فراشات – قصة قصيرة

الذاكرة خائنة، ويتجلى ذلك في السؤال حين نقابل شخصاً نظن بمعرفةٍ سالفة بيننا وبينه، لكن الذاكرة لا تقوى رغم شتى المحاولات في العثور على اسمه أو شكل وموعد اللقاء الغائب. نطلق عبارة “بشبّه عليك” دلالة على فقر وخيانة الذاكرة، ثم نشك بأن عقلنا يختلق ذكرى مبهمة وبسالف معرفة زائفة، وبأننا نحن من نخلق تلك الفكرة أو ذلك الشعور. كان الأمر شبه مختلف بعض الشيء معي، فأنا أرى أحياناً أحلاماً أو أقابل ناساً وأنسى أشياء عديدة لكني أتذكر بعض ملامح تلك المناسبة، تكون تلك المناسبات غالباً ذات  علامة مميزة، أو حلم فريد يعْلق في رأسك فلا يحدث له سوى تشوش لصورته لكن ذكراه تبقى حاضرة، تحتاج فقط لنفض الغبار من فوقها، ولفعل تكرار الأحلام والمناسبات بتُّ أصدق شعوري بسالف المعرفة وإنْ فشلتُ في تذكر هيئة تلك اللحظة، ولا أشك بخداع عقلي لي.

رأيتها مرة، تذكرت بعد مرور ثلاث أيام. رأيتها في حلم فريد. كنت جالساً في مدرج وجلست بجواري بيضاء مملوءة بعض الشيء، في نفس طولي، شعرها مفرود، وعيناها قويتان. قسماتها جميلة وجسدها بديع. تحدثنا عن أشياء، وبقينا جالسين بعد خروج الجميع. تقابلنا بعدها في حديقة، قبلت كتفي وهي تمزح دلالة على الإمتنان لشيء لا أذكره. كانت جميلة وأشعة الشمس الحادة تنعكس على وجنتيها، فيشعلانها ويشعلان قلبي وجسدي. كانت الفراشات تحوم حول الورد وأشجار الحديقة الخاصة بمنزلها. قمنا باحتضان بعضنا البعض، ثم تبادلنا قبلة طويلة ساحرة، قبلة تذوب فيها حتى تتمنى البقاء والفناء على تلك الوضعية والبعث عليها، لعلها تكون الجنة الموعودة ولعلها نعيم الدنيا أجمعه. أ

استيقظت ولم أبلل بنطالي بسائلي الدافيء، فأراحني ذلك، وربما جمال الشعور الذي استيقظت عليه وخفقان قلبي هو ما جعلني أتذكر ذلك اليوم، حاولت لمرات أن أحلم بها مرة أخرى، فلم تستجب مخيلتي إلا بعد فترة، كنت على سلم أغير لمبة، وكانت تمسكه، وحين نزلت قابلتني بالتربيت على ظهري وتقبيل كتفي واحتضاني من الخلف، لكن نداء أمي انتشلني من حلمي الجميل، لم تزرني جميلتي أو تعد بعدها للأبد.

رأيتها ذلك اليوم، كنت أباشر عملي في الصيدلية. لمحتها خلف الزجاج واقفة قبالة الواجهة، لا أعلم أكانت تنظر لي أم لا، لكنها أذابت قلبي وجذبتني لأبقي عيني وخيالي وجوارحي منصوبة فوق وجهها البديع، وجمالها البهي، عبثاً أحاول تذكر متى رأيت ذلك الوجه المألوف. كانت جميلة.. جسدها المربك وعينيها الحادتين كعيني النسر قد جعلتاني أطيل تمحيصي في جمال وجهها وبديع جسدها. حين رحلت اعتصر قلبي، وددت لو أتنصل من حالة التسمر التي ألمت بي حينها.

كانت صورتها في رأسي وأنا هائم ليلًا في طريقي للعودة إلى المنزل. أفضّل المشي ولو لمسافة كبيرة بعد منتصف الليل، لكن هواء الليل الذي يلفح صدري ينعشني وينعش روحي ويعوضني عن حر الصباح الذي يحرق جسدي كحقل نفط بلا توقف.

أفضل تخيل بعض الأشياء قبل النوم، وكانت صورتها هي المناسبة لتخيلاتي تلك قبل أن أنام، تمنيت أن ألقاها في أحلامي.

طوال يومين كنت أركز مع المارة في الشارع، لعلها تقف مرة أخرى أمام الواجهة، لعلها تبغي الدخول لتتبضع تلك المرة، لعلها تمرض فتحتاج لعلاج، لعلها تحتاج لكريم لبشرتها وبياضها الألمعي. كنت أركز وأسرح كثيراً خلف الصيدلية لعلي ألقاها أو أراها، ومع الوقت حل اليأس وخفتت الرغبة حتى انعدمت. في يومي الثالث وأنا عائد تذكرت أحلامي، تذكرت تلك الرتوش فابتسمت لنفسي. حدّثتُ نفسي بأنها ربما تقطن قريباً من الصيدلية، وربما حلمي بها كان لرؤيتي لها ولو صدفة دون تركيز، ولعل هذا ينعش الأمل عندي ويقوي إيماني بالمجهول وأنتظره، وقد أنتظر بلا جدوى ما قد لا يأتي، لا يهم لحد كبير، ليس بالشيء الهام لتلك الدرجة ولا بالشيء الجلل الذي يجعل نفسي تتشبث بقوة أو تيأس أو تعطي له أكبر من مجرد تمني رؤية لفتاة جميلة أو مرورها مرة أخرى، أو صدفة، كلها أماني ربما لتشبع الإعجاب المتولد في النفس، أو لسد فراغ عدم وجود فتاة، وخلق السيناريوهات ما هي إلا تلبية لاحتياجات بعضها باطني وبعضها قد يكون ظاهراً لحد ما.

مرت عدة أيام وتناسيت الأمر برمته، حتى وقفت مرة أخرى قبالة الواجهة. ظلت تطيل النظر مرة أخرى. شعرت برغبة ملحة تلك المرة فتبعتها حين بدأت في التحرك بتململ. ناديت زميلتي وأخبرتها بأن تباشر العمل بدوري ودورها ريثما أعود. تحركتُ بسرعة حتى ألحقها خلف الزحام، رغبت في تتبعها. تحركتُ خلف ظهرها متتبعا بياض قميصها. ظللت أقاوم الزحام وأُبقي مسافةً بيننا وأنعطف يمنة ويسرى مثلما تنعطف حتى تسمرت مكانها، فما كان علي سوى البقاء خلفها محاولا ادعاء تفحص هاتفي والوقوف بجوار الحائط كي لا يصطدم بي المارة أو يسبني أحد. فجأة تحركت بسرعة وعبرت الشارع، وحين حاولت أن أتحرك بارتباك لفعلها السريع، حالت حركة السيارات وصعوبة مروري بعدها دون ذلك، حتى مررت فصارت هي هدفاً بعيداً يتحرك بسرعة في زحام شديد. تحركت بسرعة وكلمات الاعتذار على لساني لكل من أصطدم به، حتى اختفت كلياً عن ناظري بعد انعطافها الأخير. وقفت يائساً حزيناً، وكانت بعض الفراشات الملونة  تحلق فوق رأسي ورؤوس المارة، كان بعض الأطفال والناس معجبين بألوانها الجميلة، حطّ أغلبها فوق كتفي وأنا لا أدري لِمَ، ثم طارت عني بعد أن تحركت ودرت بجسدي. أجرّ خطواتي بيأس، أحاول تجميع شتات نفسي وأنا عائد حاملاً خيبة مطاردتي التعيسة لها.

 في اليوم الثاني رأيتها مرة أخرى، بتُّ أشك في أنها تحملق باتجاهي، بأنها تقصدني. تبعتها مرة أخرى، وتحركت بسرعة خلفها برغبة ملحة لكشف سرها/سرنا.. كان الزحام شديداً، والمرور صعب، وقميصها الأبيض لم يتغير. وددت أو أن أي شيء يعطلها، لكن خطواتي كانت أبطأ مهما حاولت الإسراع ووجدت ما يعرقلها، بينما هي تمر وتنساب وسط الزحام بخفة ورشاقة. لا أخفي استمتاعي بمظهر ظهرها ومؤخرتها وهي تتحرك لحد ما. وصلنا لنفس النقطة ولكن في تلك المرة صممت بألا أنتظر وأحاول أن أسبقها، وحين أقدمت على ذلك قامت هي بالمرور سريعاً فبذلت جهدي للحاقها وتقليل المسافة بيننا كي تبقى تحت ناظريّ، لكنها انعطفت مجدداً بخفة واختفت مرة أخرى. لم يبق سوى الفراشات الملونة وقد ازداد عددها بشكل ملحوظ. هبطت الفراشات فوقي، وتركتها لوقت تتجمع حولي وعلى جسدي حتى وقفت إحداهما على أنفي فهششتها لاإرادياً. عدت مرة أخرى أجر خيبتي والتعاسة تملؤني.

تكرر المشهد للمرة الثالثة، وقررت بأن لا أبرح مكاني في العمل، حاولت أن لا أنظر للواجهة حتى تختفي، لكن وقوفها قد طال أكثر من المعتاد، وعيناها الحادتان يمزقانني ويثقبان قلبي. لم أر نظرة حادة قوية تشعل جوارحي وقلبي مثل تلك، كانت حادة لدرجة الإغواء، قوية لدرجة السحر، وطيلة الوقت يصيبني ارتباك يظهر جلياً في تعاملي مع الزبائن. حاولت بأن لا أنظر للواجهة. مر الوقت ببطء حتى تحركت، وقد لمحت في طرف فمها ابتسامة، دق لها قلبي وجن، ولم يتوقف عقلي عن التفكير.

حين خرجت بعد انتهاء دوامي، وجدت فراشات ملونة كبيرة تحوم حولي، وحول باب الصيدلية. ابتسمت لألوانها.. لمطاردتها لي ولتزايد أعدادها يوم بعد يوم. التصقت بجسدي وحامت حولي، لم أشعر بشيء سوى بوقفاتها الخفيفة والهواء المنعش على صدري. تحركت ولم يفزعوا تلك المرة، ربما ألفوني، ومع سيري وجدت بأن إحداها تطير في المقدمة، تطير وتسبق خطواتي وتحافظ على مسافة بيننا. حين وصلنا لأول منعطف طرق، وقفت قبالي للحظات ثم إنعطفت، فكرت بأن أتبعها لعل بيت تلك الفراشات هناك، ربما شجرة كبيرة جميلة تحتضن تلك الألوان الجميلة، فسرت خلفها، وتتبعتها حتى أدركت بأنها نفس الطريق التي كنت أطارد فيها شبحي الأبيض. عزمت أكثر على تتبع الفراشة بجيش الفراشات الذي يسير معي وحولي كأنه يحرسني، حتى وصلنا لنفس النقطة التي تنعطف عندها وتختفي. قمت بالإنعطاف كما الفراشة القائدة قد فعلت وسرنا قليلًا حتى وصلنا لنقطة لم يكن في الشارع حينها – وقد تجاوزت منتصف الليل – سوى غيري والفراشات، فجأة انفضّ جمع الفراشات من حولي، تأملت بذهول طيرانهم العشوائي في إتجاهات مختلفة، حتى انتشلتني يد قد وجدت مرساها على كتفي، ومن ثم احتضان عفوي، ليصدم ظهري بجسد ناعم، وشيء طري للغاية اسفل كتفي. الشعر صار في مرمى بصري بعد أن تقدمت برأسها ومدته قرب رأسي، ثم وضعت قبلة خفيفة على كتفي ارتعش لها بدني، وجعلتني أتسمر في ذهول. كانت هي.. بابتسامة بجمال مقدس, ووقع مذهل. لا تفسير لمدى جمالها سوى النار والارتباك والضربات المتلاحقة لقلبي، وشعوري بأن قواي قد خارت.

“لقد اشتقت إليك. افتح شرفتك ليلًا قبل أن تنام، لو أتاك في الأساس، وسآتي إليك.. (ضحكت بخفة، ثم نظرت مرة أخرى بجدية واهتمام) لا تحاول أن تتابعني، فلن تستطيع، لقد جربت ذلك مراراً ولن تقدر”.

ما أن أنهت كلامها حتى تحركت بسرعة وخفة شديدتين وكأنها تركض، لكنها فقط تمشي وتمد حركتها بسرعة ملحوظة. حاولتُ التحرك والتخلص من سحرها للّحاق بها، لكن جمع الفراشات أغشاني ومنع عني الرؤية للحظات، وحين انفضّ كانت قد اختفت.

لم تغِب عني حتى عدت، ولم يغب التفكير، وبت لا أصدق بأنها كانت قريبة وبأنها لمستني، شعور القبلة حقيقي وغير مزيف. أفكر في شكل الأشجار الجميلة وجمع الفراشات ذاك، وفي عينها القوية. كيف لقلبي أن يصير كالرمل، ينساب بين يدها بسهولة؟

فتحت الشرفة كما قالت والصداع ألم بي لطول سهري وعدم قدرتي على النوم، حتى لم أستطع المقاومة ونمت أخيراً.

 استيقظت في الصباح لحر الغرفة ولأشعة الشمس التي تضرب رأسي. حاولت فتح عينيّ بصعوبة سببها الضوء، تحركت بثقل وصداع يفجر رأسي حتى أغلقت الشرفة, وأنا على تأهب لألقي جسدي على السرير مرة أخرى لأستئنف نومي. حين استدرت كانت هي.. واقفة في ركن الغرفة تبتسم لي، فركتُ عيني ووجهي وشعري بقوة لعلي مازلت نائماً. لكن الألم في رأسي حي، وخفقان قلبي حي، والأرض من تحتي حية. كل شيء حي، ومازلت أشك في كل شيء، لربما كل شيء حي ولربما أنا ميت وكل شيء من حولي قد تبعني. لا أعلم لم أطل التأمل في شعوري، تحركت بلا إرادة ولا قوة نحوها حتى اقتربت منها، مددت يدي لأتحسس خدها الناعم. كان دافئا وحيا.. هي حية وكل شيء حقيقة لا ريب فيها. أمالت رأسها كأنها تنام على خدي بابتسامة ثم قهقهة قصيرة بديعة. مدت يدها نحو خدي وتحركت بخفة عليه تتحسس تقاسيمه: “انتظرتك طويلًا. لكم انتظرتك واشتقت إليك. لكم أردت ورغبت فيك”. متى انتظرتني؟ شعرت للحظة بارتباك من كل هذا، من دخولها من وجودها من كل شيء. تساءلت عن هويتها، لكنها لم ترد، ظلت ترمقني بنظرتها الحادة، لكنها مفعمة بالهيام هذه المرة، وأنا مفعم بالشوق والرغبة. حركت وجهها ببطء نحوي، وأنفاسها الدافئة تلامسني وتتخبط في أنفاسي المرتبكة. فقدت التفكير في تلك اللحظة، انقطع حبل أفكاري وتعطل مخي، حين قبلتني.. لم أجد نفسي سوى هائم وقتيل بين شفتيها الرطبتين، أنهل منها بقوة ورغبة ويدي تتحرك بقوة على ظهرها وتضمها نحوي، بينما هي تقبض على رأسي. شعرت بأن العالم كأس أنهل منه. طالت قبلتنا ولم أرد أن أفلتها ولو للحظة. جسدها الناعم الملتصق بي يجعل جوارحي تجن. طالت القبلة حتى خفت يدها وخفت رطوبة شفتيها، طالت حتى بدأت في الاختفاء، تحللت من أسفل قدميها إلى فراشات، مر كل شيء سريعاً حتى صرت أقبل الهواء ثم الفراشات. ضمني جمع الفراشات وحملني نحو سريري ليسلمني لحزني ويأسي، فكنت معلقاً في السماء والآن أنا حبيس تحت الأرض، سلمني لمرارة يأسي. شعرت بأن هناك شيء اختفى داخلي، شيء كان حياً ومات. شيء مظلم. شعرت بالخواء والخفة، وبأن هناك ظلام يكتنفني من الداخل، ثم لم أعد أشعر بشيء من حولي. توقف قلبي عن النبض وتوقف صدري عن التنفس. توقف كل شيء إلا أني مازلت حياً باقٍ. أتجرع اليأس في نفس الكأس التي تجرعت منها العالم أجمع.

حين عدت من العمل فتحت النافذة ونمت على أمل عودتها مرة أخرى، على أمل التجرع من تلك الخمر مرة أخرى، ولكني حين استيقظت لم أجدها ولم أجد جمع الفراشات، وأدركت بأن لي نصيباً من الكأس الأخيرة لن ينتهي لأبد الأبدين.

الصورة الافتراضية
Marwan Mohamed Hamed
المقالات: 19

اترك ردّاً