قراءة في كتاب: من حرك قطعة الجبن الخاصة بي؟

بطاقة فنية عن الكتاب:

العنوان: من حرك قطعة الجبن الخاصة بي؟

الكاتب: سبنسر جونسون.

عدد الصفحات: 98 صفحة.

دار النشر: مكتبة جرير.

سنة النشر: 2009.

عن الكاتب:

سبنسر جونسون، عمل كمستشار لمركز الدّراسات الطبية وجامعة كاليفورنيا، حاصل على الليسانس في علم النّفس، وعلى درجة الدكتوراه من الكلية الملكية للجراحين، حاصل على أعلى الدّرجات من جامعة هارفارد، له العديد من المؤلفات في مجال الطب وجراحة القلب، واشتُهر بكتاب “من حرك قطعة الجبن الخاصة بي؟” الذي دخل به
 قائمة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعا.

عن الكتاب:

قصّةٌ بسيطةٌ جدّا عن أربعة فئران في مهمة البحث عن جبن داخل متاهة كبيرة، يجب عليهم البحث باستمرار لكي يجدوا مبتغاهم المنشود.

كلُّ فأر يمثّل شخصية معينة في الواقع؛ فنجد الفأر المتقَبِّل للتّغيير ببساطة والذي عندما نفذ الجبن لم يتذمّر وذهب مباشرة للبحث عن جبن جديد، وهناك من لم يتقبّل التغيير ولم يُرده أصلا فبَقي في مكان الجبن القديم ينتظر عودتَه من جديد وهذا الفأر يمثّل فئةً كبيرةً من البشر، ذلك الصّنفُ الخائفُ من التغيير والذي يفضّل البقاءَ في مكانه على أن يخاطر في المجهول، وهناك ذلك الفأر الذي لم يتقبّل التّغييرَ في بداية الأمر وكان خائفا ثم تقبله تدريجيا وتغلب على مخاوفه ووجد متعة أكبر في البحث عن جبن جديد.

هذه القصة التي من بساطتها تشبه قصص الأطفال التي تتكوّن عادة من حبكة وأحداث بسيطة وشخصيات شبيهة بالرسوم المتحركة، لكنها تحمل الكثير من الدروس المستنبَطة، الجميل فيها أنّه يمكنك أن تراها من جوانبَ عديدة حسب حالتك الاجتماعية الحالية (عامل، طالب، عاطل عن العمل…).

هذا يثير تساؤلا جميلا في حدّ ذاته، هل لو عدنا لنقرأ قصصَ الأطفال التّعيسةَ التي تناولناها في طفولتنا سنراها بمنظور آخر مختلف عن منظور الطفل البسيط؟

توقع التغيير:

من أجمل الدروس في قصة الفئران الأربعة، أنّ علينا وضع احتمالية حدوث التّغيير في أي وقت كان، فلا نطمئن لحالتنا الحالية التي تُشعرنا بالأمان ولا نتمسك بها، بل نتوقّع التغيير دائما.

هذا الأمر ينطبق بشدة على مبدأ الأمان الوظيفي، فعندما تتسلّم وظيفةً ما، لا تتوقع منها أن تبقى لك إلى الأبد، توقع أنه ستحدث تغيّراتٌ تجعلك تُحرَم من تلك الوظيفة؛ تطور التكنولوجيا مثلا، أو إفلاس الشركة لسياسة عمل خاطئة، أو كثرة الموظفين، وغير ذلك يجب أن تضع جميع الاحتمالات على الطاولة، لكي لا تصاب بالإحباط عندما يحدث التغيير وتبقى متمسكا بقطعة الجبن القديمة لأنها تشعرك بالأمان.

الأمر ذاتُه ينطبق على الموقف المتكرر الداخل في نطاق الأمان الوظيفي، بأن تأتيك فكرة أن تنشئ شركتك أو مشروعك وحدك ثم تتراجع عن ذلك، لأنك خائفٌ من هذا المجال غير المتوقع، لأنك خائف من التغيير.

راقب التغيير:

توقُّع التغيير يأتي بمراقبته، ما الذي يحدث؟ أن تَحكم على الأحداث التي تجري لكي تتوقع أنه سيحدث تغيير ما، أن ترى مبيعات الشركة مثلا تنخفض، أو تلاحظ مديرَ الشركة دائمَ السخط وذا سياسات فاشلة، تقييمات العملاء سيئة ولا تتحسن.. هذه مجرد أمثلة عن أمور توحي لك أن التغيير آت. مراقبة التغيير تسمح لك بتوقعه، وتوقعه يسمح لك بتجهيز نفسك لما يأتي لاحقا.

الاستمتاع بالتغيير:

هناك من ينظر إلى التغيير على أنه أمر سيء، وأنه نهاية العالم وبه سيحدث الأسوء، وأن الوظيفة القديمة قد ذهبت، وسيحدث الإفلاس وتلك السيناريوهات السيئة التي تحوم حول تغير الأوضاع وتحويلها لأزمة.

عندما تتحرّك متجاوزًا شعورَك بالخوف، ستشعر بالحرية.

الأمر ليس بذلك السّوء في الأخير، التغيير يمكن الاستمتاع به، بالتغلب على مخاوفك، أن تبحث عن قطعة الجبن الجديدة، وتسمتع برحلة البحث عنها، حتى لو لم تجدها عاجلا، فأنت أصلا تستمع بالرحلة، وهذا ينطبق على الحياة أيضا، ألا تجعل عدم تحقّق أحلامك أمرا سيئا، وأن تسمتع بالرِّحلة تجاه أحلامك أكثر، أن تستمتع بالبحث عن السّعادة، وألا تضع كلَّ همّك في ايجادها عاجلا، فيمكن أن تكون سعيدا بالفعل في رحلتك للبحث عنها.

ماذا لو كانت قطعة الجبن الجديدة أفضلَ من القديمة؟

عادة ما يكون الخوف من التغيير بسبب أنه لا يوجد ضمان لأن يكون الوضع الجديد أفضل من القديم، فيبقى التمسك بالقديم حتى لو كان سيئا لأن الجديد مجهول ولا يمكن التنبؤ به.

إن الخوف الذي تتركه يسيطر على عقلك أخطر بكثير من الوضع القائم.

هناك قصصٌ حدثت في هذا المجال يمكن للقارئ اكتشافها في الكتاب، فهناك من يظن أن المجال الجديد الذي تم نقله إليه سيّئٌ، وأن قدراته لا تمكّنه من التألق فيه، لكن في الأخير يجد أنه أفضل بكثير من القديم ويكتشف أمورا جديدة في نفسه، ويجد أنه يستمتع بالتغيير وبقطعة الجبن الجديدة أكثر من القديمة.

لذلك يجب وضع احتمالية أن يكون التغيير الجديد أفضل من سابقه، فالخوف أصلا آت من أن يكون الجديد سيئا ولا يمكن التكيف معه.

ربما يمكن تلخيص معظم الدروس في مقولة كرونين التي وُضعت في أول الكتاب:

ليست الحياةُ مجرَّدَ ممرّ مستقيم يسهل الخوضُ داخلَه بحرية، بل هي متاهة يتعين علينا البحث داخلَها عن طريقنا وقد نضلّ ونتخبط أحيانا، وبين الحين والآخر ندخل في ممرات مسدودة، ولكن إذا كنا متمسّكين بالإيمان، فسوف يفتح الله الباب أمامنا، وقد يكون هذا البابُ غيرَ ذلك الذي كنا نفكر فيه، ولكنه بالتأكيد هو الخير، كل الخير لنا.

تبقى القصة بسيطةً في محتواها، في أحداثها، في حبكتها وشخصياتها، ولكنّ الأمور التي يمكنك تعلُّمها منها مهمة، وهي قابلة للقراءة أكثر من مرة في مختلف مراحل الحياة، لأن التغيير سيحدث أكثر من مرة، وردة فعلنا تجاه التغيير هي ما يحدد وجهتَ حياتِنا.

تدقيق لغوي: كرنيف ربيحة.

الصورة الافتراضية
Tarek Nacer
المقالات: 0