من أين تبدأ في الفلسفة

“من الطبيعي جداً أن تبدأ بقراءة أرسطو قبل أفلاطون. ومن الطبيعي كذلك أن يكون أول كتاب لك في الفلسفة هو المختصر لإبكتيتوس. ويمكنك كذلك البدء بأحد أعمال بيرتراند راسل، أو آين راند، أو حنة آرندت.”

“من أين أبدأ؟ أي عمل يجب أن اقرأه أولاً.” يُطرح هذا السؤال دوماً من قبل أشخاص يريدون البدء بدراسة الفلسفة لكنهم لا يعرفون من أين يبدؤون. فهل علينا أن نقرأ الفلسفة بتسلسل معين، كأن نقرأ أفلاطون قبل أرسطو، ويجب قبلهم أن نأخذ نظرة على الفلسفة ما قبل سقراطية؟ وهل علينا أن نقرأ أعمالهم بترتيب زمني معين؛ أي أن نبدأ أولا بأعمال أفلاطون ثم نصعد تدريجياً؟

قطعاً لا، يمكن للفلسفة أن تُقرأ من أي جانب. يمكنك البدء من أي كتاب أو مؤلف تفضله وتحس أنه الأقرب إلى قلبك. فالفلسفة تعبر عن التفكير الحر وليس هناك ما هو أكثر حرية من البدء من المكان الذي تحبه وتشرع في التسلق من تلك النقطة. وعلى كل حال، لا يهم أي كتاب أو كاتب تبدأ رحلتك معه، فأنت لن تفهم ذلك العمل بشكل كامل على أي حال. إذا قرأت لأفلاطون أو كانط وفهمت كل شيء من أول محاولة، فإنك على الأرجح مخطئ وبشكل كبير أيضاً.

لأن عملية قراءة أو دراسة الفلسفة هي عملية تراتبية، تراكمية وتفسيرية. إننا نقوم بربط المفاهيم والأفكار ببعضها البعض. لذلك نحتاج إلى قراءة وجهات النظر المختلفة وربطها ببعضها أيضاً. وهي عملية تفسيرية لأننا نحن القراء من نفسر هذا العمل ونؤوّله حسب فهمنا وإدراكنا وأفكارنا المسبقة. فالقراءة ليست مجرد تلقٍّ للكلمات بل نحن نقوم بتحليلها وتفسيرها كذلك. والفلسفة تراكمية لأننا نحتاج لقراءة أفكار الفلاسفة ومناقشتها فهي تساعدنا في فهم أفكارهم ومدارسهم وكذا إثراء فكرنا ومساعدتنا في إعادة قراءة الكتب الفلسفية بطريقة مختلفة.

هل نغوص في البحر أم في بركة السباحة

هناك دوماً ذاك التخوف من مقاربة الأعمال الفلسفية بصورة مباشرة. فهل علينا أن نقرأ الفلسفة من منابعها وبشكل مباشر؟ أي أن نقرأ أفلاطون وأرسطو وهيغل، أو أن نبدأ بالكتب الثانوية التي تقدم تعليقات وشروحات لهؤلاء الفلاسفة من قبل كُتاب معاصرين؟ حسناً؛ هناك نوعان من الكتب الثانوية في الفلسفة: الأول، وهي الكتب المتخصصة التي يكتبها الأكاديميون أو المتخصصون لمناقشة أفكار كاتب أو فيلسوف معين بشكل معين ودقيق، وهذا النوع من الكتب غير مفيد بالنسبة للمبتدئين لأسباب واضحة.

أما النوع الثاني، وهي الكتب المؤلفة من قِبل كُتاب معاصرين وتحاول أن تلخص أو تبسط الفلسفة للقراء المبتدئين. ولهذه الكتب عيب قاتل، فهي تقوم بتأطير العمل في إطار فهم هذا الكاتب لتلك الفلسفة. تخيل قيام بيكاسو بإعادة رسم الموناليزا، سيكون العمل رائعا بالتأكيد ولكنه لن ينقل مشاعر أو أفكار دافنشي الأصلية التي وضعها في لوحته. لذلك إذا أردت أن ترى اللوحة فاذهب مباشرة إلى المتحف وشاهد اللوحة الأصلية وليس النسخة الحديثة والمختصرة.

لا تفهم الموضوع بشكل خاطئ، فالكتب الثانوية قد تمثّل مدخلاً رائعاً للفلسفة وقد تحوي أفكاراً جيدة جداً. لكن عيوب تبسيط الفلسفة هي محاولتها إزالة العمق الذي قد يكون أساسياً بالنسبة لبعض الأعمال الفلسفية. وإذا تعودت على هذا النوع من التبسيط ستواجه صعوبة عند مقابلتك ديكارت أو ماركس لأول مرة وجهاً لوجه.

هناك شيء أخير يجب عليك أخذه بعين الاعتبار عند دراسة الفلسفة، وهي أن التعميمات أو التصنيفات الفلسفية ليست مهمة جداً وربما قد تشتت أفكارك. ففي الحقيقة ليس هناك عداوة بين الأفلاطونية والأرسطية أو بين الانطباعية والواقعية، فالواقع أكثر تعقيداً من ذلك. والفلاسفة ليسوا ملزمين باتباع النهج الفلسفي لزمنهم أو عصرهم. فتصنيفنا لروسو على أنه “رومانسي” لا يساعدنا في فهم أفكاره.

لذلك فإن قراءة الفلسفة من مصادرها الأولية شيء مهم جداً لأي شخص ينوي التعمق في الفلسفة أو حتى التمتع بالمتعة الفكرية التي تمنحها الفلسفة لقرائها. فدراسة الفلسفة تعني دراسة ومناقشة وجدال فلاسفة أنفسهم وأعمالهم لا تلخيص أو شرح مبسط لأهم لأفكارهم.

وكذلك فإن قراءة الفلسفة من منابعها تساعد في إزالة الرهبة التي يفرضها بعض المؤلفين على القراء. فقراءة أفلاطون بشكل مباشر تساعدنا في فهم أفكاره هو، كما تعلّمنا أنهُ أيضاً إنسان مثلنا قابل للنقد وارتكاب الأخطاء ويمكننا مجادلته بصورة مباشرة دون وسيط.

إن الفلسفة ليست مجرد كتب ومقالات. هناك محاضرات، مجالات، تأملات، اعترافات، أمثال، قصص وروايات، شعر، معاهدات، محادثات، رسائل، بل وحتى لوحات. فلم نحرم أنفسنا من هذه المتع الفكرية ونلتزم بالأسلوب الحديث في الطرح.

عشرة كتب للغوص في الفلسفة

لذلك وضعت هذه القائمة المكونة من عشرة كتب، وأعلم أن هناك الكثير من الكتب المهمة غير موجودة فيها. وقد تركت الكثير من الكتب إما لتعقيد مواضيعها أو للغتها الصعبة أو لأنها مملة ببساطة. وركزت على الفلسفة الغربية ليس لأن باقي الفلسفات غير مهمة ولكن لأني لا أملك خبرة عن تلك الفلسفات لذلك لا يمكنني إبداء رأي منصف بخصوصها.

إليكموها:

  •  أفلاطون، الأيام الأخيرة لسقراط – وهذا يشمل المحاورات الأربعة: محاورة يوثيفرو، محاورة أبولوجي أو الاعتذار، محاورة كريتون، محاورة فيدو.

إن أفلاطون هو الخيار الأمثل لأي شخص ينوي الدخول إلى عالم الفلسفة. وليس هناك أفضل مقدمة من محاكمة سقراط وإدانته وإعدامه، لأنها ترينا أفكار كل من سقراط وأفلاطون.

  • أرسطو، الأخلاق إلى نيقوماخوس

لأرسطو أسلوب أصعب قليلاً من أفلاطون. لأن كتبه عبارة عن مقالات فلسفية وتملك نوعاً من التنظيم في طرح المواضيع وليست محاورات كأعمال أفلاطون. إن كتاب الأخلاق يعتبر مقدمة ممتازة لفكر أرسطو لأنه أبسط كتبه، كذلك لأنه يساعدنا على التعرف على نطاق واسع من الأفكار حول العدالة والسياسة والصداقة.

  • إبكتيتوس، الخواطر، الشذرات، والمخطوطات

لقد اخترت إبكتيتوس لكي يكون مدخلاً للفكر الرواقي، لأن كتاباته أكثر تنظيما من كتابات ماركوس إوريليوس. ولأنها تقدم عمقاً وتمثيلاً أقوى للرواقية من كتابات سينيكا.

  • القديس أوغسطين، الاعترافات

أوغسطين شخصية لها ثقلها في عالم الفلسفة. سيتحتم عليك أثناء رحلتك في الفلسفة أن تقرأ كتاباته، وتعتبر الاعترافات أفضل مدخل إليها. وبالإضافة لكونها عمل فلسفي فإن الاعترافات ترينا الصراع الروحي لأحد أهم الشخصيات الدينية في العالم. بالإضافة لكونها بحث ديني وتأملات في الفلسفة الميتافيزيقية التي سبقتها.

  • بوئثيوس، عزاء الفلسفة

إن هذا العمل أقرب ما يكون لتلخيص الفلسفة التي سبقته. فبوئثيوس الذي _كسقراط_ قد أُدين بشكل ظالم يقوم بطرح حججه من منطلق أرسطي، أفلاطوني، ورواقي في فضاء من الفكر المسيحي.

  • أنسلم من كانتربري، الحوارات الثلاثة – وهذا يشمل عن الحقيقة، عن حرية الإرادة، وعن سقوط الشيطان

هذه المحاورات هي الأفضل كمدخل لفكر هذا الفيلسوف الرائع. وفي نفس الوقت فهي تطرح مواضيع العدالة والحقيقة ومفاهيم عن الإرادة والشيطان.

  • توما الإكويني، الأعمال المختارة

لقد كان الأكويني كاتباً مثمراً. وقد بين ذلك في عمله العظيم “الخلاصة اللاهوتية”. ولكن هذا العمل لا يصلح للمبتدئ،ين على الرغم من مخالفة المؤلف لهذا الرأي. وهنا أنصح ببعض الشذرات من الكتاب الأول من الخلاصة وبعض الأعمال الأخرى التي جمعها رالف ماك أينري معاً.

  • رينيه ديكارت، تأملات حول الفلسفة الأولى (مع الاعتراضات والردود)

يمكنك البدء بقراءة نقاش حول المنهج لديكارت إن أردت، ولكني أفضل التأملات، لأنها تناقش مواضيع أهم ضمن المنهج الديكارتي. سواء أحببته أم لا، فديكارت شخص يجب عليك أن تقرأه في بداية مشوارك في الفلسفة لأنه يطرح مواضيع صعبة ومعقدة ولكن بطريقة سهلة وقابلة للفهم.

  • ماري وولستونكرافت، دفاعاً عن حقوق المرأة

لم تحظَ ماري وولستونكرافت بالتقدير الذي تستحقه. تُعد ماري من أول المدافعين عن النسوية وقد ألقت حججاً قوية  تبين مساواة المرأة للرجل. وعلى الرغم من كون هذا الكتاب قد كُتب في نهاية القرن الثامن عشر إلا أنه ما زال يحتفظ برونقه ومعاصرته إلى يومنا هذا.

  • فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق

قد يملك نيتشه كغيره على هذه القائمة أسلوباً معقداً قليلاً، ولكن الهدف ليس فهم كل كلمة قام بكتابتها، فيمكنك الخروج بالكثير من الأفكار بعد قراءتك الأولى لنيتشه. قد تميل أعمال نيتشه بصورة عامة لئلا تكون منظمة بل قد تكون مضادة للتنظيم في بعض الأحيان، إلا أن هذا العمل هو أكثر أعمال نيتشه تنظيماً وترتيباً.

الرابط : هنا

تدقيق لغوي: حفصة بوزكري


الصورة الافتراضية
Sajjad Thaier
مترجم مبتدئ مهتم بالفلسفة والأدب
المقالات: 49

اترك ردّاً