كيف يكون لحياتك معنى؟ مستعمرات الموت النازية ورحلة فرانكل في البحث عن المعنى

بطاقة فنية عن الكتاب:

الكاتب: فيكتور فرانكل

سنة النشر: 1946

عدد الصفحات: 200 صفحة

  تخيل معي المشهد الموالي، أو لأقل لك، لا حاجة لك للتخيل، فاليوتيوب سيزيح عنك تلك المهمة، ذلك أنه مليء بمحتويات شبيهة بالصورة التي سأرسمها لك الآن:

البرية، ثلاث أسود يتقاتلون للظفر بصغير غزال لم يرَ من الحياة إلا أسابيع قليلة، الأمر محسوم حتى قبل نهايته. مشهد آخر، وأعتقد أنه، وبالرغم من وحشيته، متواجد على الإنترنت أيضا، رغم أني لا أشجع بأي شكل من الأشكال على البحث عنه أو حتى على مجرد التفكير في ذلك: طفلة تُغتصب بكل وحشية من قبل بالغين، والأمر هنا كذلك محسوم قبل نهايته. تاريخ الإنسانية لا يخلو من هذه المشاهد والصور، والتي تكتّلت ضمن مجموعات لتشكل حوادث تاريخية كانت لها يدٌ في تغيير مجرى الإنسانية اليوم: دماء، حروب، أوبئة (ولك أن تفكر في الوباء الذي يجتاحنا الآن: فيروس كورونا المتجدد)، مجاعات، دمار وما إلى غير ذلك من كوارث.

  الأمر المشترك بين كل هذا لا يستغرق جهدا كبيرا للتعرف عليه. هو عنصر حياتيّ بامتياز، يزداد ويتناقص، يبلغ منتهاه تارة ويعود ليتشكل في قوالب صغيرة وبسيطة تارة أخرى: المعاناة. إننا في غالب الأحيان نقف مشدوهين أمام ما يحدث لنا، أو ما يحدث لغيرنا من آلام ومصائب، نقف مشدوهين وعاجزين في حيرة كبيرة وتساؤلات طائلة عن ماهية علاقة الإنسان بالحياة وبكل ما يربطه بالوجود، لنصطدم بحاجز لطالما واجه كل بشري، متعلما كان أم أميا، فيلسوفا كان أم طبيبا، شيخا كان أم شابا تغمره حماسة الحياة، حاجز صلد لا يكاد ينزاح: البحث عن المعنى.

  يعتبر التيه في البحث عن معنى للحياة من أكثر الأشياء طبيعية بالنسبة للعديد من الفلاسفة المفكرين والباحثين النفسيين، وهو لا يقتصر على الطبيعية فقط بل وإنما في كونه أيضا ضرورة لازمة لرسم عوالم نجاةٍ وإرادة تعمل كمحركات تدفع كل إنسان وبشكل يومي للمضيّ والتقدم خطوة أخرى نحو الأمام في درب وعر ومأساوي مضنٍ عُنوِن يوما ما بالحياة. ولفرط أهمية هذا الموضوع، لم يكن له فقط حظ وافر من البحوث والاستطلاعات العلمية والفلسفية بل وهو يعتبر أيضا مدرسة فكرية نفسية وجودية بكل المقاييس!

  يُعتبر طبيب الأعصاب والطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل من أوائل مؤسسي المدرسة النفسية الوجودية أو التحليل الوجودي، حيث كان ذلك نتيجة سنوات من المعاناة والتفكر في طبيعة النفس الإنسانية وتسليط الضوء على تقلباتها بين غمرات الآلام النفسية والجسدية، إذ خلص إلى أن السبيل الوحيد لخلاص الإنسان هو أن يجد معنى ما لحياته ليشد عليه في أكثر اللحظات والفترات تعاسة وقهرا. المثير في الأمر أن الد. فيكتور لم يستنبط ملاحظاته وهو جالس براحة وراء مكتب أنيق، بل وهو سجين في معسكرات الاعتقال والموت النازية أين كان السجناء يعيشون تحت وطأة أقسى الظروف وحشية، فكانوا يجوعون ويعذبون ويقضون جل أيامهم في الأعمال الشاقة وفي البرد القارص. معاناة الطبيب النفسي فرانكل أدت به إلى إمدادنا، لحسن حظنا، بتأملات قيّمة عن طبيعة المعنى وماهيته في كتابه الذي بيعت منه ملايين النسخ وبلغات مختلفة عبر كافة أنحاء العالم: ” إنسان في البحث عن المعنى”. تأملاته تعطينا استراتيجيات في العيش بأمل حتى وإن لم تكن طبيعة هذا العيش خالية من المعاناة.

  في مفهوم المعنى:

يرى الد. فرانكل أنه يستحيل أن نعرف معنى الحياة بصفة عامة، فأسئلة من هذا النوع تكون غالبا مبهمة وغير عملية بحيث لا يمكن حصرها ضمن مفاهيم بسيطة أو إجابات جاهزة؛ فالحياة التي نعيشها هي التجارب التي نخوضها والقصص التي نرويها والحوادث التي نشهدها والناس الذين نعايشهم وما إلى غير ذلك من المنعطفات التي تحدد الصورة الكاملة لما يمر به المرء في الفترة القصيرة التي ترسم حياته، وهي مختلفة ومميزة لكل فرد فينا، فلا يمكن المقارنة بين أي شخص وآخر، والتجارب تختلف ولا تعاد، أبدا.. بنفس الصفة وبنفس التفاصيل، وكل حدث سيتطلب بالضرورة رد فعل مختلف. والمعنى يتغير بتغير الوضعية، وبتغير التجربة وحتى بتغير الزمن واللحظة. لذلك لن يكون من المهم وجود معنى عام لحياة الفرد، ولكن ما يهم هو معنى حياته في لحظة معينة من الزمن. ويشدد الد. فرانكل على أن البحث عن المعنى يكون دائما متجها نحو العالم الخارجي لا نحو الأنا أو ذات الشخص.

المعنى يكون بثلاثة أشياء:

  1. أن يخلق الفرد لنفسه عملا أو فعلا يكون شغوفا به. وهنا نتذكر كل الأعمال والأشياء الخالدة التي كان للإنسان يد في صناعتها ودفعها للوجود ابتداءً بفكرة ووصولا إلى اختراع. يمكن للفعل أن يكون صغيرا بسيطا في طبيعته كابتسامة عفوية ليتيم على ناصية الطريق، أو مساعدة مادية لمحتاج، أو الاستماع بانتباه لما يقوله صديقك الذي يعاني من اكتئاب حاد، فبقولي خالدة، لا أعني أبدا مشهورة أو معروفة، فكم من فعل خالد لم تخلده روايات الإنسانية…
  2. أن يعايش تجربة أو يحب شخصا. في الحقيقة معظم الهتافات التي تتردد على مسامعنا مؤخرا هي “عش حرا”، “كن وحيدا”، أو “أنت لا تحتاج لشخص آخر…” هي مجرد هتافات فارغة بعيدة كل البعد عن الواقع، فبمجرد نظرة خفيفة وعابرة على واقعنا سنجد أن وجود ارتباط عاطفي ما بشخص أو أكثر حتمي، لا فرار منه، حتى لو حاولنا التملص من ذلك؛ نحن نحتاج لأشخاص حولنا، نحن نحتاج لتلك الرابطة العاطفية حتى نتذكر أننا أحياء…
  3. أن نختبر مدى صبرنا وتحملنا عند حلول الشدائد. وهذا لا يعني أبدا أنه من شروط توفر المعنى حضور المعاناة، لكن في حضورها يمكن للإنسان أن يختبر مدى تحمله لمسؤولية تصرفه تجاه هذه المعاناة، ولكي نفهم هذا الجزء أكثر علينا العودة إلى حياة الدكتور فرانكل في سنين سجنه بمعسكرات الموت النازية: حيث يرى أنه وإلى جانب كونه ملما باختصاصين: الطب النفسي والطب العصبي، إلا أنه يعتبر كذلك “ناجٍ” فقد نجى من أربع مستعمرات تعذيب وشهد بنفسه القدرة غير المتوقعة للإنسان على التحمل والتصدي لأسوء الوضعيات على الإطلاق. فإن كانت حرياتنا محدودة بفعل عديد من العوامل فمسؤوليتنا تقع على عاتق كيف نتصرف ونتخذ موقفا منها. 

اقتباسات من الكتاب:

 كلما نسي الإنسان نفسه بإعطائها مهمة للعمل عليها أو شخص آخر ليحبه كلما سيصبح أكثر إنسانية وتحقيقا لذاته…

إننا – نحن – الذين عشنا في معسكرات الاعتقال نستطيع تذكر الرجال الذين كانوا يسيرون بين الأكواخ ليبثوا بين ساكنيها مشاعر المواساة ويقدموا لهم آخر ما يملكونه من طعام. وعلى الرغم من قلة عدد هؤلاء الرجال، فإنهم قدموا دليلاً قاطعًا على أن الإنسان قد يُسلب منه كل شيء إلا شيء واحد وهو اختياره للموقف الذي سيتخذه في ظل أية مجموعة من الظروف، مهما بلغت قسوتها، واختياره لكيف سيتصرف.

ذلك الذي لديه ‘لماذا’ ليعيش بها بإمكانه تحمل أي “كيف”

من المهم جدا أن نتساءل ونتفكر ولو قليلا في ماهية حياتنا وما المعنى الذي يشغلنا في هذه الفترة الحالية بالذات وكذلك ما الهدف الأسمى من هذا المعنى، سواء كان فعلا، تجربة أو حتى حركة صغيرة بسيطة. ومن المهم أيضا أن نتسامح مع المعاناة الدائمة التي تحيط بالإنسان، وأن نعلم أنه حتى في ظلها فإننا قادرون على الإنجاز والعيش بإنسانية إلى آخر رمق. فالمعنى، ومجددا، سيتأتى بأبسط الأشياء، ولو بكلمة عابرة، أو إعانة إنسانية، أو توعية في ظل الظروف التي نمر بها…

الصورة الافتراضية
BENZERGA Rokia
المقالات: 0

اترك ردّاً