الأناركية وأزمة كورونا: قراءة في كتاب “الدعم المتبادل: عامل في التطور.”

تقديم:

إن “الأناركية -Anarchy” واحدة من أكثر المفاهيم المشوهة عبر التاريخ، وذلك لربطها الدائم بالفوضى والحركات الثورية الإرهابية، والجماعات الفردانية المتطرفة التي نشرت الرعب في أوساط المَلكِيات والأنظمة الاستبدادية، وتسبّبت في اغتيال العديد من الملوك ورجال الدولة الغربيّين، ما بين 1860 و 1915، على غرار “نارودنايا فوليا” المنظمة الروسية المسؤولة عن اغتيال القيصر الروسي “أليكسندر الثاني”، و”عصابة بونو” الفرنسية التي اشتغلت في بلجيكا وفرنسا زمن الحقبة الجميلة أي ما بين عامي 1911 و 1912، وكانت تقوم بأعمال غير قانونية كالسطو والقتل، مما استدعى لاحقا إنشاء منظمة الشرطة الدولية “الإنتربول” سنة 1923 كرد فعل لصد الأعمال الإجرامية التي يرتكبها “الأناركيون”.

إن التراث الثقافي الذي ورثه الأناركيون يرتبط عمليا ومباشرة بالفوضى، وعادة ما يتم وصف شيء فوضوي بأنه محبط وغير منظّم. ودائما ما تم ربط الأناركيين وفلسفتهم السياسية بالجريمة والترهيب والإرهاب، ولا تزال هذه الاتهامات المنسوجة من قبل الميديا والأنظمة وأصحاب المصالح قائمة، كذلك من قبل القوى السياسية اليسارية (الشيوعيين أو الاشتراكيين الدولانيين)، رغم أنهم يتشاركون في العديد من المبادئ والقيم، عدا التعطش للسلطة الذي يتعفف عنه الأناركيون.

“الدعم المتبادل: عامل في التطور” هو كتاب علمي مفتاحي، وركيزة هامة لفهم الفلسفة الأناركية السياسية، التي نراها بعيدة عن صورة “المثالية” التي يحاول خصوم الأناركية إلصاقها بها. يعود الكتاب لأحد أبرز المنظرين الأناركيين إلى جانب كل من “جوزيف بيار برودون، مؤسس المدرسة الأناركية التبادلية، ماكس شتيرنر، مؤسس المدرسة الأناركية الفردانية، ميخائيل باكونين مؤسس المدرسة الأناركية الجمعوية ومؤسس ومنظر الشيوعية الأناركية أو الشيوعية التحررية، المناهضة للدولة والرأسمالية والشيوعية الدولانية أو الشيوعية الاستبدادية، وهو “بيوتر أليكسييفيتش كروبوتكين” العالم المهمش وصاحب الإسهامات الكثيرة في مجالات علمية عديدة مثل: الجغرافيا، الباليونتولوجيا، الأنثروبولوجيا، السوسيولوجيا، الزولوجيا، الجيولوجيا، البيولوجيا، علم النفس التطوري، الفلسفة الاجتماعية والسياسية وعلم الإجرام.

المثير للاهتمام في “الدعم المتبادل” لا يكمن في أطروحات الكاتب المقنعة والعلمية، ولكن قدرته على جعلنا نفكر، وقدرته المذهلة على تحليل كل شيء من حوله.

عن الكتاب:

يعد هذا العمل أحد أهم المراجع الفلسفية والعلمية في القرن التاسع عشر والعشرين على التوالي، إذ صدر في شكل مقالات نشرت ما بين 1890 و1896 في مجلة بريطانية تدعى: “ذا نايتينث سينتشوري” (القرن التاسع عشر)، ثم جُمعت ونشرت في شكل كتاب من قبل صاحب المجلة: “ويليام هاينمان” في لندن، وكان ذلك في أكتوبر من سنة 1902، وفي حقبة زمنية خيّمت عليها الرأسمالية الجامحة، الشبيهة بالرأسمالية الاستهلاكية التي نعيشها اليوم.

 يسلط كروبوتكين الضوء في المؤلف على قضية الدعم المتبادل والتعاون داخل العملية التطورية، وقد حرره أثناء فترة نفيه في إنجلترا لأسباب سياسية. أصبح الكتاب من حينها مرجعا هاما في الأوساط السياسية التحررية، وأثنى عليه الكثير من المثقفين أمثال السوسيولوجي الألماني فرانز أوبنهايمر، الأنثروبولوجي الأمريكي أشلي مونتاجو، والفيلسوف الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي.

بداية، كتب كروبوتكين الكتاب جزئيا كرد فعل على “الداروينية الاجتماعية”، لا سيما مقال توماس هكسلي الذي يحمل عنوان: “الكفاح من أجل الوجود” المنشور سنة 1888 في مجلة القرن التاسع عشر. استند كتاب كروبوتكين إلى تجربته اليومية في البعثات العلمية في سيبيريا لتوضيح ظاهرة التعاون في المجتمعات الحيوانية بشكل عام، بعد فحص ضخم لأدلة التعاون في مجتمعات الحيوانات غير البشرية (النمل، الطيور)، والبشرية خاصة في مدن العصور الوسطى والعصر الحديث، واستنتج أن التعاون والمساعدة المتبادلة مهمّان في تطور الأنواع مثلها مثل المنافسة والصراع المتبادل.

في نُسختها الإعلامية، غالبًا ما تُصوِّر لنا “نظرية داروين التطورية” مُصفَّاةً بالأيديولوجية الرأسمالية، التي شوّهتها وخصّصتها لتبرير فرضياتها علميًا. وعلى الرغم من أن كروبوتكين لم يكن أول من ندد بهذا التلاعب الوقح، إلا أنه كان أول عالم قدّم دراسة علمية محضة ومفصلة عن آثاره. وما اكتشفه كروبوتكين يمكن تلخيصه بسهولة: “الأقوى” لا يجب أن يكون الأقوى أو الأكثر فردانية، ولكن من يقدر على التكيّف بشكل أفضل مع البيئة” – والأنواع التي لديها أكبر إمكانية للبقاء هي تلك التي تبحث عن تأمين مستقبلها خلال التأقلم مع المحيط والتنسيق مع نوعها، وحتى مع الأنواع العدُوَّة إذا تطلَّب الأمر ذلك وهي حقيقة أخذها داروين في الاعتبار.

لم يقتصر العالم على تقديم تفسير معدّل لفرضيات داروين، ولكن من خلال استخلاص الاستنتاجات الأنثروبولوجية والسياسية المناسبة، وتوسيع نطاق تفكيره ليشمل المجتمع البشري ككل، وبالتالي سيحدد الظروف والعمليات التاريخية، التي تظهر أنه من خلال الدعم والمساعدة المتبادلين، وليس من خلال النضال القاسي “للجميع ضد الجميع”، تمكنت المجتمعات البشرية من التوسّع والتطور.

على وجه التحديد، جاء رد كروبوتكين المطول لدحض المبدأ القائل بأن “قانون بقاء الأقوى” المروج له من قبل هربرت سبنسر وهكسلي، هو شيء متأصّل في الطبيعة، ذلك بهدف تبرير “الرأسمالية” و”الداروينية الاجتماعية”، التي أدّت لاحقا إلى ظهور علوم زائفة مثل “علم تحسين النسل”، و”علم الأجناس البشرية” وغيرها من النظريات العُنصرية – كما أنه كان شخصًا واقعيًا ولم يشترك في رؤية روسو “المسيحية” المثالية للإنسان، التي تقول بأن الإنسان يولد كاملا بلا عيوب ومحبا للخير، وأن المجتمع هو من يفسده.

في مقدمة كتابه يقول: “لم يخلق المجتمع بأي شكل من الأشكال على الحب، أو حتى على التعاطف، وإنما تم إنشاؤه على الضمير -حتى لو كان غريزيًا- للتضامن الإنساني والاعتماد المتبادل بين الإنسان. لقد تم إنشاؤه على الاعتراف شبه الواعي للقوة بأن الممارسة الشائعة للاعتماد الوثيق لسعادة كل فرد على سعادة الجميع، وعلى مشاعر العدالة والإنصاف التي تُجبٍر الفرد على النظر في حقوق كل من الآخرين، على أنها مساوية لحقوقه “.

قسّم كروبوتكين كتابه إلى 8 فصول تناول من خلالهم موضوع “الدعم المتبادل” من عدة زوايا علمية:

– في الفصل الأول والثاني درس من خلالهم الدعم المتبادل بين الحيوانات، عند النمل والنحل، الطيور والأسماك، والذئاب والأسود والقوارض.

– في الفصل الثالث درس الأصل القَبَلي للمجتمع البشري، والظهور المتأخر للعائلة النووية، كما درس العديد من المجتمعات البدائية مثل: مجتمع البوشمان وهوتنتوتس، بابوا، الإسكيمو واليوتس.

– في الفصل الرابع تحدث عن الهجرات والتحوّلات الاجتماعية التي صاحبتها والتعاون المتبادل في الأوساط المجتمعية البربرية التي أنهت الإمبراطورية الرومانية الغربية، كذلك عن المجتمعات القروية والعمل الجماعي والقانون القبلي، في العديد من المجتمعات الموجودة حاليا في أفغانستان، إندونيسيا، سلوفينيا، منغوليا، ماليزيا، إثيوبيا وحتى الجزائر (منطقة القبائل بالتحديد) ودور تجماعت في تنظيم المجتمع القبائلي، ودور العادات والتقاليد في تعزيز التعاون المتبادل بين الأفراد على اختلاف مكانتهم الاجتماعية.

– في الفصل الخامس والسادس تحدث على التعاون أو الدعم المتبادل في المدن التحررية القروسطية. لقد تم تقديم الإمبراطورية الرومانية إلينا كواحدة من أهم الفترات في التاريخ، إن لم تكن من أكثر المراحل تألقًا في الحضارة الغربية. إلا أنها تُعتَبر من أسوأ المراحل التاريخية بالنسبة للتحرريين، لأنها أرست أُسُس القانون الحديث، ورسمت الدولة ككيان قوي، يميل إلى السيطرة على كل شيء.
بالنسبة لكروبوتكين، فإن العصور الذهبية للمجتمع البشري وُجِدت بين أقطاب اليونان القديمة والمدن التحررية في العصور الوسطى. إذ تصور كذلك بأن نقابات الحرفيين والتجار كانت بمثابة المحرك الرئيسي لازدهار تلك المدن، على عكس إقطاع اللوردات والملوك والباباوات.

-في الفصل السابع والثامن تناول الثورات الشعبية في بداية فترة الدولة، وعن دور النقابات العمالية ونضالاتهم في تعزيز العمل المشترك والمساعدة المتبادلة والإضرابات.

كما قدم العديد من الأمثلة على المساعدة الذاتية التي تستمر بشكل أو بآخر على الرغم من ضغوط الدولة والرأسمالية. كما أنه أولى أهمية كبيرة لهذه النقابات وبين أن هدفها هو الجمع بين أشخاص من طبقات اجتماعية، من أجل أغراض تخدم الجميع دون استثناء.

تطرق الكاتب أيضا للجمعيات الخيرية، إذ يعتقد أنها مستوحاة أيضا من الدعم المتبادل، فحسب المؤلف، الدعم المتبادل ليس صدقة، كما أنه ليس فضيلة مستوحاة من السماء، بل وببساطة “واجب”، بمعنى لا يوجد تفوق لمن يعطي على من يستقبل، ولكن هناك مساواة مشتركة للجنس البشري بأكمله.

كما كان المؤلف من أكبر المشجعين للعمل النقابي، وكان مشجعا للمجموعات التي تجتمع بحرية لتحقيق هدف معين. ورأى أن إنشاء “دويلات أو كومونات” داخل الدولة أمر مهم ولابد منه، لأنه من أفضل الطرق التي تتيح للمواطنين للمشاركة بنشاط في الحياة السياسية.

كانت هناك فقرات تصف بشكل مفجع ومؤلم الصعوبات التي واجهت الطبقة العاملة الإنجليزية في تلك الفترة، وتٌشبه تلك التوصيفات لحد كبير التقارير التي نجدها في مؤلفات ماركس وإنجلز حول عمال المصانع – طبعا، فبسبب المعاناة التي يتسببون بها والتحبب في المواقف الصعبة، ينسى البشر أنانيتهم ​​ويعطون أنفسهم للآخرين، حتى لو لم يكن لديهم سوى القليل لتقديمه.

سلط المؤلف الضوء أيضا على المجتمعات غير الغربية وقدم مساهمات إثنولوجية هامة حولها، ويُعتبر ذلك أمر رائع وثوري خاصة في وجه الأشخاص (الإنسان الأبيض الغربي) الذين يسعى لتشويه المجتمعات “المتخلفة” التي لا تنتمي لثقافته.

كورونا والدعم المتبادل.

صحيح أن التكلم عن التعاون المتبادل في عصرنا المتهالك أمر جنوني ومثير للسخرية، رغم إشارة داروين قبل نصف قرن وبإيجاز إلى أهمية المساعدة المتبادلة للضمان استمرارية السلالات الحيوانية واستمرار تطورها التدريجي.

كارثة كورونا فيروس، أحيت وأعادت للواجهة مفهوم الدعم المتبادل، ودفعت بالآلاف من مجموعات المساعدة المتبادلة Mutual Aid Groups من مختلف ربوع العالم لتكثيف جهودها لمواجهتها، وتقديم يد المساعدة لأفراد المجتمع، وحققت نجاحات كبيرة رغم نقص الإمكانيات وخففت من حدة الأزمة، دون الحاجة لدعم الدول الفاشلة وقطاعاتها الصحية الرديئة.

الدعم المتبادل ليس مجرد نظرية، وإنما عامل للتطور والتقدم كما بينه لنا بيّتر كروبوتكين ولاحقا كلا من “بابلو سيرفيني” وغوتيي شابيل” (في كتابهما المكمل والمستحدث لكتاب كروبوتكين المعنون ب: المساعدة المتبادلة: القانون الآخر للغاب) بل أمر جد هام في المجتمعات الإنسانية، ولا يمكننا أن نتقدّم بدونه، فتوفير الاحتياجات الفورية للناس في مجتمعاتنا يمكن أن يعمل أيضًا كنظام دعم على أرض الواقع – فالمساعدة المتبادلة هي جانب أساسي لأنواعنا البيولوجية، كما أنها تعزز الازدهار الإيجابي لإنسانيتنا الجماعية – فأفضل غرائزنا هي تلك التي تخدم الآخرين، وتساعد بعضها البعض أينما وكيفما استطاعت، وتتنظم بوعي لما هو أفضل لأنواعنا وبيئتنا المشتركة.

تقوم مؤسسات وشبكات المساعدة المتبادلة برفع السلع والخدمات المادية للطبقة العاملة بأكملها مع المساهمة في المساعي التنظيمية الأخرى، كتقديم المساعدة المادية للعمال المضربين، والملابس والطعام للمتشردين، والأحياء الفقيرة والمناطق النائية، والمساعدة المادية للمعلمين والطلاب الذين يواجهون تدابير التقشف، وإغاثة أولئك المتأثرين بتغير المناخ والكوارث الطبيعية، التي تعد كلها طرق يمكننا من خلالها تنظيم عالم أفضل، اليوم.

غالبًا ما يتم تشبيه أفكار المساعدة المتبادلة بنفس الأفكار الرأسمالية المتعلقة بالأعمال الخيرية، بهدف استرجاع المبدأ طبعا، لكن هذا يتجاهل حقيقة أن المساعدة المتبادلة هي العمل الذي نقوم به لدعم بعضنا البعض في النضال، حيث يتحمل الناس مسؤولية رعاية احتياجات بعضهم البعض – بينما نبني المهارات ونتشاركها مع بعضنا البعض، نحن قادرون على خلق بيئة صديقة، وتحدي الاغتراب والعلاقات الرأسمالية من خلال المعاملة بالمثل والتضامن، يمكن أن يكون هذا أيضًا مساعدًا لنضالاتنا.

 يمكن للمساعدة المتبادلة أن تخفف الظروف المادية أو تساعد مختلف قطاعات المجتمع وتزوّدها بالقوة اللازمة لمواجهة الأرباب ومؤسسة الدولة التي تدعمهم وتوفر لهم الحماية القانونية وما إلى ذلك، إلا أن هجومها على هيكل السلطة أعمق بكثير، فإذا كانت المساعدة المتبادلة قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للجميع في المدينة، فما الفائدة من الدعم الخارجي إذن؟

التعاون المتبادل قادر على تفكيك المصفوفات الاستغلالية على المستوى الماكرو مجتمعي، لأن الرأسمالية بذاتها تقوم على شبكة من المؤسسات التي تستمد قوتها من السيطرة والاستبعاد.
إن الفري أكسس Free Access أو الوصول الحر هو سم الرأسمالية، فمن خلال بناء القدرة على توفير الموارد على أساس غير سوقي، نزرع بذور التدمير لاستغلال الدولة.

إعداد: Anarchist

الصورة الافتراضية
فريق العمل
المقالات: 37

اترك ردّاً