النّجاة بقول الحقيقة: ما الذي يخبرنا به تفشي الإنفلونزا الإسبانيّة في الماضي عن أزمتنا الحاليّة؟!

نمُر الآن بواحدة من أسوء الأزمات التي شهدها العالم خلال العقود الأربعة الأخيرة، وأقرب ما يمكن لنا العودة له من أجل استخلاص الدّروس هو جائحة الإنلفونزا الإسبانيّة التي اجتاحت العالم سنة 1918، وترواحت تقديرات ضحاياها من 50 إلى 100 مليون إنسان.

وفقاً للمؤرّخ جون م.باري فإنّ أهم درس نتعلّمه من تفشي وباء الإنفلونزا الإسبانيّة عام 1918 هو أنّ على القادة ومسؤولي الحكومة قول الحقيقة، بغض النّظر عن مدى خطورتها. يقول باري، الذي كتب كتابًا مؤثرًا حول جائحة عام 1918، إنّ الكذب بشأن شدّة الأزمة في عام 1918 خلق الكثير من الخوف والعزلة والمزيد من المعاناة للجميع.

وفي مقالة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً يقول “لقد فقد الجميع الثّقة في السلطة والمجتمع في جوهره يقوم على الثّقة، ومع عدم قدرتهم على معرفة ماذا أو من يصدقون فقَد النّاس الثقة في بعضهم البعض أيضاً، وتدريجيّاً صاروا أكثر عزلة، وأقلّ ألفة.”

في هذا الحوار الذي أجراه المؤرخ جون باري مع شون إلينج الصحفي في موقع VOX الإخباري، يُطلعنا جون باري على تكلفة الكذب على المجتمع، وهل يقوم قادتنا الآن بإعادة الأخطاء التي أدّت لكارثة 1918، وكيف على الحكومة أن توازن بين إخبار المجتمع بالحقيقة وتجنّب خلق حالة من الهلع.

شون إلينج: هل يمكن اعتبار فيروس الكورونا هو أقرب شيء شهدته خلال فترة حياتك لجائحة الإنفلونزا الإسبانيّة؟

جون م.باري: أجل، لا شيء آخر يمكن تشبيهه بها، كان هناك الكثير من المخاوف في 2009 من التّفشي المتزايد لإنفلونزا الخنازير (H1N1)  لكن في الأخير تَمّ احتوائه. ولا تنسَ أنّه لولا علم الأحياء الجزيئي لما تمكنّا من ملاحظة فيروس الكورونا، لذلك يمكننا القول أنّه لا يشبه أي شيء رأيناه منذ سنة 1918.

شون إلينج: فيم يختلف وضعنا الآن عن الوضع الذي واجهناه في 1918؟

جون م.باري: يأتي الاختلاف الأكبر في الفئة السكانيّة التي ماتت جرّاء الإنفلونزا الإسبانيّة، في سنة 1918 الأغلبيّة الساحقة من الوفيات كانت في الفئة العمريّة بين 18- 45 سنة يمكنك القول أنّ ثلثي الوفيات كانت من هذه الفئة، كبار السّن كانوا قد أُصيبوا بفيروسات مشابهة في شبابهم ممّا قوّى من مناعتهم الطبيعيّة ضد الإنفلونزا الإسبانيّة.

اختلاف آخر هو معدل الحضانة، كان متوسط معدل حضانة الإنفلونزا الإسبانيّة يومان، ولا يتجاوز الأربعة، أمّا متوسط حضانة فيروس الكورونا هو الضّعف، ويمكن أن يمتدّ لفترة أطول، وهذا له جانب مشرق وجانب سيء، الجانب المشرق هو أنّه يتيح الوقت للتّواصل، التتبع  والعزل، وأشياء من هذا القبيل والتي كانت شبه مستحيلة خلال وباء الإنفلونزا الإسبانيّة، الجانب السيء هو أنّ هذا الفيروس قد يمتدّ لفترة أطول بكثير ويصيب المزيد من النّاس، كل المعطيات تشير إلى أنّ فيروس الكورونا أشدّ عدوى من الإنفلونزا الإسبانيّة.

هنالك اختلاف يُوجب التّفاؤل ألا وهو معدّل الوفيات، فعلى الرّغم من العدوى الشديدة لفيروس الكورونا، فإنّ معدل الوفيات لا يزال منخفضاً جداً عن معدل وفيات الإنفلونزا الإسبانيّة، لقد حصدت الإنفلونزا الإسبانيّة أرواح 2 بالمئة من سكان العالم الغربي، أمّا في أماكن أخرى من العالم كان الأمر أشدّ سوءاً، فقد توفي ما يقارب 7 بالمئة من سكان إيران، وما يقارب ال 5 بالمئة من سكان المكسيك، لقد كان الأمر فظيعاً، فقَد العالم ما بين 50 إلى 100 مليون إنسان سنة 1918 جرّاء الإنفلونزا االإسبانيّة.

شون إلينج: في رأيك ما هو الخطأ الأكثر فداحة الذي تمّ ارتكابه خلال جائحة الإنفلونزا الإسبانيّة سواءً من طرف الحكومة، أو المجتمعات المحليّة أو الأفراد؟

جون م.باري: الكذب، الحكومة كذبت، لقد كذبوا حول كلّ شيء، لقد كنّا في فترة حرب ولم يريدوا عرقلة الجهود الحربيّة، كان مسؤولو الصّحة يخبرون النّاس أنّها الإنفلونزا الموسميّة، ولا داعي للقلق، ببساطة لم يخبروا النّاس الحقيقة.

شون إلينج: كم أخذت الحقيقة من وقت لتنفجر في وجه الجميع؟

جون م.باري: ليس كثيراً، لقد لاحظ الجميع سريعاً ما يحدث عندما بدأ جيرانهم بالوفاة بعد 24 ساعة فقط من بداية ظهور الأعراض، لقد كان النّاس ينزفون في الشوارع من أنوفهم وأفواههم وأعينهم وآذانهم، لقد كان الأمر مريعاً، أدرَك الجميع بسرعة أنّ الأمر ليس مجرّد إنفلونزا موسميّة.

شون إلينج: ماذا كانت نتائج كل هذا الكذب؟

جون م.باري: كان الأمر كلّه كارثياً، فقد النّاس ثقتهم في الحكومة وفي كل ما يتّم إخبارهم به، فقدوا ثقتهم في بعضهم البعض وكل مانجح الكذب في فعله هو عزل النّاس أكثر، إذا انهارت الثقة، يبدأ كل إنسانٍ بالتّفكير في نفسه فقط، وهذه أسوء غريزة يمكن أن تسود في أزمةً بهذا الحجم.
في معظم الكوارث ، يتّحد النّاس معاً. وكان هذا هو الحال في بعض الأماكن والمدن حيث كانت الهياكل الاجتماعيّة الأكبر تتلاشى.
ولكن في كتابي، كتبت عن التّفكك التّدريجي للثّقة على كل مستوى من المجتمع وتسلسل الانهيارات التي نتجت عنه.

هنالك أيضاً نتائجٌ أكثر جللاً لهذا الكذب، على سبيل المثال نُقص الثّقة جعل من الصّعب على مسؤولي الصّحة تفعيل تدابير وقائيّة حساسة في الوقت المناسب، لأّن النّاس لم يصدقوا ما كانت الحكومة تخبرهم به، وفي الوقت الذي أُجبرت فيه الحكومة على أن تكون شفافة حول حقيقة الوضع كان الوقت قد فات، انتشار الفيروس تجاوز المرحلة التي كان يمكن إيقافه فيها. ببساطة الكذب ونقص الثّقة يحصدان الأرواح.

شون إلينج: في كتابك تقتبس من أحد العلماء في ذلك العصر: “لقد كنّا على بعد أسابيع من اختفاء الحضارة من على وجه الأرض”. ما مدى السّوء الذي بلغه الوضع؟

جون م.باري: سيء جداً، بعض الأماكن كانت أحسن من غيرها، لكنّ الصّليب الأحمر أبلغ عن حالات تَضوّر النّاس فيها جوعاً في بعض المجتمعات النائيّة، لأنّ الجميع كان خائفاً من أخذ الغذاء لهم، الخوف والرّعب كانا على أشدّهما، لقد كان المجتمع على شفير الهاوية.

شون إلينج: بعد دراسة جائحة 1918 كيف تعتقد أنّه يمكن تجاوز هذا المنزلق الصّعب، بين إخبار النّاس بالحقيقة، دون التّسبب في حالة من الهلع الجماعي؟

جون م.باري: هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً، ليس لدي أي دراسات تثبت أنّ ما سأقوله صحيح لكن رؤيتي هي أنّه يمكن للنّاس أن يتعاملوا مع الواقع والحقيقة أفضل من قدرتهم على التّعامل مع الشّك والريبة. إذا ما كنت تشاهد فيلم رعب دائماً ما تجعل في مخيلتك بأنّ الوحش أكثر إخافة، وبمجرد ظهور الوحش على الشاشة ومهما كان مرعباً، فإنّه أقلّ إخافةً حين يتجلّى أمامنا.

لهذا أنا أكره عبارة “الإشعار بالخطر” لأنّها توحي بمحاولة السيطرة على الحقيقة، في رأيي الحكومة لا يجب أن تسيطر على الحقيقة، بل يجب عليها قول الحقيقة.

شون إلينج: حاول الرّئيس ترامب إنكار خطورة هذه الأزمة في بادئ الأمر، وقال بأنّ كل ما يشاع هو مجرّد خدعة، وأخذت قناة فوكس نيوز واسعة الإنتشار نفس المنهج حتّى لم يعد بإمكانهم إخفاء خطورة الأمر. أعتقد أنّ الجميع قد غيّروا من نبرتهم حول الأزمة، هل ردة الفعل الأوليّة هذه كلفتنا الكثير؟

جون م.باري: بالطّبع، لا يوجد أدنى شك في ذلك، والأمر الغريب هنا أنّه كان دائماً في صالح ترامب أن يكون صريحاً معنا، لا يوجد شك أنّه تمّ إخطاره بحقيقة الوضع خلف الأبواب المغلقة لكنّه قام بإخفاء خطورة الوضع عن الرّأي العام، وهذا كلفنا خسائر لا نعلم حجمها بعد.

شون إلينج: ماهو تقييمك لاستجابتنا الجماعيّة الآن مقارنة عما كان عليه الحال في 1918؟

جون م.باري: يمكنك القول أنّه في 1918 لم يكن هنالك استجابة جماعيّة لكن اختلف الأمر من مدينة لأخرى. 
بالنّسبة لنا كانوا يقولون في بادئ الأمر أنّ الفيروس مجرّد خدعة سياسيّة، لتهديد رئاسة ترامب، لا أحد يقول ذلك الآن. لا يزال الأمر مبكراً للحكم إذا ما كان بإمكاننا مواجهة هذه الكارثة على أكمل وجه، نحن لازلنا في بداية هذا الأمر.

مقال لـ: Sean Illing
نشر يوم: 22/03/2020 على موقع Vox الإخباري تحت عنوان:
The most important lesson of the 1918 influenza pandemic: Tell the damn truth
رابط المقال على الإنترنت
الصورة: Otis Historical Archives, National Museum of Health and Medicine 

تدقيق: بوسيف ميّادة.

الصورة الافتراضية
Elaguab Oussama Bachir
المقالات: 0

اترك ردّاً