مراجعة رواية “كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك؟” لعمارة لخوص

بطاقة فنية عن الكتاب:

اسم الكتاب: كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك

اسم الكاتب: عمارة لخوص

دار النشر: منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم

سنة النشر: 2003

عدد الصفحات: 151

عن الكاتب:

عمارة لخوص، كاتب وروائي جزائري، تخرج من معهد االفلسفة بجامعة الجزائر، واصل دراسته وحصل على الدكتوراه من جامعة روما في الانثربولوجيا، يكتب باللغتين العربية والايطالية. نشر 5 روايات، منها روايته الثانية “كيف ترضع الذئبة دون أن تعضك” التي نشرها سنة 2003 في الجزائر، ثم أعاد كتابتها سنة 2006 باللغة الايطالية تحت عنوان “صدام الحضارات حول مصعد في ساحة فيتوريو”. ترجمت الرواية بعد النجاح الذي لاقته الى عدة لغات كما تم تجويلها الى عمل سينمائي من اخراج إيزو تاتوزو. حاز على جائزة فلاياتو الأدبية الدولية سنة 2006 وجائزة المكتبيين الجزائريين سنة 2008

عن الكتاب:

الحقائق والعواءات:

“يحتاج الإنسان للحلم كحاجته للماء”.

“كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك” عنوان يثير حول لحافه الأسئلة ويلف لما تحته الأنظار، كيف يمكن أن يرضع المرء من ذئبة دون أن تعضه؟ وما الذي قد يدفعه لحماها؟ يعيد عمارة لخوص كتابة روايته باللغة الإيطالية؛ فيحول العنوان الملغم، إلى آخر، مسالم، يبعث بالإيحاءات: “صدام الحضارات حول مصعد في ساحة فيتوريو”، هكذا يوحي إلينا ببعض ما في جعبته.

في بناية واحدة، بمصعد وحيد، اجتمعت شخصيات الرواية من خلال جريمة قتل، مقتول معلوم وقاتل مجهول، يكشف عمارة لخوص الجوانب الخفية في النفس البشرية. حيثيات الجريمة تخفي وراءها واقع المهاجرين في الغرب والصراع بين الهويات والحضارات القائم على سوء الفهم.

عمارة لخوص، بأسلوبه السردي الخاص، تمكن من نقلنا لعالم روايته حيث نقف أمام عشر شخصيات تتحدث في مواجهة شخصية واحدة هي شخصية الرواية المحورية “أميدو”، يضعنا أمام حقائقهم الذاتية، فتجده قسم العمل إلى حقائق متعددة (حقيقة بارويز، بندتا، إقبال أمير الله، إليزابيتا، ماريا، أنطونيو، يوهان، ساندرو، ستيفانيا، عبد الله وماورو بتاريني.) في مقابل عواءات أميدو مرتبة، هذا الذي صوره متسائلا في مواجهة هذه الحقائق عن معنى الحقيقة ومن يملكها.

ويسرد أميدو تحت مسمى العواء يومياته واعترافاته، يصور لنا من خلالها الوجه الآخر للحقيقة، التي رأينا وجهها الأول في استجوابات الشخصيات، والتي صورتها لنا من منظور مغاير تماما، هكذا يضعنا الكاتب في النهاية أمام وجهي الحقيقة الواحدة.

استعمل لخوص في العمل لغة بسيط دون الوقوع في فخ السطحية، أسلوبه السردي منح الأحداث إيقاعا سريعا إلى حد ما، خفيفا، كما أنه أحكم قبضته على زمام الوصف، فتراه وقد صور الأماكن التي بث فيها الحياة بطريقة تشعر القارئ كما لو كان وسط مدينة روما، (التي عاش بها الكاتب فترة من حياته)، وكما لو كان يعيش في إحدى شقق العمارة.

قد يؤخذ على الكاتب بعض عوالق ثقافته الجزائرية في تعبيراته التي تأتي على ألسنة شخصيات إيطالية، ما قد يمس بأصالة الحكي والقص بدرجة ما، سرعان ما تذوب في متانة وتماسك عناصر الرواية.

تتماسك الرواية بشدة قوة تجاذب أطراف جدليتها، فنجد عجينتها قائمة على الجمع بين المتناقضات سواء في الأسلوب أو من ناحية إثارة تجاوب المتلقي مع النص، فلم يتوان من بداية العمل لنهايته عن التأكيد على عديد الثنائيات على غرار ثنائية العنصرية/التعايش، الذاكرة/المستقبل، البغة/ الهوية ..

صدام الحضارات حول مصعد:

“المهاجر وجه واحد عبر التاريخ رغم اختلاف لسانه، ودينه ولون جلده”

تعكس الرواية كم الزخم المعرفي للكاتب ببعض الثقافات الحاضرة فيها، على غرار الإيرانية والبنغالية والثقافة الإيطالية بشكل خاص، وهو الكم الذي وظفه الكاتب لإظهار الصدام بين الحضارات في صراعات تخفي في طياتها الواقع المعيش للمهاجرين واللاجئين وحالتهم الاجتماعية.

في مستوى ما نجد الصراع بين الإيطالي والأجنبي، وهو صراع داخلي/ خارجي، تجسد مثلا: في نظرة البوابة بنديتا لإقبال البنغالي الذي راحت تناديه بالباكستاني، وبارويز الإيراني الذي تنعته بالألباني، والخادمة ماريا من بيرو التي تنعتها بالفلبينية، تقول البوابة بنديتا أنها لا تفهم لم ينكر هؤلاء المهاجرون أصولهم، يقول كل منهم أنهم من بلد ما نسيت هي اسمه، يقولون ذلك حتى يهربوا من السلطات الإيطالية، بالمقابل تصر هي على وسمهم بما يظهر لها من جنسيات! أو في نبذ البوابة والأستاذ أنطونيو للشاب الهولندي الذي جاء إلى إيطاليا لتحقيق حلمه السينمائي، الشاب كان يستعمل جملة إيطالية في غير محلها، جعلته محط استهزاء منهما، وحتى أنطونيو لما هم يصحح للشاب الهولندي تلك الجملة كان يقولها خطأ، لم يترك له فرصة ليشرح وجهة نظره وأغلق باب النقاش معه مباشرة أو في معاناة إقبال البنغالي مع البيروقراطية، ومع الشرطة الإيطالية.

وفي مستوى ثان يصور لنا لخوص ملامح الصراع القائم بين الأجانب فيما بينهم، صورها مستندة على شيء من الدين، كأنه يقول بذلك، أن المهاجرين قد نقلوا معهم خلافاتهم إلى أرض المهجر كذلك! فنرى عبد الله بائع السمك الذي يضايق إقبال أمير الله بسبب اسمه، ويتهمه في دينه، ونراه اتخذ من أمديو هدفا له، باحثا عن كشف الغموض الذي يكتنف هذه الشخصية، أمديو المتحفظ حول شخصه، صار هدفا لفضول عبد الله، ولرغبته في معرفة السر وراء اسمه هذا، وعلى أي ديانة هو.

وفي مستوى أعمق يصور لنا الكاتب الصراع حتى بين الإيطالي والإيطالي مسلطا الضوء على الشرخ الذي يعيشه المجتمع الإيطالي في صراعه بين الشمال والجنوب. أنطونيو الميلاني ناقم على روما وسكانها رغم احتضانها له ورغم إقامته وعمله فيها. فنراه يقول:

“هكذا أهل الشمال يعملون وينتجون ويدفعون الضرائب وأهل الجنوب يستغلون هذه الأموال في إنتاج العصابات الإجرامية مثل المافيا في صقلية ولا كامورا في نابولي ولاندراغتا في كلابريا وعصابات الاختطاف في سردينيا. المصيبة أن الشمال عملاق اقتصادي وقزم سياسي! هذه هي الحقيقة المرة.”

والبوابة بندتا المتعصبة لكل ماهو جنوبي، تعصبها هذا جعلها تختار لابنها الوحيد اسم جينارو تيمنا بقديس مدينتها نابولي.

كل هذه الصراعات، على اختلاف مستوياتها، كانت بالنسبة لأمديو تتلخص في مشكلة واحدة وحيدة، تكمن في عدم قدرة العنصري على الابتسام لذاته، مايجعله عاجزا عن الابتسام لغيره، وبالتالي تتولد الصراعات وتنتشر الكراهية بينه وبين غيره.

“سألني إقبال هذا الصباح: هل تعرف ما هو الفرق بين العنصري والمتسامح؟ قلت له: “العنصري في عداء مع الآخرين لأنه يعتقد أنهم ليسوا في مستواه بينما المتسامح يتعامل مع الآخرين دون تكبر واحتقار”. عندئذ اقترب مني حتى لا يسمعه أحد كأنه سيفشي سرا خطيرا وقال لي: “العنصر لا يبتسم!.” لقد فكرت طيلة النهار في العنصري الذي يأبى الابتسامة. فوجدت أن إقبال قد وضع يده على اكتشاف هام. مشكلة العنصري ليست مع الآخرين وإنما مع نفسه. العنصري لا يبتسم للآخرين لأنه لا يبتسم لنفسه، صدق المثل العربي القائل: “فاقد الشيء لا يعطيه”.”

الأنا، بين الماضي والمستقبل:

ولعل ملامح هذه العنصرية والصراعات تتضح أكثر، لما نركز ملاحظتنا على الشخصيات العنصرية في الرواية ونظرتها لشخصية أمديو، لقد أحبوه جميعا، وأغدقوا عليه بأجمل الصفات، مع تذييلها بكونه إيطاليا حقيقيا، أو بقولهم أنظر مثلا لأمديو، هو مواطن مثالي، لأنه إيطالي وليس كهؤلاء المهاجرين. لذلك ليس من الغريب دهشة سكان العمارة الذين استفاقوا على خبر أن أمديو، مجرد مهاجر هو الآخر، هو الذي لطالما نال احترامهم الكامل والجماعي، كيف يمكن أن يكون مهاجرا؟

“أحيانا تتملكني الدهشة عندما أفكر في الأمر التالي: أنا طيب في نظر الجميع! لكن من يدريهم؟ قد يكون أمديو قناعا ليس إلا! أنا حيوان مفترس لا يستطيع التخلي عن طبيعته الأولى، الحقيقة أن ذاكرتي هي حيوان مفترس كالذئب تماما: أوووووو أووووو”

يبدو ان أمديو هذا، قد لبس ثوب الإيطالي ببراعة، وأتقن اللغة بطلاقة لا يقدر عليها كثير من الإيطاليين أنفسهم. أمديو الفار من ذاكرته، وجد في روما ملجأ له منها، روما الحاضر والمستقبل، وذاكرته ظل يلاحقه، هل كان هروب أمديو من ماضيه وفراره من ذكرياته هو ما جعله يندمج في المجتمع الإيطالي بهذه السلاسة؟ وهل كانت رغبته في محوها هي ما جعلت من صفحة بيضاء، تتلون بلون الثقافة الإيطالية؟ وطفلا يتعلم لغة أهل روما كما يتعلم لغته الأم؟ في مقابل بارويز الإيراني الذي منعه تمسكه بماضيه وحياته في إيران من التكيف والتأقلم مع المجتمع الإيطالي.

يدفعنا عمارة لخوص في لحظة من لحظات قراءتنا للرواية، للبحث عن الحقيقة الكامنة خلف أمديو ومن يكون؟ وهو الذي يقول:

” قرأت هذا المساء في مجلة “إسبريسو” مقالا لعالم نفس ينصح الناس بتغيير الأسماء من حين لآخر لأن ذلك يسمح بخلق نوع من التوازن بين الشخصيات المتعددة التي تتنازع كل واحد منا. قال إن تغيير الاسم يساعد على العيش أفضل لأنه يخفف من أعباء الذاكرة. إذا أنا في مأمن من انفصام الشخصية بسبب اسمي الإيطالي.”

يجعلنا الكاتب نحوم مع الشخصيات حول علاقة الاسم بالهوية، وعلاقة الذاكرة بالحاضر، ونتساءل معها في حيرتها. وفي طريق هذه الرحلة لا يفوته أن يضيء لنا ومضات يستمر معنا أثرها بعد انتهائها.

حجم الرواية الصغير لم يمنعها من احتواء لفتات تجعل القارئ يخرج من كل قراءة لها، بفكرة جديدة لم ينتبه لها عند أول قراءة. وهو مايحسب للكاتب. فهاهو يأخذنا في حديث عن الحب والمستقبل، الهجرة، الهوية، الانتماء، التعايش، العنصرية، اللغة والذاكرة. بحثا عن الرمزية التي يشير لها عنوان الرواية، والذي قد يثير فضول الكثيرين لقراءتها، والأهم، كيف يمكن أن ترضع الذئبة دون أن تعضك ؟

إعداد: بشرى بوخالفي ومنال بوخزنة

تدقيق لغوي: بشرى بوخالفي

الصورة الافتراضية
BOUKHALFI Bouchra
المقالات: 20

اترك ردّاً