نعوم تشومسكي: نقص أجهزة التنفس الاصطناعي تفضح فظاعة الرأسمالية النيوليبرالية.

لا يزال فيروس كورونا (كوفيد-19) ينتشر في العالم كالنار في الهشيم، مئات الآلاف من المصابين (يُرجّح أن العدد الفعلي أكبر بكثير من الحالات المؤكدة)، قائمة الوفيات في تزايدٍ أسيّ مستمر، واقتصادات رأسمالية تتجه نحو طريق مسدود، مع ركود عالميّ شبه محتوم.

لقد تم التنبؤ بالجائحة قبل ظهورها بزمن طويل، لكن الإجراءات التي كان من اللازم اتخاذها استعدادا لمثل هكذا أزمات كانت أشبه بالمحرّمة بسبب وحشية وأولويّة النظام الاقتصادي، إذ أنّه “لا وجود لأرباح في منع وقوع كارثة مستقبلية”، كما أشار إليها نعوم تشومسكي – Noam Chomsky في هذه المقابلة الحصرية لتروث آوت – Truthout، – تشومسكي أستاذ فخري في علم اللسانيات بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأستاذ كذلك بجامعة أريزونا، مؤلف أكثر من 120 كتابا وآلاف المقالات-، في هذه المقابلة، يناقش تشومسكي كيف أن الرأسمالية النيوليبرالية هي السبب وراء الاستجابة الفاشلة للولايات المتحدة الأمريكية لهذه الجائحة.

سي جي بوليكرونيو: نعوم، تفشَّى المرض النّاجم عن فيروس كورونا المستجد في معظم أنحاء العالم، إذ تعاني الولايات المتحدة الآن من حالات إصابة أكثر من أيِّ بلدٍ آخر، بما في ذلك الصين منشأ الفيروس. هل هذه تطورات مفاجئة؟

نعوم تشومسكي: حجم الوباء مثير للدهشة، صادم بالفعل، ولكن ليس في ظهوره، ولا في حقيقة أن الولايات المتحدة لديها أسوأ سجّل في الاستجابة للأزمة.

لقد حذّر العلماء من جائحةٍ لسنوات، وبإصرار منذ وباء سارس عام 2003، الناجم أيضا عن فيروس تاجيّ، والذي تم تطوير لقاحات له لكنها لم تتجاوز المرحلة قبل السّريرية. كان هذا هو الوقت المناسب للبدء في تطبيق أنظمة الاستجابة السريعة استعدادا لتفشّي وباءٍ ما وتخصيص طاقة احتياطية قد تكون لازمة. كان من الممكن أيضا المبادرة لتطوير دفاعات وأنماط علاج لحالة التكرار المحتمل لفيروسٍ ذي صلة.

لكن الفهم العلمي ليس كافيا. يجب أن يكون هناك شخصٌ يلتقط الكرة ويجري بها. تم منع هذا الخيار من قِبَل باثولوجيا النّظام الاجتماعي والاقتصادي المعاصر (*باثولوجيا تعني حرفيا علم الأمراض، ويقصد هنا تشومسكي النظام الذي يشير إليه بالثقافة المَرَضية). كانت إشارات السّوق واضحةً: ليس هناك أيُّ ربح في منع وقوع كارثة مستقبلية. كان يمكن للحكومة أن تتدخل، ولكن هذا ممنوع بالمعتقد السائد: “الحكومة هي المشكلة”، كما قال ريغان بابتسامته المشعّة. ما يعني أنه يجب تسليم عملية صنع القرار على نحو كامل إلى عالم الأعمال، المكرَّس للرّبح الخاص والخالي من تأثير أولئك الذين قد يهتمون بالصالح العام. لقد أعطت السنوات التي تلت ذلك جرعةً من الوحشية النّيوليبرالية للنظام الرأسمالي غير المقيد والشكل الملتوي للأسواق التي تبنيها.

اكتُشف عمق المرض بوضوح خلال واحدة من أكثر حالات الفشل دراماتيكية -وأكثرها فتكا -: الافتقار إلى أجهزة التنفس الاصطناعي، واحدة من المآزق الرئيسية في مواجهة الوباء. تنبأت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية بالمشكلة، وتعاقدت مع مؤسسة صغيرة لإنتاج أجهزة تنفس اصطناعية، غير مكلفة وسهلة الاستخدام. لكن بعد ذلك تدخل المنطق الرأسمالي. تم شراء المؤسسة من قِبل شركة كبرى، كوفيديان – Covidien، والتي قامت بتهميش المشروع، و”في عام 2014، مع عدم تسليم أجهزة التنفس الاصطناعي إلى الحكومة، أخبر المسؤولون التنفيذيون في كوفيديان نظراءَهم في وكالة الأبحاث البيوطبية [الفدرالية] أنهم يريدون إلغاء الاتفاقية، وفقا لثلاثة مسؤولين فدراليين سابقين. إذ اشتكى المسؤولون التنفيذيون من أنّها ليست مُربحة بالقدر الكافي للشركة”.

صحيح من دون شك.

تدخَّل المنطق النيوليبرالي بعد ذلك، مُملِيا أنّ الحكومة لا تستطيع العمل للتغلب على الفشل الإجمالي للسوق، الذي يسبب الآن خرابا. وكما أوضحت صحيفة النيويورك تايمز الأمرَ بلطف، فإنّ “الجهود المتوقّفة لإنشاء فئة جديدة من أجهزة التنفس الاصطناعي الرخيصة وسهلة الاستخدام تسلّط الضوء على مخاطر إسناد مشاريع ذات آثار حاسمة على الصّحة العامّة إلى الشّركات الخاصة؛ تركيزُ هذه الأخيرة على تضخيم الأرباح لا يتوافق دائما مع هدف الحكومة في الاستعداد لأزمة مستقبلية”.

إذا وضعنا جانبا طقسَ طاعة الحكومة الحميدة وأهدافَها المشيد بها، فإن التّعليق صحيحٌ بما فيه الكفاية. قد نضيف أن التركيز على تضخيم الأرباح هو أيضا “لا يتماشى دائما” مع الأمل في “بقاء البشرية”، لاستعارة عبارة من مذكرة مسربة من بنك JPMorgan Chase، أكبر بنك في الولايات المتحدة، محذّرا من أن “نجاة البشرية” معرّضة للخطر في مسارنا الحالي، بما في ذلك استثمارات البنك الخاصة في الوقود الأحفوري. وبالتالي، ألغت شركة شيفرون – Chevron مشروعَ طاقةٍ مستدامةٍ مربحًا لأنّ هناك المزيد من الأرباح التي يمكن تحقيقُها في تدمير الحياة على الأرض. امتنعت شركة إكسون موبيل – ExxonMobil عن القيام بذلك، لأنها لم تفتح مثل هذا المشروع في المقام الأول، بعد أن قامت بحسابات أكثر عقلانية بخصوص الربح.

وهي محقة في ذلك، وفقا للعقيدة النيوليبرالية، كما أمرنا ميلتون فريدمان وغيره من الشخصيات النيوليبرالية، فإن مهمة مديري الشركات هي تضخيم الأرباح. وأي انحراف عن هذا الالتزام الأخلاقي من شأنه أن يحطم أسس “الحياة المتحضرة”.

سيكون هنالك تعافٍ من أزمة كوفيد-19، بتكلفة شديدة وربما مروّعة، لا سيما بالنسبة للفقراء والضعفاء. لكن لن يكون هناك تعافٍ من ذوبان الصفائح الجليدية القطبية والعواقب المدمّرة الأخرى للاحتباس الحراري. هنا كذلك، تنجم الكارثة من فشلٍ في السوق – في هذه الحالة، هي ذات أبعاد تهز الأرض حرفيا.

كان لدى الإدارة الحالية تحذيرٌ وافٍ من احتمال انتشار جائحة مشابهة. في الواقع، تم تشغيل محاكاة عالية المستوى في أكتوبر الماضي فقط. استجاب ترامب خلال سنواته في منصبه بالطريقة التي اعتدناه عليها: من خلال إلغاء تمويل وتجريد كل جزء ذي صلة بالحكومة وتنفيذ تعليمات أسياد شركتِه بجدية لإلغاء القوانين التي تعيق الأرباح أثناء إنقاذ الأرواح – وقيادة السّباق نحو هاوية الكارثة البيئية، إلى حدٍّ بعيدٍ، أكبر جرائمه – في الواقع، أكبر جريمة في التاريخ عندما ننظر إلى العواقب.

مع أول شهر جانفي، كانت هناك شكوك حول ما كان يحدث. في 31 ديسمبر، أبلغت الصّين منظمة الصحة العالمية (WHO) بانتشار أعراضٍ شبيهة بالالتهاب الرئوي مع مسبّبات غيرِ معروفة. في 7 يناير، أبلغت الصين المنظمة أن العلماء حدّدوا المصدر على أنه فيروس تاجيّ وتوصلوا إلى تسلسل الجينوم، الذي جعلوه متاحا للمجتمع العلمي. خلال شهري جانفي وفيفري، كانت المخابرات الأمريكية تحاول جاهدة تحذير ترامب، لكنها فشلت. أبلغ المسؤولون الصحافة بأنهم “لم يتمكّنوا من حَمله على فعل أي شيء حيال ذلك. كان النظام يومض بالأحمر”.

مع ذلك، ترامب لم يكن صامتا. أصدر سيلا من التصريحات الواثقة مُبلغا العامة بأن الأمر مجرّد سعال. كل شيء لديه تحت السيطرة؛ يتحصل على 10 من 10 لتعامله مع الأزمة؛ إنّ الأمر خطير للغاية، لكنه كان يعلم أنّه جائحة قبل أي شخص آخر؛ والباقي هو أداء من “أنا آسف”. التقنية مصمّمة بشكل جيد، تماما مثل ممارسة استحضار الأكاذيب بسرعة كبيرة بحيث يختفي معها مفهوم الحقيقة تماما. مهما حدث، فمن المؤكد أنه سيتم تبرئة ترامب عند أتباعه المخلصين. عندما تُطلَق السهام بشكل عشوائي، من المحتمل أن يصيب البعض منها الهدف.

لتتويج هذا السِّجل المثير للإعجاب، في 10 فيفري، عندما كان الفيروس يجتاح البلاد، أصدر البيت الأبيض اقتراحه للميزانية السنوية، والذي يوسع بشكل أكبر التخفيضات الحادة في جميع الأجزاء الرئيسية المتعلقة بالصحة في الحكومة (في الواقع أي شيء قد يتعلق بمساعدة الشعب تقريبا) مع زيادة التمويل لما هو مهم حقا: الجيش والجدار.

أحد التأثيرات هو الاختبار المتأخّر والمحدود على نحوٍ صادمٍ مقارنةً بالآخرين، الأمر الذي يجعل تنفيذَ استراتيجيّاتِ الاختبار والتعقّب الناجحة التي منعت الجائحة من الخروج عن السّيطرة في المجتمعات العاملة أمرًا مستحيلًا. حتى أفضل المستشفيات تفتقد إلى المعدّات الأساسية. إن الولايات المتحدة الآن هي البؤرة العالمية للأزمة.

هذا يكشف السّتار عن ضغينة ترامبية، لكن لا يوجد مجالٌ للمزيد هنا.

إنّها -الضغينة- تحاول أن تلقي باللّوم على ترامب فيما يتعلق بالاستجابة الكارثية للأزمة. لكن إن كنّا نأمل تجنّبَ كوارثَ مستقبليّة، فعلينا أن نوسّع دائرة نظرنا إلى ما وراء ترامب. تولَّى ترامب الرّئاسة في مجتمعٍ مريض. مبتلى بـ 40 سنة من النيوليبرالية مع جذور ثابتة أكثر عمقًا.

النّسخة النيوليبرالية من الرّأسمالية قد دخلت حيز التنفيذ منذ أيام ريغان ومارغريت ثاتشر – Margaret Thatcher، بدأت قبل ذلك بقليل. لا حاجة للتحدث عن تبعاتها المحبطة. كرمُ ريغان – Reagan مع فاحشي الثّراء ذو صلة مباشرة باليوم، إذ يَجري تنفيذُ عملية إنقاذ أُخرى. رفَع ريغان بسرعة الحظرَ عن الملاذ الضريبي والوسائل الأخرى لنقل العبء الضّريبي إلى العامة، كما خوّل إعادة شراء الأسهم -وهي حيلة لرفع قيمة الأسهم وتمويل إدارة الشّركات وفاحشي الثراء (الذين يملكون معظم تلك الأسهم) وفي الوقت نفسه تقويض الطاقة الإنتاجية للمشروع.

تغييرات سياسية كهذه لها تبعاتٌ كبيرة، على عشرات الترليونات من الدولارات. بشكل عام، لقد صُمّمت سياسة لفائدة أقلية صغيرة بينما تُرك البقية يتخبطون. بتلك الطريقة نحصل على مجتمع يملك فيه 0.1 من السكان 20 % من الثروة والنصف الأدنى يملك صافي الثروة السّلبية ويعيش من الراتب وإلى الراتب. في حين ازدهرت الأرباح وارتفعت رواتب المدراء التنفيذيين بسرعة وركدت الأرباح الحقيقية. كما أوضح الاقتصاديّان إمانويل سيز وغابريال زوكمان في كتابهما، انتصار اللاعدالة، الضرائب في الأساس ثابتة في جميع فئات الدخل، عدا القمّة حيث تنخفض.

خصصت الولايات المتحدة نظامَ رعايةٍ صحّيّةٍ للربح، كان فضيحة دولية لوقت طويل، مع ضِعف النفقات للفرد الواحد في المجتمعات المتقدمة الأُخرى، وبعض أسوء النتائج. المذهب النيوليبرالي ضرب ضربة أُخرى في تقديم مقاييس كفاءة للأعمال: خدمة في الوقت المحدد بلا فوضى في النظام. أي خلل يؤدي إلى انهيار النظام. الأمر نفسُه ينطبق على نظام الاقتصاد العالمي الهشّ المجبول على مبادئ نيوليبرالية. هذا هو العالم الذي ورثه ترامب، وهو الهدف من ضربته القوية. لأولئك المهتمين بإعادة بناء مجتمع قابل للنمو من الخراب هذا ما ستتركه الأزمة الحالية. من الجيد أن نلتفت لنداء فيجي براشاد: “لن نعود إلى الوضع الطبيعي لأن الوضع الطبيعي كان المشكلةَ”.

ومع ذلك، حتى مع أن البلد في خضم حالة طوارئ صحّيّة عامة مختلفة عن أي شيء آخر شهدناه منذ زمن طويل، يستمر إخبار الشعب الأمريكي بأن الرعاية الصحية الشاملة أمر غير واقعيّ. هل النيوليبرالية وحدها هي المسؤولة عن هذا المنظور الأمريكي للرعاية الصحية المختلف بشكل فريد؟

إنّها قصة معقدة، في البداية، لفترة طويلة أظهرت الاستطلاعات مواقف تستحسن الرعاية الصحية الشاملة، بل وفي بعض الأحيان تأييدا قويّا للغاية. ففي أواخر سنوات ترأُس ريغان – Ronald Reagan (*فترة رئاسته كانت 1981-1989)، اعتقد حوالي 70 بالمئة من الشعب الأمريكي بأن التأمين على الرعاية الصحيّة يتوجب أن تكون أمرا دستوريا، بل وظن 40 بالمئة منهم بأنها دستورية بالفعل (يُتّخد الدستور على أنه الحامي لكل ما كان يظهر على أنّه حق) إلى أن بدأ الهجوم الخبيث للبروباغندا، محذّرًا من الأعباء الضريبية الثقيلة، أكثر مما عهدناه مؤخرًا. فتلاشى التأييد الشعبي.

كالعادة، يوجد شكل من الحقيقة في البروباغاندا. سترتفع قيمة الضرائب، ولكن يتوجّب كذلك أن ينخفض إجمالي النفقات بشكل حاد كما أظهرت سجلات بعض الدول، كم يبلغ ذلك التوفير؟ هنالك بعض التقديرات التقريبية. نشرت مؤخرا مجلة لانسيت – The Lancet بالمملكة المتحدة، وهي إحدى المجلات الطبية الرائدة في العالم، دراسة قدرت أن الرعاية الصحية الشاملة في الولايات المتحدة “من المرجح أن تؤدي إلى تحقيق توفير بنسبة 13٪ في نفقات الرعاية الصحية الوطنية، أي ما يعادل أكثر من 450 مليار دولار أمريكي سنويا (بناءً على قيمة الدولار الأمريكي في عام 2017)”.

من الممكن تمويل النظام بأكمله بتكلفة مالية أقل مما يتكبده أصحاب الوظائف والأسر التي تدفع أقساط الرعاية الصحية مع باقي الأقساط الحكومية الأخرى. هذا الانتقال بالرعاية الصحية سيكون أشبه بالتخفيف الأعظم للأسر ذات الدخل المنخفض. علاوة على ذلك، من المقدّر أن تأمين الرعاية الصحيّة لجميع الأمريكيين من شأنه أن ينقذ حياة أكثر من 68 ألف شخص بمجموع سنوات يقارب 1.73 مليون سنة كل عام مقارنة بالوضع الراهن.

في الواقع، ذلك سيؤدي لزيادة في الضرائب. كما يظهر أن غالبية الشعب الأمريكي سيفضّل إنفاق المزيد من المال طالما أنه لا يذهب لجهات ضريبية (ذلك يؤدي إلى وفاة عشرات الآلاف من الناس سنويّا بشكلٍ غير مباشر). إنه دليل مُعبّر على حالة الديمقراطية الأمريكية، كما يعيشها الناس، ومن منظور آخر لقوة النظام المذهبي الذي صاغته القوة التجارية وعملاؤها المفكرون. لقد قوّى الاعتداء النيوليبرالي من هذه الصفة الأشبه بالمَرَضِية على الثقافة الوطنية، لكن الجذور أعمق بكثير وتم توضيحها بطرق عدة، وهو موضوع يستحق المتابعة كثيرًا.

على الرغم من أن بعض الدول الأوربية تبلي بشكل أفضل من غيرها في التعامل مع انتشار COVID-19، إلا أنه يبدو أن أكثر الدول نجاحا في هذه المهمة هي الدول التي تقع خارج النطاق الغربي النيوليبرالي. إنها كل من سنغافورا، كوريا الجنوبية، روسيا والصين نفسها. هل تخبرنا هذه الحقيقة أي شيء بخصوص الأنظمة الرأسمالية الغربية؟

لقد كانت هناك ردود أفعال مختلفة لانتشار هذا الفيروس. يبدو أن الصين قد قامت بالسيطرة عليه، على الأقل حتى هذه اللحظة. ونفس الشيء ينطبق على الدول المحيطة بالصين، حيث اهتموا بعلامات الخطر والإنذار منذ البداية، ومن ضمنها ديمقراطيات ليست بأقل فعالية من الديمقراطيات المتواجدة في الغرب. قامت أوربا بالمماطلة بصورة عامة، ولكن بعض الدول الأوربية أخذت زمام المبادرة. تملك ألمانيا أقل معدل وفيات في العالم، وذلك بفضل وجود المنشآت الطبية الاحتياطية وعملية التشخيص الواسعة، بالإضافة للاستجابة السريعة. ونفس الشيء ينطبق على النرويج. لقد كانت استجابة بوريس جونسون –  Boris Johnson في المملكة المتحدة مخجلة. واستجابة ترامب هي الأسوأ.

على أي حال، لم تمتد العناية الألمانية للناس خارج حدودها. لقد أثبت الاتحاد الأوربي أنه أي شيء إلا “اتحاد”. رغم ذلك، يمكن للمجتمعات الأوربية المرهقة اللجوء إلى ما وراء الأطلسي طلبا للمساعدة. لقد أثبتت السلطة الكوبية أنها مستعدة للمساعدة مرة أخرى عن طريق الأطباء والمعدات. وفي تلك الأثناء، كانت جارتها الولايات المتحدة تقطع المساعدات الغذائية عن اليمن، حيث ساعدت هناك في خلق أكبر أزمة إنسانية في العالم، وقد كانت تستغل هذه الأزمة الصحية المدمرة لكي تُضيّق الخناق على أعدائها المحدّدين باستخدام عقوباتها الظالمة لكي تضمن أقصى درجات المعاناة بحقهم. كوبا هي أكبر الضحايا عُمرًا، منذ أيام الحروب الإرهابية والخنق الاقتصادي لكينيدي، لكنها نجت بأعجوبة.

من المفترض، أن تكون المقارنة صادمة ومربكة جدا بالنسبة للشعب الأمريكي ما بين السيرك في واشنطن وما بين تقارير أنجيلا ميركل –  Angela Merkel المتزنة، الدقيقة، والواقعية الموجّهة للشعب الألماني عن كيفية التعامل مع هذا الوباء.

يبدو أن الخاصية المميّزة في التعامل مع هذا الوباء ليست سواء أكان المجتمع “ديمقراطيّاا أو استبداديّ” ولكن سواء أكان المجتمع “فاعلا أم معطلا”، إن الدولة التي توصف بحسب البلاغة الترامبية بالدولة “القذرة”، هي بالضبط شكل الدولة التي يقوم ترامب بصياغتها تحت حكمه حالياً.

ما رأيك بخطة المساعدة الاقتصادية بقيمة 2 تريليون دولار للمساعدة في مواجهة فيروس كورونا؟ هل هي كافية لإبعاد كساد عظيم آخر محتمل ولمساعدة أكثر الفئات تضررا في المجتمع الأمريكي؟

إن خطة الإنقاذ أفضل من لاشيء. إنها توفّر مساعدة محدودة لأولئك الذين يحتاجونها بشدة،  وتتضمن تمويلا وافرا لمساعدة العاجزين بحق: أصحاب الشركات المساكين المتراكضين نحو حنان أمهم الدولة، قبعة في اليد، مخفين نسخهم من كتابات آين راند-Ayn Rand (1) ويلتمسون مجدّدا الإنقاذ من قبل العامة بعد أن قضوا سنوات مجدهم يكدّسون الأرباح ويعظمونها عن طريق عمليات إعادة الشراء العملاقة. لكن ليس هناك داعٍ للهلع. عمليات الرشوة والمحسوبية سيتم مراقبتها من قبل ترامب ووزير المالية، والذين يمكن الوثوق بهم ليكونوا أمينين وعادلين. وإذا قرّروا تجاهل قرارات المفتش العام والكونغرس، من سيقوم بشيء حيال ذلك؟ وزارة العدل الخاصة ببار- Barr (2)؟ عزل؟

لقد كانت هناك طرقٌ لإيصال المساعدة للأسر ولأولئك المحتاجين إليها، غير ذلك الأجر البائس المرسل إلى البعض. وهذا يشمل العاملين الذين كانوا يملكون وظائف محترمة والأشخاص الذين ينتمون لطبقة اقتصادية هشة ومتذبذبة ويعيشون عن طريق الوظائف المؤقتة والمتقطعة، وأيضاً: الأشخاص القانطين، المئات والآلاف من ضحايا “الموت بسبب اليأس”-تراجيديا أمريكية فريدة من نوعها- المشردين، المساجين، الأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين يسكنون في مساكن غير مؤهلة أين العزلة وتخزين الأطعمة ليست بخيار متاح فيها، والعديد من الأشخاص الآخرين الذين من السهل التعرف عليهم.

وضع الاقتصاديان السياسيان توماس فيرغسون- Thomas Ferguson وروب جونسون- Rob Johnson   الأمر بشكل بسيط وواضح: فبينما تعتبر الرعاية الصحية الشاملة شيئا أساسيا في باقي الدول ربما يكون توقعها في الولايات المتحدة شيئا مبالغا به. “ليس هناك سبب يوجب أن يكون دفع التأمين للشركات من طرف واحد”. ويستمران بذكر طرق بسيطة لإيقاف هذا الشكل من نهب الشركات.

في النهاية، يجب على الممارسة الاعتيادية لقيام المواطنين بكفالة قطاع الشركات (3) أن يتضمّن تنفيذ منعٍ قاسٍ على عملية إعادة شراء الأسهم، على العمال الفاعلين والمهمّين المشاركة في الإدارة، وضع نهاية لإجراءات الحماية المخزية المعنونة بشكل خاطئ “اتفاقية التجارة الحرة” التي تضمن أرباحا عملاقة للشركات الطبية التي تقوم برفع أسعار الأدوية بشكل كبير يفوق سعرها العادل لو خضعت لإجراءات أكثر عقلانية.

على الأقل.

لقد تم تعديل هذه المقابلة بشكل طفيف لأجل الإيضاح. المقال الأصلي: هنا

هوامش:

  1. آين راند: فيلسوفة وروائية أمريكية قامت فلسفتُها على أسس الأنانية والفردانية وعلى الفرد أن يهتم بنفسه فقط، وهنا تشومسكي يسخر من الفلسفة النرجسية التي تعتنقها الشركات التي تهتم بمصالحها فقط وكلما واجهت مشاكل مالية تتوجه للدولة وتطالب بأن يحصلوا على تمويل من ضرائب المواطنين
  2. بار هو النائب العام الأمريكي وأحد أعضاء الحزب الجمهوري ومؤيد قوي لسياسات ترامب. هنا يلمح أنه ليس هناك سلطة أو قوة يمكنها مساءلة ترامب لأنه يسيطر على الهيئات المسؤولة عن محاسبته.
  3. كفالة قطاع الشركات: وهي ممارسة اقتصادية، إذ تقوم الدولة في العادة بمساعدة الشركات أو المؤسسات الموشكة على الإفلاس عن طريق ضخ سيولة مالية لها مقابل سيطرة الدولة عليها أو على جزء كبير منها على الأقل. أما في الولايات المتحدة فتقوم الدولة بذلك ولكن من دون أي مقابل لها أو مقابل بسيط جدا، لذلك كلما احتاجت الشركات للمال يمكنها أن تأخذ من خزينة الدولة -التي مُلئت عن طريق دافعي الضرائب- ومن دون دفع أي مقابل تقريباً

ترجمة: بلبكري نصر الدين، سجاد ثائر، سماح صلاح، عمر دريوش.
تدقيق لغوي: كرنيف ربيحة.

الصورة الافتراضية
عمر دريوش
مدون ومترجم، محب للفلسفة والتصوف.
المقالات: 35

تعليق واحد

  1. اذن تعتبر الو م أ الأسوء في تعاملها مع أزمة كورونا .
    شكرا لمجهوداتكم في ترجمة الحوار القيم .
    وسحقا للنيوليبيرالية .

اترك ردّاً