عش الحب/ مقال.

يبدو أن شيئا من روح الفراشة يسكنُنا، فترانا نبحث دائما لأنفسنا على محرقة، حتى عشقنا كلَّ لونٍ من ألوان اللهب؛ لهب النار، لهب الحرف، لهب الفكرة، لهب الحرب ولهب الحب. مثَّلت المقابلة بين العالم والإنسان مقولة جوهرية في فلسفة جماعة إخوان الصفاء وخلان الوفاء “الإنسان عالم صغير، والعالم إنسان كبير“،  هذه العلاقة التقابلية بين العالم والإنسان والتي صاغها إخوان الصفاء، كانت كامنةً في العقل الباطن للإنسان طوال تاريخه ولم يعرف الإنسان، وهو سيد العالم الكبير، في محيطه الخارجي شعورا أشدَّ عليه من خوف الزوال وخوف الظّلام؛ خاف الزوال لأن فيه انمحاءَ أثره، وخاف الظلام لأنه يجعله عاجزا أمام الوحوش التي كان يتحايل لقنصها في النهار، فيصبح فريسةً بعد أن كان الصياد، وهذا يقرّبه من الزوال. وللخلاص من هذا الخوف الموجود في عالمه الخارجي تعلم الكتابة ليُبقيَ أثره ويمنع زواله، وابتدع النار لينير الظلام حوله، وعليهما معا، أقصد النار والكتابة، بنى حضارته.

وفي عالمه الداخلي خاف الشّعورَ بالعجز وخاف ظلام الرّوح. خاف الأوّل لأنه يهدم أركان النفس وخاف الثّاني لأنه يثير شرورَها، وللخلاص من الخوف الموجود في عالمه الداخلي تعلّم التفكير ليتجاوز عجزه، وابتدع الحب لينير قلبه، وعلى هذه الأربع -الحب والنار، الفكرة والكتابة- يقوم عالم الإنسان بشقّيه الداخلي والخارجي.

والحب قبل أخواته الثلاث، لأنه لولا الحب لمَلَكه ظلامُ عالمه الداخلي حتى يجعله يحرِق بناره وأفكاره عالمه الخارجي، وبذلك أصبح الحب أو البحث عن الحب مركز الحضارة، لأنها قامت كلُّها على حبّ الإنسان للبقاء. لكن ولكي يبقى الحب في المركز دائما، فقد كان معنى مفقودا دائما. فهو المبدأ الذي انطلقنا منه وهو الغاية التي نطلب، ولا أحسب أنّني سأكون مغاليا لو قلت:

أعتقد أن مجموع ما كتبته البشرية في المحبة هو أضعافُ ما كتبته في الفيزياء والرياضيات والفلك وشتى أشكال المعرفة.

وهذه الكثرة تعلّلها طبيعة الحبِّ نفسِه؛ إذ أنّه يجعل الكتابة فعلا متاحا، ويجعلها فعلا متعذرا في الوقت ذاتِه، يدفعنا إليها ونحن نحاول القبض  عليه، ويصدّنا عنها وهو يفرّ منا، يجعلها فعلا متاحا لأنّ كلا منا –كلّ من يملك قلبا على الأقل، وأعتقد أننا جميعا نملك واحدا– مهيَّأٌ طبيعيا ليُحِبَّ ويُحَبَّ، ويملك تصورا ما عن الحب، ربما يكون تصورا ضبابيا، لكنه يبقى تصورا خاصا وفرديا عن الأمر، قد يكون اكتسبه عن طريق التحرش بالحب أو عن طريق تجربته، فالحب ظاهرة إنسانية عامة لا يحتاج المتكلم إلى تأهيلٍ ثقافيٍّ للخوض فيها أو الكلام عنها، وبالتالي فنحن جميعا مؤهلون تلقائيا للكلام عنه، وهذا يجعل كلَّ ما يقال فيه صحيحًا لكنّه أيضا خاطئ في الوقت نفسه, صحيحٌ تماما بالنسبة للقائل الذي يقوله منطلقا من وصف تصوره أو تجربته باعتبارها تجربة حياتية مشاعة، وخاطئٌ بالنسبة للمتلقي الذي لا يرى هذا الكلام متوافقا –قليلا أو كثيرا- مع تجربته وتصوره هو حِيال الموضوع.

هذا ما يجعل محاولة كتابة شيء عن الحب -شيءٍ يكون متسما بالقبول العام مع القدرة على توصيف الظاهرة من وجهة إنسانية عامّة تحدد ماهيته وقوانينه وأسبابه وأشكاله وكيفيات حدوثه وأنماط تجاربه- محاولةً عابثةً، ويجعل الكتابة عنه فعلا متعذرا، إذ أننا جميعا لا نفهم الحب، أنا وأنت وسبعة فاصل سبع وستين مليار إنسان موجود على هذا الكوكب، جميعا لا نفهم الحب ولا يمكن أن نستثني واحدا من جميعا هذه.

حالة اللافهم هذه هي التي تجعلنا نقترف فعل الكتابة، وحين نفهم أو يوجد فينا من يفهم الحب لن نجد شيئا لنكتب فيه وسوف نطوي صفحة ملايين القصائد والقصص والمسرحيات والروايات، ونمحوا ألوان ملايين الألواح ونطمس ملامح ملايين التماثيل، وسيفقد الكثير من الفنانين والأدباء والرسامين والمغنين بل وحتى الكثير من الأطباء خاصة النفسانيين منهم مصادر رزقهم، فكل هؤلاء لا يقتاتون إلا على جهلنا بالحب، وسوف تفقد الإنسانية قضية مركزية من قضايا وجودها الأدبي والفكري والحضاري، فقد كان الحب ولم يزل جوهر كل كتابة فنية جمالية سواء أكانت كتابة بالمداد أو الألوان أو الطين أو الأنغام أو …،

ومع هذا فكل ما كُتب فيه وعنه يبقى مجرّدَ محاولةِ بحثٍ أو بحثًا عن معنى الحب، ليظل كل واحد منا يكتب فيه ويفهم ما كتب فيه في ضوء تجربته الشخصية الفردية، فالذي يقرأ قصائد قيس ليلى وجميل بثينة وعنترة عبلة في الحب والعشق والهيام والشوق والفراق والحنين والهجر والوصل واذكر ما شئت بعد ذلك من الواوات، لا يفهم من هذه القصائد معاني ليلى كما وقعت في قلب قيس، ولا طيف بثينة كما تراءت لجميل، ولا ثغر عبلة كما برق لعنترة على صفيحة السيف لتحيله إلى صحيفة حب كتب عليها: فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ بل يفهم كل ذلك كما وقع وتراءى وبرق محبوبه هو، في قلبه لعينه لبصره، وهذا ما يجعل بعض أشرف وأجمل وأعظم ما كتب في الحب –شعرا-، وأقصد هنا قصائد المتصوفة في العشق الإلهي كقول شهيدة العشق رابعة العدوية رحمها الله-:

عرفت الهوى مذ عرفت هواك

وأغلقت قلبي على من عداك

أحبك حبين حبَّ الهوى

وحبًّا لأنك أهل لذاك

فأما الذي حب الهوى

فشُغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له

فلست أرى الكون حتى أراك.

تنتزع من سياقها ليستعملها العشاق للتغزل بمعشوقيهم، ومن رحمة الله بنا أنه استأثر لنفسه وخصها بكل شكل من أشكال العبادة وأفردها به، ثم رفق بنا فلم يجعل الحب الذي هو أعلى درجات العبادة، وأساس صحة كل عبادة، لم يجعله عبادة يختص بها ويحرم أن تصرف إلى غيره، ولو أنه جل شأنه اختص نفسه بها كغيرها من العبادات لهلكنا إلا قليلَ القليل، ولا أحسب أن هذا المجاز السياقي –إن صح التعبير- جاء من قبيل مساواة المنتزع بين حب رابعة العدوية أو غيرها من المتصوفين لربهم عز وجل، وحبه هو لمعشوقه، وإنما جاء من جهة فَرادة فهم النص، في حدود التجربة العشقية الشخصية، فلا أحد يفهم حب أحد لأحد كما وقع حب هذا الأحد في قلب ذاك الأحد، ولكن يتصوّره بصورة مقاربة لتجربته هو مع الحب، إمّا بوعي منه بخصوصية وفرادة كل حالة عشقية أو دون وعي، وفي هذه الحالة الثانية يكون متوهّما للفهم.

ما أكثر الذين يتوهّمون أنهم يفهموننا لأنهم وجدوا في بعض مظاهرنا شيئا شبيها بما اختبروه مرّة في حيواتهم.

جبران خليل جبران

ولعلك فهمت من قولي هذا أنني لا أرنو من خلال هذا المقال إلى محاولة الحجر على قلبك واستلاب عواطفك، فأضيف لك كلمة على آلاف الكلمات التي قيلت في الحب محاولةً شرحه ووصفه وتشريحه أو توضيحه، فالقلب قلبك وحدك وهو بين جنبيك وحدك فإن أنت لم تعرف دواخله فلا أحد بيده أن يُعرّفها لك، وهي عواطفك تتأجج في قلبك فإن أنت لم تفهمها كما تجدها فلا أحد يملك أن يُفَهّمها لك أو عنك، فحشايا ليس حشاك والذي في كبدي غير الذي في كبدك وهواي سوى هواك وما أحسن قول المتنبي: لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه وأنا أيضا لا أرغب أن أجعل من قلبي صفحة أنشرها بين يديك، فأصور لك ما لقي أو ما يلقى وأحدثك عن الحب كيف أراه، وكذلك لا أجد جدوى في أن أتحول إلى قصّاص أقص عليك أخبار العشاق وأحداث العشق، فهذا محفوظ في دواوين القوم وكتب المصنفين، وأزهد في أن أكون لغويا يقف معك ليشرح أسماءَ الحب ومنازلَه وسببَ تسميته بكل اسم من تلك الأسماء ومبتدأَ وخبرَ كل منزلة من تلك المنازل وكيف كان اشتغال العرب به، فما جاء في هذا الباب كثير في الكتب وهو على كثرته قليل لا يكاد يقول شيئا، إذ لا شيء مما قيل في الحب وعنه وحوله قد قيل، بل كان دائما إلى العجز عن القول أقرب منه إلى القول.

نوع من الكمال لا يمكن إدراكُه إلا عبر التراكم غير المحدود للنقائص.

كافكا على الشاطئ 148

ما الحب بالنسبة إليّ إلا كما قال كافكا أعلاه، النقائص التي تصوغها كل التَّمَثُلَات الفردية لمأساة الحب عبر تاريخ الإنسانية تمثُّلا يتجاوز الوصف اللغوي إلى التمثل الاجتماعي، لأنني أؤمن أن اللغة أعجز من أن تصفه، وأيُّ شيء يصف النار غير اللهب؟ وأيُّ شيء يصف السم غير اضطراب اللديغ؟ وما الذي يعرّف الموت غير حشرجة الروح؟ والحب هو الصورة المقابلة للموت فإن كان “الجميع يعرفون كل شيء عن ميلاد الإنسان، ولا أحد يعرف أي شيء عن موته” (1)، فبالمقابل الجميع يعرف كل شيء عن الحب كيف لا يكون، ولا أحد يعرف أي شيء عنه كيف يكون، لأننا نتكلم عنه كثيرا ولا نعيشه إلا قليلا قليلا، فهو فينا قليل غريب، ورغم قلته وغربته فإننا نخافه كثيرا ونراقبه كثيرا ونهرب منه كثيرا، وإذا أردنا أن نفهمه أو نعرفه يوما فعلينا أن نكف عن الهروب والخوف منه ونقلل من الكلام عنه، لنعيشه أكثر ونكسر عنه القيود أكثر.

إنه لا سبيل أمامنا لمعرفة الحب ما لم تتعلم مجتمعاتنا أن تتعايش مع الحب، وأما ونحن نتكلم عنه دون أن نعيشه في بيوتنا وفي مجتمعاتنا فنحن وهو كمثل عالِمٍ بالألوان يعرف عنها كل شيء؛ طول موجاتها، درجاتها، انعكاساتها، تأثيرها وحتى كيف تراها كل حشرة، لكنه ورغم معرفته – من الناحية النظرية – إلا أنه لم يرَها أبدا لأنه مصاب بعمى الألوان، فمعرفتنا بالحب لا تتعدى معرفة هذا الأعمى جزئيا بالألوان دون أن يراها، هي معرفة قاصرة مهما كانت واسعة، ولا تزيدها الزيادة في السَّعة إلا قصورا لأنه كلما تعلّم عن الألوان شيئا جديدا وتعلَّمنا عن الحب شيئا جديدا ازداد في نفسه أونفوسنا شعور افتقاد معناها أو معانيه في حقيقة حياته وواقع حيواتنا.

لذا فأنا لا أكتب ما أكتبه لأتكلم عن الحب، بل أكتبه لأقول لك عش الحب وإنّ كلَّ قول يقال عن الحب دون أن يكون فحواه عش الحب نصٌّ لا يقول شيئًا في نظري.

(1): رواية سانين ص:31

مقال لـ: عبد المالك دزيري.

تدقيق لغوي: كرنيف ربيحة.

الصورة الافتراضية
Abdelmalek DZIRI
المقالات: 2

2 تعليقان

  1. مقال رائع، إمتناني لك و كل احترامي.
    أجدت في تصوير الحب بتفاصيله التي غفل عنها الكثيرون ، أضيف فقط أن الحب لله و في الله أسمى انواع الحب و هذا ما يجب علينا ان نتحلى به كمسلمين ، فكل حب يكون في اليد الا حب الله يكون في القلب .
    لأن الذي يفقد شيئا في يده يهون عليه بمرور الوقت و ينساه ، الا ان الحب الذي يعشش في القلب يؤذي صاحبة ان يودي بحياته ان فقد …

  2. بارك الله فيك
    لمقدرتك على وصف وتجسيد الحب على هاذا المنضور المفصل في كل كأن فينا ولكل وجهة نضرية خاصة بنا👏👏💝

اترك ردّاً