه ظل مستمرًّا بصيغ مختلفة، الوحي ورسائل الله إلى البشر، فرادى وجماعات، تظل مستمرة من خلال مظاهر كثيرة، كالحروب والكوارث والأمراض والأوبئة.

لكن تلك الرسائل الإيحائية مستمرة أيضاً من خلال أشكال أخرى إيجابية، من مظاهر الحياة، ويمكن أن نتلمح ذلك في الفضاء الواسع اللامتناهي، وفي مظاهر الخير والرحمة والتكافل التي لا تنقطع عن ممارسات البشر أيضا، يمكن أن نتلمح تلك الرسائل في ابتسامة رضيع، أو في تفتح وردة… فلماذا تكون جنود الله محصورةً فقط في الكوارث والشرور؟ الرهان هو كيف نحسن قراءةَ هذه الرسائل وتفكيكَها، كيف لنا أن نلتقطها من أجل أن نحسّن وجودنا وحياتنا وخلافتنا على هذه الأرض.

تدقيق لغوي: كرنيف ربيحة.

الصورة الافتراضية
رابح رزيق
المقالات: 6

اترك ردّاً