أين كان كورونا قبل أن يظهر في ووهان الصينية؟

في عام 1994، ظهر فيروس في منطقة ”هندرا“ في جنوب شرق أستراليا وأودى بحياة عشرات الخيول والأحصنة، استطاع بعدها أن ينتقل إلى الإنسان ويقتل بضع أشخاص.

هذا الفيروس _الذي عُرف باسم فيروس هندرا_ ليس معروفا بالشكل الكافي إلا عند علماء الفيرولوجيا (علم الفيروسات) لأنه لم يكن خطيراً ولم يقتل من البشر إلا القليل، على عكس فيروس الإنفلونزا الإسبانية التي أودت بحياة 20 مليون شخص بعد الحرب العالمية الأولى، أو فيروس إيبولا أو السارس أو الإيدز أو كورونا… لكن ثمة حقائق بشأن هذا الفيروس وهي حقائق مشتركة مع أغلب أنواع الفيروسات الأخرى ذات المنشأ الحيواني، ومعرفتها تُمكننا من فهم حقيقة لماذا ظهر فيروس كورونا المستجد في ووهان الصينية.

حسب العلماء المختصين فإن سبب ظهور فيروس هندرا مثله مثل الفيروسات الشهيرة ذات المنشأ الحيواني، يعود أساساً إلى اعتداء الإنسان على النظم الإيكولوجية للطبيعة. كما هو الحال بالنسبة لفيروس كورونا المستجد المعروف بكوفيد 19، فقد كان كذلك بسبب هذا الخطأ الإنساني.. اعتداء الإنسان على النظام البيئي، وجب على العلماء والمختصين العودة إلى ووهان الصينية لفهم الذي جرى بالضبط.

المعروف عن بيئة أستراليا أنها لم تحتوِ على خيول أو أحصنة قبل أن يأتي بها الإنجليز في أواخر القرن الثامن عشر (حوالي 1790)، والبداية كانت بتسعة (9) من الخيول لتتكاثر بعدها وتصبح الخيل في أستراليا أمرا مألوفا.

العجيب أن فيروس هندرا كان موجوداً عند حيوانات الخفافيش المنتشرة بكثرة في جنوب شرق أستراليا، وقد أخذ حوالي قرنين من الزمن قبل أن ينتقل إلى الخيل، ثم إلى الإنسان مباشرة. احتمال ما حدث أن خيلاً ما قد تناول أعشابا ملوثة بالفيروس بعد أن تبول عليها أحد الخفافيش المصابة، ومنه إلى مالك الخيل بفعل الاحتكاك بينهما، الذي حدث هو أن فيروس هندرا استطاع أن يطور من خصائصه الجينية ويتكيف بشكل جديد مع الجهاز التنفسي للخيل، ومن ثمة تكيف كذلك مع الجهاز التنفسي للإنسان.

على الأرجح أن فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) كان موجوداً منذ عشرات أو مئات السنين، يكمن الفرق في أنه قد طور من خصائصه الجينية لينتقل من الحيوان إلى البشر، ليتكيف مع الإنسان بشكل جديد. كان كوفيد 19 غالباً موجوداً لدى نوع ما من الحيوانات، قد تكون الخفافيش، أو القرود… وبسبب سوق اللحوم غير القانوني في ووهان الذي يضم بيع وشراء وذبح حيوانات مختلفة كالخفافيش والفئران والقطط والكلاب… ظهرت أول إصابة وكانت الجائحة.

كان أحد الحيوانات في السوق الشعبية بووهان حاملاً لفيروس كوفيد 19، وحسب أحدث التقارير المختصة فإن هذا الفيروس موجود لدى الخفافيش، تماما مثل فيروس هندرا، لكنه لم ينتقل إلى الإنسان مباشرة من أحد الخفافيش، مثلما لم ينتقل هندرا من الخفاش إلى الإنسان بطريقة مباشرة. احتاج كوفيد 19 إلى وسيط يُرجح انه آكل النمل الحرشفي الذي يتم استهلاك لحمه في الصين.

من غير المستبعد أن يتحول فيروس كورونا المستجد إلى إنفلونزا موسمية مثله مثل الإنفلونزا العادية إذا ما استطاع هذا الفيروس أن يطور من خصائصه الجينية ويتكيف بشكل جديد مع الإنسان، تماما كما يمثل إنفلونزا عادية بالنسبة للخفافيش، لكن يبدو أنه لا يشكل خطراً عليها بسبب طبيعة المناعة التي تمتلكها، وإذا استمر كورونا المستجد في إصابة البشر خلال السنوات المقبلة قد تطور مناعة الجسم البشري من خصائصها المضادة وبالتالي ينقص عدد الهالكين بسبب هذا الفيروس، تماما مثلما يحدث مع الأنفلونزا العادية.

المعركة الآن كبيرة وشاقة أمام المجتمع الدولي وأمام علماء الفيرولوجيا، لإيجاد لقاح مناسب لكورونا، والبداية لا بد وأن تكون من ووهان الصينية، من البحث في النظام البيئي هناك والبحث في الجهاز المناعي للخفافيش على وجه الخصوص.. كل ما يجري اليوم لا بد وأن يكون درساً للبشرية من أجل الحفاظ على نظامها الإيكولوجي وعدم الاعتداء عليه.

الصورة الافتراضية
Rezig Rabah
المقالات: 0

اترك ردّاً